زيارة ترامب إلى الصين: الدبلوماسية، والاستعراض، وغياب الصوت الإقليمي
بقلم: المهندس نبيل
إبراهيم حداد
قد تُقدَّم زيارة
الرئيس ترامب إلى الصين على أنها حدث دبلوماسي مهم، لكن السؤال الحقيقي ليس ما إذا
كانت الزيارة ستنتج تصريحات دافئة، وصوراً رسمية، ولغة احتفالية. السؤال الحقيقي
هو: هل ستنتج نتائج قابلة للقياس، والتزامات قابلة للتنفيذ، وتوازناً استراتيجياً؟
هناك فرق واسع بين
الاستعراض الدبلوماسي والإنجاز الاستراتيجي. فترامب معروف بكثرة الكلام، وبمدح
اللقاءات، وبالعودة إلى بلاده بتصريحات قوية عن مباحثات «رائعة» وتقدم «تاريخي».
أما الصين، فعادة ما تتحدث بحذر، وتكشف القليل، وتعمل بصبر نحو تحقيق مكاسب
استراتيجية طويلة الأمد. وهذا الاختلاف في الأسلوب السياسي مهم. فترامب قد يبحث عن
عنوان إعلامي، بينما تبحث الصين عن المضمون.
من المتوقع أن تشمل
الزيارة ملفات التجارة، والرسوم الجمركية، والتكنولوجيا، وإيران، وأمن الطاقة،
والاستقرار الجيوسياسي. وقد يتوقع ترامب أن يعود بصفقات تبلغ قيمتها مليارات
الدولارات. لكن مثل هذه الصفقات لا تأتي غالباً من خلال الضغط السياسي أو
الدبلوماسية الشخصية وحدها. فالصين لن تقدم مشتريات تجارية كبيرة لمجرد منح ترامب
نصراً سياسياً. بكين ستطلب مقابلاً.
بعبارة بسيطة، لا يمكن
أن تتحرك التجارة في اتجاه واحد فقط. فإذا أراد ترامب من الصين أن تشتري المزيد من
السلع الأميركية، أو الطائرات، أو الطاقة، أو المنتجات الزراعية، أو التكنولوجيا،
فعلى واشنطن أيضاً أن تحدد ما هي مستعدة للسماح للصين ببيعه، أو الاستثمار فيه، أو
الوصول إليه، أو التفاوض بشأنه. فالصفقات ليست جوائز. إنها تبادلات. وما لم تُفتح
التجارة في الاتجاهين، فقد تبقى المليارات المتوقعة شعاراً سياسياً أكثر منها
واقعاً اقتصادياً.
كما أن الصين ستطلب
ضمانات. فمن غير المرجح أن تقدم بكين تنازلات اعتماداً على وعود شخصية أو تصريحات
عامة فقط. وأي تنازل تقدمه الصين سيكون على الأرجح مرتبطاً بإجراءات متبادلة
واضحة، وآليات تنفيذ محددة، وضمانات تمنع التراجع عنه مستقبلاً. فالصين تفكر بمنطق
الاستمرارية، والنفوذ، والربط الاستراتيجي. وستسأل: ماذا ستحصل الصين في المقابل؟
وكم سيستمر هذا الترتيب؟ ومن يضمنه؟ وماذا يحدث إذا غيّرت واشنطن مسارها؟
هنا يظهر الفرق بين
أسلوب ترامب القائم على الصفقات السريعة، والمنهج الصيني القائم على التفكير
الاستراتيجي. فترامب قد يركز على الإعلان. أما الصين فستركز على الشروط الملزمة
خلف الإعلان. ترامب قد يريد العنوان: «صفقات بمليارات الدولارات». أما الصين
فستدرس بنية الرسوم الجمركية، وقيود التصدير، والقيود التكنولوجية، وقواعد
الاستثمار، والتداعيات الجيوسياسية.
أما ملف إيران فيضيف
طبقة أخرى من التعقيد. فمن غير المرجح أن تقول الصين لترامب علناً وبأسلوب تصادمي
إنها تقف خلف إيران. فهذا ليس أسلوب الصين. وبدلاً من ذلك، من المرجح أن ترسل بكين
رسالة أكثر هدوءاً: إيران ليست معزولة، والصين تملك نفوذاً، وأي استراتيجية
أميركية تجاه إيران يجب أن تأخذ المصالح الصينية في الاعتبار. وقد تتحدث الصين
بلغة ضبط النفس، والسيادة، والحوار، والاستقرار الإقليمي، بينما تستمر في حماية
علاقتها الاقتصادية والاستراتيجية مع إيران.
لكن ترامب يكون قد
ارتكب خطأ استراتيجياً إذا دخل في مناقشات حول إيران مع الصين دون أن يتشاور أولاً
مع الدول الإقليمية الأكثر تأثراً بالضغط الإيراني وعدم الاستقرار الإقليمي. فهذه
الدول لا يجوز التعامل معها كهوامش في تفاوض بين واشنطن وبكين. إنها الدول التي تواجه
الصواريخ، والميليشيات، واضطراب الملاحة، وضغط اللاجئين، وصدمات الطاقة،
والتداعيات السياسية. القوى الكبرى قد تفاوض من مسافة بعيدة، لكن الدول الإقليمية
تعيش داخل نتائج تلك المفاوضات.
لا يمكن تصميم سياسة
مستدامة تجاه إيران فوق رؤوس الدول الإقليمية. فالصين ستتحدث باسم مصالحها. وإيران
ستتحدث باسم نفسها. والولايات المتحدة ستتحدث من موقعها العالمي. لكن الدول
الإقليمية يجب أن يُسمع صوتها أيضاً، لأنها خط التعرض الأول وخط النتائج الأول.
وهذا ليس مجرد مجاملة
دبلوماسية. إنه متطلب من متطلبات إدارة المخاطر. فأي سياسة جدية تجاه إيران يجب أن
تأخذ في الاعتبار أصحاب المصلحة المعرضين مباشرة للنتائج. واستبعادهم يضعف جودة
القرار، ويزيد عدم الثقة الإقليمية، ويخلق انطباعاً بأن القوى الكبرى تفاوض على
مستقبل المنطقة دون مشاركة أهل المنطقة.
في النهاية، قد يعود
ترامب من الصين متحدثاً عن زيارة رائعة، وعلاقات قوية، وفرص كبيرة. لكن النتيجة
العملية يجب أن تُقاس بالحقائق لا بالصفات. هل قدمت الصين تنازلات حقيقية؟ هل كانت
هذه التنازلات متبادلة وقابلة للتنفيذ؟ هل فُتحت التجارة في الاتجاهين؟ هل جرت
استشارة الدول الإقليمية في القضايا التي تمس أمنها؟ هل وُثقت الضمانات
الاستراتيجية، أم تُركت للتفسير السياسي؟
من غير المرجح أن تمنح
الصين ترامب نصراً مجانياً. قد تمنحه عنواناً إعلامياً، لكنها ستحمي الجوهر. قد
تقدم إشارات تجارية محدودة، لكنها ستطلب ضمانات استراتيجية. قد تتحدث بهدوء عن
إيران، لكنها ستذكّر واشنطن بأن إيران ليست وحدها. وقد تستقبل ترامب بمراسم
دبلوماسية، لكنها ستفاوض بصبر وحذر.
لذلك، قد تكون النتيجة
المتوقعة للزيارة سياسية أكثر منها استراتيجية. قد يعود ترامب بلغة إيجابية. وقد
تخرج الصين محافظة على أوراق قوتها. وقد تبقى المنطقة قلقة إذا لم يُدرج صوتها
بصورة صحيحة. وقد يرى العالم مرة أخرى الفرق بين الدبلوماسية العلنية وفن إدارة
الدولة على المدى الطويل.
والدرس واضح: لا تُقاس
الدبلوماسية الناجحة بحرارة الزيارة، أو حجم الإعلان، أو ثقة المؤتمر الصحفي. بل
تُقاس بالالتزامات القابلة للتنفيذ، والتنازلات المتوازنة، والتشاور الصحيح مع
أصحاب المصلحة، والقدرة على تحويل الكلمات إلى نتائج استراتيجية دائمة.
























