منحنى الهابط للقوة الأمريكية: ما الذي يجب أن يفهمه الحلفاء وكيف ينبغي أن يتعاملوا معه؟
بقلم: المهندس نبيل
إبراهيم حدّاد
الولايات المتحدة لا
تنهار. فهي ما تزال واحدة من أقوى دول العالم، بما تمتلكه من قدرة عسكرية واسعة،
وأسواق مالية عميقة، وجامعات رائدة، وشركات تكنولوجية كبرى، وموارد طاقة كبيرة،
وتحالفات عالمية مؤثرة. غير أنّ من الواضح أيضاً أن الظروف التي جعلت القيادة
الأمريكية في الماضي مقبولة ومتوقعة ومهيمنة على نطاق واسع بدأت تضعف.
لذلك، فإن القضية ليست
السقوط المفاجئ لأمريكا، بل التراجع التدريجي في قدرة الولايات المتحدة على قيادة
العالم من دون مقاومة، ومن دون شكوك، ومن دون كلفة متزايدة.
وهذا ما يمكن تسميته
بالمنحنى الهابط للقوة الأمريكية: ليس انهياراً فورياً، بل تراجعاً نسبياً في النفوذ
والثقة والحرية الاستراتيجية في الحركة.
وبالنسبة للدول
الحليفة، يجب فهم هذا التحول بعناية. فهو لا ينبغي أن يقود إلى الذعر أو العداء أو
ردود الفعل العاطفية. وفي الوقت نفسه، لا يجوز تجاهله. إن الاستجابة الصحيحة هي
النضج الاستراتيجي: الاستمرار في التعاون مع الولايات المتحدة، ولكن مع تقليل
الاعتماد الخطر على أي قوة عالمية واحدة.
من الهيمنة إلى التنافس
بعد الحرب العالمية
الثانية، وخاصة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، أصبحت الولايات المتحدة
القوة المركزية في النظام الدولي. فقد ساهمت في تشكيل ترتيبات الأمن، وقواعد
التجارة، والمؤسسات المالية، والتحالفات العسكرية، ومعايير التكنولوجيا،
والأولويات الدبلوماسية.
وعلى مدى عدة عقود،
افترضت دول كثيرة أن الولايات المتحدة ستبقى الضامن الرئيسي للنظام العالمي. فقد
منحتها قوتها العسكرية، ومكانة الدولار، وسيطرتها على قنوات مالية رئيسية، وشبكة
تحالفاتها، مستوى استثنائياً من النفوذ.
لكن العالم تغيّر.
فقد صعدت الصين كقوة
اقتصادية وتكنولوجية وعسكرية كبرى. وتزداد الهند وزناً استراتيجياً. وتواصل روسيا،
رغم محدودياتها، تحدي النظام الأمني الغربي. كما أن دول الخليج وتركيا والبرازيل
ودول جنوب شرق آسيا وغيرها من القوى المتوسطة لم تعد متلقية سلبية للسياسات، بل
أصبحت تفاوض وتوازن وتنوّع وتقرر وفقاً لكل قضية على حدة.
العالم لم يعد أحادي
القطب بالكامل. إنه يتحرك نحو بيئة أكثر تنافساً وتعددية في مراكز القوة.
وهذا لا يعني أن أمريكا
أصبحت ضعيفة. بل يعني أن أمريكا لم تعد قادرة على افتراض الطاعة التلقائية.
المؤشرات العالمية
للمنحنى الهابط
المؤشر الأول هو ضعف
الثقة داخل التحالفات. فالقوة الأمريكية لا تقوم على مستعمرات رسمية كما كان حال
الإمبراطورية البريطانية القديمة. إنها تقوم على التحالفات، والقواعد العسكرية،
وشبكات التجارة، والضمانات الأمنية، والتعاون الاستخباراتي، والأنظمة المالية.
وإذا بدأ الحلفاء يشكون في مدى التزام واشنطن الدائم بهم، فإن النفوذ الأمريكي
يضعف حتى قبل أن تضعف قوته العسكرية.
المؤشر الثاني هو
الطابع التبادلي المتزايد للسياسة الخارجية الأمريكية. فكثير من الحلفاء يخشون
اليوم أن تصبح الضمانات الأمنية، والوصول إلى الأسواق، والدعم العسكري، والمساندة
الدبلوماسية مرتبطة أكثر بالمساومات السياسية قصيرة الأجل، لا بالالتزامات
الاستراتيجية طويلة الأجل. وعندما تصبح التحالفات تبادلية، تصبح الثقة مشروطة.
وعندما تصبح الثقة مشروطة، يبدأ الحلفاء بالبحث عن بدائل.
المؤشر الثالث هو الضغط
على النظام المالي المرتكز على الدولار. فما يزال الدولار أهم عملة عالمية، ولا
يوجد بديل فوري له. غير أن الاستخدام المتكرر للعقوبات، والرسوم الجمركية، والتوسع
في الدين، والضغط المالي، يدفع بعض الدول إلى البحث عن بدائل جزئية. وهذه عملية
بطيئة، لكنها حقيقية. فالثقة في القيادة المالية لا تُحافظ عليها القوة وحدها، بل
تحتاج إلى التوقع والانضباط والثقة.
المؤشر الرابع هو حدود
القوة العسكرية. فالولايات المتحدة ما تزال قادرة على نشر القوة في مختلف أنحاء
العالم، لكن العقود الأخيرة أثبتت أن التفوق العسكري لا يؤدي دائماً إلى نجاح
سياسي. فقد أظهرت أفغانستان والعراق وسوريا وأوكرانيا وغزة والتوترات مع إيران
والمنافسة مع الصين أن القوة يجب أن تستند إلى الشرعية والدبلوماسية والقوة الاقتصادية
والأهداف الاستراتيجية الواضحة.
المؤشر الخامس هو صعود
الاستقلال الاستراتيجي لدى القوى المتوسطة. فكثير من الدول اليوم لا تريد أن تختار
بصورة دائمة بين واشنطن أو بكين أو موسكو أو أي عاصمة أخرى. إنها تفضّل العلاقات
المرنة. فقد تشتري السلاح من جهة، وتتاجر مع جهة أخرى، وتتعاون تكنولوجياً مع طرف
ثالث، وتصوّت وفقاً لمصالحها. وهذا ليس بالضرورة موقفاً معادياً لأمريكا، بل هو
السلوك الطبيعي للدول في عالم متعدد الأقطاب.
الضغوط الداخلية داخل
الولايات المتحدة
لا يمكن فصل المنحنى
الخارجي الهابط عن الوضع الداخلي في الولايات المتحدة. فالقوى الكبرى تضعف خارجياً
عندما تتعرض أسسها الداخلية للضغط.
إحدى القضايا الرئيسية
هي الضغط المالي. فالدين العام، والعجز في الموازنة، وارتفاع مدفوعات الفوائد،
كلها تقلل من المرونة الاستراتيجية. فالدولة التي تنفق أكثر على خدمة الدين تصبح أقل
قدرة على الاستثمار في البنية التحتية، والتعليم، والصناعة، والجاهزية الدفاعية،
والبحث التكنولوجي، والاستقرار الاجتماعي.
القضية الثانية هي
الاستقطاب السياسي. فالحلفاء يطرحون سؤالاً بسيطاً: هل سيبقى التزام أمريكا اليوم
قائماً بعد الانتخابات القادمة؟ وإذا كانت كل انتخابات قادرة على تغيير السياسة
الخارجية، والتجارية، والمناخية، والدفاعية، والتحالفية، فإن مصداقية القيادة
الأمريكية تصبح أضعف.
القضية الثالثة هي
الاختلال الصناعي. فالولايات المتحدة ما تزال متقدمة تكنولوجياً، لكنها أصبحت
تعتمد على سلاسل توريد عالمية في قطاعات حيوية متعددة. فأشباه الموصلات، والمعادن
النادرة، والأدوية، وبناء السفن، والآلات الصناعية، وبعض مكونات الصناعات الدفاعية
لم تعد مسائل محلية خالصة، بل أصبحت نقاط ضعف استراتيجية.
القضية الرابعة هي عدم
المساواة الاجتماعية والإقليمية. فلا يمكن لقوة عالمية أن تبقى واثقة في الخارج
إذا كانت أجزاء كبيرة من مجتمعها تشعر بأنها مهمشة اقتصادياً، أو مغتربة سياسياً،
أو منقسمة اجتماعياً. ففقدان الثقة داخلياً يتحول في النهاية إلى ضعف خارجي.
القضية الخامسة هي
المصداقية. فالولايات المتحدة كثيراً ما تتحدث بلغة الديمقراطية، والسيادة، وحقوق
الإنسان، والقانون الدولي. لكن عندما تُطبّق هذه المبادئ بصورة انتقائية، تتراجع
السلطة الأخلاقية للقيادة الأمريكية. ويستغل الخصوم هذا التناقض، بينما يصبح
الحلفاء أكثر حذراً.
الدرس البريطاني
هناك مقارنة تاريخية
مفيدة مع بريطانيا، لكنها يجب أن تُستخدم بحذر. فقد كانت لبريطانيا مستعمرات
رسمية. أما الولايات المتحدة فلا تسيطر على العالم بالشكل الاستعماري نفسه. لقد
انهارت الإمبراطورية البريطانية من خلال إنهاء الاستعمار. أما النظام الأمريكي،
إذا ضعف، فسوف يضعف من خلال فقدان الثقة، وتراجع المركزية المالية، وضعف ثقة
الحلفاء، وتراجع التماسك الداخلي.
كان خطأ بريطانيا أنها
حاولت الحفاظ على دور إمبراطوري عالمي بعد أن ضعفت قاعدتها الاقتصادية. وتواجه
الولايات المتحدة خطراً مختلفاً لكنه مرتبط: محاولة الحفاظ على الهيمنة العالمية
بينما تتعرض قاعدتها السياسية والمالية والصناعية الداخلية للضغط.
والدرس واضح: لا يمكن
للقيادة العالمية أن تعتمد إلى الأبد على انتصارات الماضي، أو المؤسسات القديمة،
أو القوة العسكرية، أو الامتياز المالي. بل يجب تجديدها باستمرار من خلال القوة
الداخلية، والدبلوماسية الحكيمة، والشراكات العادلة، والانضباط الاستراتيجي.
كيف ينبغي للدول
الحليفة أن تتعامل؟
لا ينبغي للدول الحليفة
أن ترد على المنحنى الهابط لأمريكا بالعداء. كما لا ينبغي أن ترد عليه بالاعتماد
الأعمى. فالاستجابة الصحيحة هي التحوّط الاستراتيجي من دون خيانة استراتيجية.
وهذا يعني البقاء في
علاقة صداقة وتعاون مع واشنطن، مع بناء القدرة على الوقوف بشكل مستقل إذا أصبحت
السياسة الأمريكية أقل قابلية للتوقع أو أقل استعداداً للتدخل.
أولاً، يجب على الدول
الحليفة أن تعزز مناعتها الوطنية. وهذا يشمل الأمن الغذائي، وأمن الطاقة، والحماية
السيبرانية، واللوجستيات الطارئة، والموانئ، والطرق، والمطارات، والتخزين
الاستراتيجي، والاحتياطيات المالية، والكوادر المؤهلة، وكفاءة المؤسسات. فالدولة
الضعيفة لا يمكن أن تكون حليفاً جدياً، بل تصبح تابعاً معتمداً.
ثانياً، ينبغي للدول
الحليفة أن تنوّع شراكاتها. فالحفاظ على علاقات قوية مع الولايات المتحدة لا يمنع
إقامة علاقات عملية مع أوروبا، والصين، والهند، واليابان، وكوريا الجنوبية،
وتركيا، ودول الخليج، ودول جنوب شرق آسيا، والجيران الإقليميين. التنويع ليس
خيانة، بل إدارة مخاطر.
ثالثاً، يجب على
الحلفاء تجنب الاصطفاف الأعمى. فالحليف الحكيم لا يؤيد تلقائياً كل قرار تتخذه قوة
كبرى. يجب تقييم كل قضية وفقاً للمصلحة الوطنية، والشرعية القانونية، والأثر
الاقتصادي، والاستقرار الإقليمي، والرأي العام، والنتائج بعيدة المدى. الحلفاء
الجيدون يقدمون النصيحة؛ أما الحلفاء الضعفاء فيكتفون بالاتباع.
رابعاً، ينبغي للدول
الحليفة أن تزيد قدراتها الدفاعية والأمنية. وهذا لا يعني التخلي عن التحالفات
القائمة، بل يعني تقليل الاعتماد العاجز. وعلى الدول تحسين الدفاع الجوي، والدفاع
السيبراني، والاستخبارات، وأمن الحدود، والدفاع المدني، والاستجابة للطوارئ،
وحماية البنية التحتية الحيوية.
خامساً، يجب على الدول
أن تحمي اقتصاداتها من الصدمات الخارجية. فلا ينبغي لأي دولة أن تعتمد بشكل مفرط
على سوق واحدة، أو عملة واحدة، أو مورد واحد، أو طريق شحن واحد، أو راعٍ أمني
واحد. فالعالم القادم سيكافئ الدول القادرة على امتصاص الصدمات والاستمرار في
العمل تحت الضغط.
سادساً، يجب على الدول
الصغيرة والمتوسطة أن تعزز التعاون الإقليمي. فبالنسبة لدول مثل الأردن وغيرها، لا
يمكن بناء المرونة منفردة. هناك حاجة إلى تعاون إقليمي في سلاسل الإمداد الغذائي،
والربط الكهربائي والطاقة، وتكنولوجيا المياه، واللوجستيات، والمناطق الصناعية،
والتعليم، والتدريب المهني، والأمن الصحي، والبنية التحتية الرقمية.
ما الذي يجب أن يتجنبه
الحلفاء؟
ينبغي للدول الحليفة أن
تتجنب أربعة أخطاء استراتيجية.
أولاً، يجب ألا تفترض
أن أمريكا انتهت. فهذا سيكون قراءة خطيرة وخاطئة. فالولايات المتحدة ما تزال قوة
من الصف الأول، وستواصل التأثير في العالم لسنوات طويلة.
ثانياً، يجب ألا تبقى
معتمدة كلياً على أمريكا. فهذا أيضاً خطر. فالاعتماد يتحول إلى ضعف عندما يصبح
الحامي غير قابل للتوقع أو مثقلاً بالأعباء.
ثالثاً، يجب ألا تندفع
بصورة عمياء نحو قوة عظمى أخرى كبديل. فالصين أو روسيا أو أوروبا أو أي قوة أخرى
ستتصرف أيضاً وفقاً لمصالحها الخاصة. فلا توجد إمبراطوريات خيرية في السياسة
الدولية.
رابعاً، يجب ألا تتحول
السياسة الخارجية إلى شعارات. فالعالم القادم يحتاج إلى انضباط، وتحليل فني، وحساب
اقتصادي، وتخطيط قائم على المصلحة الوطنية.
موقع الدول الصغيرة
والمتوسطة
بالنسبة للدول الصغيرة
والمتوسطة، فإن المنحنى الهابط لأمريكا يمثل خطراً وفرصة في الوقت نفسه.
إنه خطر لأن عدم
الاستقرار العالمي قد يزيد الضغط على أسعار الغذاء، وأسعار الوقود، والشحن،
والاستثمار، والمساعدات، والترتيبات الدفاعية، والأمن الإقليمي. والدول التي تعتمد
بشدة على الدعم الخارجي قد تواجه صدمات مفاجئة.
لكنه أيضاً فرصة، لأن
العالم متعدد الأقطاب يمنح مساحة أوسع للحركة الدبلوماسية. فالدول التي تمتلك
مؤسسات قوية، واستراتيجيات واضحة، وقيادة قادرة، تستطيع أن تفاوض بشكل أفضل،
وتنوّع بشكل أفضل، وتحمي مصالحها بشكل أفضل.
والفارق الأساسي سيكون
في الاستعداد. فالدول التي تنتظر بصورة سلبية ستصبح ضحية للتغير العالمي. أما
الدول التي تخطط مبكراً، فيمكنها تحويل عدم اليقين إلى ميزة استراتيجية.
الخلاصة
لا ينبغي قراءة تراجع
الهيمنة الأمريكية غير المنازعة باعتباره نهاية أمريكا. كما لا ينبغي الاحتفاء به
باعتباره ولادة تلقائية لعالم أفضل. فقد يؤدي ضعف النظام الذي تقوده أمريكا إلى
مزيد من عدم الاستقرار، ومزيد من التنافس الإقليمي، ومزيد من الصدمات الاقتصادية،
ومزيد من عدم اليقين.
فالاستجابة الحكيمة
ليست الذعر ولا التبعية.
ينبغي للدول الحليفة أن
تبقى شريكاً بنّاءً للولايات المتحدة، لكنها يجب أيضاً أن تعزز قدرتها الوطنية،
وتنوّع علاقاتها الخارجية، وتحمي اقتصاداتها، وتعمّق تعاونها الإقليمي.
في العالم القادم، لن
تكون الدول الأقوى هي تلك التي تعلن الولاء المطلق لمعسكر ما أو العداء المطلق
لمعسكر آخر. بل ستكون الأقوى هي الدول التي تفهم التغيير مبكراً، وتستعد بهدوء،
وتفاوض بحكمة، وتحمي مصالحها بانضباط وبصيرة.
قد تبقى الولايات
المتحدة قوية لوقت طويل. غير أن العصر الذي كان يمكن فيه لكثير من الدول أن تفترض
بأمان أن واشنطن ستحمل العبء دائماً، وتدفع الكلفة دائماً، وتوفر الاتجاه دائماً،
بدأ يتراجع. والحليف الناضج يجب أن يبقى صديقاً، لكنه يجب ألا يبقى عاجزاً.
























