الأردن في مواجهة أزمة مركّبة: بين اختناق النمو وفرصة التحول التاريخي
وائل منسي
ما يواجهه الأردن اليوم
لم يعد مجرد أزمة اقتصادية عابرة يمكن تجاوزها بتحسن مؤقت في أسعار النفط أو هدوء
نسبي في الإقليم؛ بل هو أزمة هيكلية عميقة تراكمت عبر عقود طويلة، حتى أصبحت
الصدمات الخارجية تكشف هشاشتها أكثر مما تتسبب بها.
فالفارق كبير بين اقتصاد يمر بدورة ركود طبيعية،
واقتصاد بات يحتاج إلى إعادة تعريف لنموذجه التنموي بالكامل.
طوال سنوات، استند
الاقتصاد الأردني إلى ثلاثة أعمدة رئيسية: المساعدات الخارجية، وتحويلات
المغتربين، والسياحة.
لكنها جميعاً ترتبط بعوامل خارج السيطرة
الوطنية؛ فحين تتراجع اقتصادات الخليج، أو تشتعل الحروب الإقليمية، أو تهتز حركة
السياحة، تتعرض هذه الركائز للاهتزاز دفعة واحدة. المشكلة هنا ليست في ضعف الموارد
فقط، بل في طبيعة النموذج ذاته الذي اعتمد على التدفقات الخارجية أكثر من اعتماده
على إنتاج الثروة داخلياً.
في قلب هذه الأزمة تقف
الموازنة العامة بوصفها مرآة دقيقة للاختلالات المتراكمة. فالدين العام لم يعد
أداة لتحفيز التنمية أو تمويل مشاريع استراتيجية، بل تحول تدريجياً إلى وسيلة
لتغطية النفقات الجارية وإدارة العجز اليومي.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: حين تقترض الدولة
لتدفع رواتب وفوائد ديون سابقة، فإنها عملياً تستهلك المستقبل لتغطية كلفة الحاضر.
الأخطر أن بنية الإنفاق
نفسها تعمّق الأزمة؛ إذ تذهب الحصة الكبرى من الموازنة إلى الرواتب وخدمة الدين،
فيما تبقى الاستثمارات الرأسمالية والتنموية محدودة مقارنة بحجم التحديات.
وبذلك يجد الأردن نفسه عالقاً في معادلة قاسية:
الإنفاق يذهب لإدارة الواقع القائم، لا لبناء اقتصاد أكثر قدرة على النمو والإنتاج.
أما الإيرادات، فتعتمد
بصورة كبيرة على الضرائب غير المباشرة، أي الضرائب التي يدفعها المواطن يومياً عبر
الاستهلاك، بغض النظر عن مستوى دخله. وهنا تظهر المفارقة المؤلمة: المواطن محدود
الدخل يتحمل العبء الأكبر، بينما تبقى الثروات الكبرى وأرباح بعض القطاعات أقل
مساهمة مما يفترضه منطق العدالة الاقتصادية.
ومع مرور الوقت، لا يؤدي ذلك فقط إلى إنهاك
القدرة الشرائية، بل إلى اتساع الفجوة الاجتماعية وتآكل الثقة الاقتصادية.
ورغم تسجيل بعض
القطاعات نسب نمو جيدة، فإن هذا النمو بقي منفصلاً عن سوق العمل.
فالنمو الذي لا يخلق
فرصاً حقيقية يتحول إلى رقم في التقارير أكثر منه تحسناً في حياة الناس. بعض
القطاعات تعتمد على عمالة وافدة منخفضة الكلفة، وأخرى كثيفة رأس المال لكنها
محدودة التشغيل، فيما لا تزال القطاعات الأكثر قدرة على خلق الوظائف — كالسياحة
المتنوعة، والاقتصاد الرقمي، والمشاريع الصغيرة، والزراعة الذكية — تعاني من ضعف
الاستثمار والتمويل.
وهكذا يدخل الاقتصاد
الأردني في دائرة مغلقة: نمو محدود الأثر، بطالة مرتفعة، قاعدة ضريبية ضعيفة، عجز
متكرر، ثم مزيد من الاقتراض.
إنها حلقة تستنزف قدرة الدولة والمجتمع معاً.
لكن النزيف الأخطر ربما
لا يظهر مباشرة في الأرقام، بل في هجرة العقول والكفاءات. الأردن يمتلك واحداً من
أعلى معدلات التعليم والكفاءات البشرية في المنطقة، إلا أن اقتصاده غير قادر على
استيعاب هذه الطاقات بأجور وفرص تنافسية.
النتيجة أن البلاد تتحول تدريجياً إلى مصدر
مجاني للكفاءات لصالح أسواق أكثر قدرة على جذبها، فيما تخسر قطاعات حيوية كالصحة
والتعليم والتكنولوجيا أهم عناصر قوتها.
وفي الوقت نفسه، تتعرض
الطبقة الوسطى وهي العمود الفقري للاستقرار الاجتماعي والسياسي لضغط
متزايد من جهتين: ارتفاع تكاليف الحياة من جهة، وثبات الدخول أو تراجعها من جهة
أخرى.
ومع تآكل هذه الطبقة،
تتراجع قدرة المجتمع على امتصاص الصدمات الاقتصادية والاجتماعية، ويصبح الاستقرار
أكثر هشاشة.
ورغم كل ذلك، لا يمكن
تجاهل وجود مؤشرات إيجابية حقيقية.
فثمة تحسن في بعض
المؤشرات المالية، وارتفاع في الاحتياطيات الأجنبية، ونمو في الاستثمار الأجنبي،
إضافة إلى تحسن ثقة المستثمرين نسبياً.
كما أن رؤية التحديث
الاقتصادي تمثل محاولة جادة لإعادة صياغة الاقتصاد الأردني على أسس أكثر إنتاجية
وتنافسية.
لكن التحدي الحقيقي لا
يكمن في الخطط أو المؤشرات الكلية وحدها، بل في قدرة هذه السياسات على الوصول إلى
حياة المواطن اليومية.
فنجاح أي رؤية اقتصادية لا يُقاس فقط بارتفاع
أرقام البورصة أو تدفقات الاستثمار، بل بقدرة المواطن على الشعور بتحسن دخله وفرصه
ومستوى معيشته.
الأردن يقف اليوم أمام
مفترق تاريخي حقيقي.
فإما الاستمرار في نموذج يعتمد على المسكنات
المالية والمنح والديون، أو الانتقال التدريجي نحو اقتصاد إنتاجي يستثمر في ميزاته
الحقيقية: الموقع الجغرافي، والطاقة المتجددة، والكفاءات البشرية، والاستقرار
السياسي النسبي وسط إقليم مضطرب.
الفرص موجودة بالفعل.
مشاريع الطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر قد تمنح الأردن تحولاً استراتيجياً من
مستورد للطاقة إلى لاعب إقليمي فيها. ومشاريع النقل والسكك الحديدية والمياه قد
تعيد تعريف موقعه كمركز لوجستي في المنطقة.
كما أن تحسن ثقة
المستثمرين يشير إلى أن العالم لا يزال يرى في الأردن نموذجاً قابلاً للحياة إذا
أحسن إدارة موارده وتحدياته.
لكن نجاح هذا التحول
مشروط بمعادلة دقيقة: إصلاح اقتصادي لا يطيح بالاستقرار الاجتماعي، وانفتاح
استثماري لا يهمش العمالة المحلية، وسياسات مالية عادلة لا تدفع الفئات الأضعف
وحدها ثمن الأزمة.
وفي النهاية، قد لا
يكون التحدي الأكبر مالياً بقدر ما هو تحدي ثقة.
فالدول لا تُدار بالأرقام وحدها، بل بالعلاقة
بين المواطن والدولة، حين يشعر الناس بأن التضحيات موزعة بعدالة، وأن هناك رؤية
واضحة للمستقبل، يصبح المجتمع شريكاً في الإنقاذ لا مجرد متلقٍ للأعباء. أما حين
تتآكل الثقة، فإن أخطر ما تخسره الدولة ليس المال، بل الإيمان الجماعي بقدرتها على
العبور نحو مستقبل أفضل.
























