هل دخلت الضفة الغربية المرحلة النهائية من المشروع الإحلالي الإسرائيلي؟
تشهد الضفة الغربية تصعيدًا غير
مسبوق في سياسات الاحتلال الإسرائيلي، وسط تحذيرات متزايدة من انتقال المشروع
الاستيطاني من مرحلة التوسع التدريجي إلى تنفيذ مخططات تهجير وإعادة تشكيل
ديمغرافي واسعة النطاق.
ويرى مراقبون أن ما يجري لم يعد
يقتصر على تضييق الخناق على الفلسطينيين أو توسيع البؤر الاستيطانية، بل بات جزءًا
من مشروع سياسي وأمني متكامل يستهدف تفكيك الوجود الفلسطيني، وتحويله إلى تجمعات
معزولة تمهيدًا لفرض وقائع جديدة على الأرض.
وقال الخبير في شؤون الجدار
والاستيطان جمال جمعة: إن ما تشهده الضفة الغربية اليوم يمثل المرحلة النهائية من
المشروع الاستعماري الإحلالي الإسرائيلي، مشيرًا إلى أن الاحتلال، منذ السابع من
تشرين أول/ أكتوبر 2023، يتعامل مع التطورات الجارية باعتبارها فرصة لاستكمال ما
بدأه منذ عام 1948 من عمليات تهجير وتطهير جغرافي بحق الفلسطينيين.
وأوضح جمعة في حديث لـ"قدس
برس" أن المشروع الاستيطاني الإسرائيلي منذ احتلال عام 1967 كان يسير بصورة
ممنهجة نحو تضييق الخناق على الفلسطينيين، وصولًا إلى ما وصفه بـ"بدايات
النهايات" التي تجسدت مع إنشاء جدار الفصل العنصري، حيث وُضعت الخريطة النهائية
للوجود الفلسطيني داخل الأراضي المحتلة، عبر حصر الفلسطينيين في
"كانتونات" ومعازل ضيقة ومفككة جغرافيًا.
وأضاف أن المرحلة الحالية تتمثل
في تسريع عمليات التهجير والتطهير السكاني على الأرض، من خلال استهداف التجمعات
البدوية ودفعها إلى الرحيل عن مناطقها، إلى جانب تجريد الفلسطينيين من مصادر عيشهم
في القرى والأرياف، وحصرهم داخل تجمعات سكنية مكتظة ومعزولة، الأمر الذي يؤسس —
وفق تقديره — لأوضاع اقتصادية واجتماعية شديدة الخطورة داخل هذه المعازل.
وأشار جمعة إلى أن ما يجري في
الضفة الغربية يعيد إنتاج سيناريو قطاع غزة، عبر خلق بيئة معيشية خانقة تمهد
لاحقًا لفرض التهجير القسري، مؤكدًا أن الاحتلال يعمل على تسريع تنفيذ هذا
السيناريو في الضفة الغربية ضمن مشروع تهجير متكامل الأركان.
من جانبه، قال الكاتب والباحث
السياسي محمد القيق إن ملف التهجير في الضفة الغربية لم يعد مجرد رغبة لدى جماعات
استيطانية متطرفة، بل تحول إلى سياسة حكومية إسرائيلية معلنة، يجري التفاخر بها
داخل الأوساط السياسية والحكومية الإسرائيلية.
وأوضح القيق في حديث لـ"قدس
برس" أن الخطاب السياسي الإسرائيلي، خاصة في سياق الدعاية الانتخابية، بات
قائمًا على تعزيز ما وصفه بـ"دولة المستوطنين"، وهو ما يعني تصاعد أعداد
المهجرين الفلسطينيين، وتكثيف الضغوط السياسية والاقتصادية والأمنية عليهم.
وأضاف أن هذه السياسات تنسف
عمليًا أي حديث عن "حل الدولتين"، بل تتجاوز ذلك إلى تقويض المبادرات
العربية والدولية كافة، بما فيها مبادرة السلام العربية، معتبرًا أن ما يجري على
الأرض يمثل تطبيقًا فعليًا لمضامين "صفقة القرن"، حتى وإن لم يُعلن عنها
رسميًا بهذا الاسم.
وأكد القيق أن الاحتلال يسعى إلى
فرض واقع ديمغرافي وسياسي جديد في الضفة الغربية، يقوم على توسيع الاستيطان،
وتعزيز السيطرة الإسرائيلية، وتقليص الوجود الفلسطيني إلى جيوب معزولة تفتقر إلى
مقومات الحياة والسيادة، في إطار مشروع طويل الأمد لإعادة تشكيل الجغرافيا
الفلسطينية بما يخدم الرؤية الإسرائيلية.
وكان نائب المتحدث باسم الأمين
العام للأمم المتحدة، فرحان حق قد أكد أن سياسات الاحتلال أدت لتهجير آلاف المواطنين
في الضفة الغربية.
وأوضح المسؤول الأممي في تصريح
صحفي نشر اليوم السبت، أن نحو 40 ألف فلسطيني أُجبروا على ترك منازلهم وأراضيهم
قسراً منذ بداية عام 2025، نتيجة الضغوط الممارسة عليهم وتصاعد وتيرة الهدم.
وشهد الأسبوع الأول من شهر أيار/
مايو الجاري تصعيداً ميدانياً لافتاً في عمليات استهداف الوجود الفلسطيني، حيث
وثقت المنظمة الدولية نزوح 42 مواطناً جديداً.
ومن بين المهجرين خلال هذه
الفترة الوجيزة 24 طفلاً، مما يشير إلى استهداف مباشر للفئات الأكثر ضعفاً ضمن
سياسة ممنهجة تهدف إلى ترويع العائلات الفلسطينية وهدم استقرارها الاجتماعي
والمادي.























