ذاكرة صحفي.. جودت مناع يكتب: أطفالي على حافة الاختناق بالغاز
كتب
جودت مناع
في
تلك السنوات التي سبقت الانتفاضة الفلسطينية الأولى، حين كان أبي معتقلًا في سجن
جنيد قرب نابلس، اعتدنا أنا وأسرتي أن نقضي نهار الجمعة في بيت والدي في مخيم
الدهيشة. لا أذكر العام على وجه اليقين؛ فالزمن في تلك المرحلة كان يمر مثقلًا
بالخوف والترقب، حتى بدت السنوات متشابهة كأبوابٍ متجاورة في ممر طويل من القهر.
في
ذلك اليوم، زرت شقيقتي التي كان بيتها يجاور بيت والدي. رافقتني زوجتي، بينما بقي
أطفالنا الثلاثة في غرفة النوم. كان أكبرهم بالكاد قد بلغ الخامسة. كانوا غارقين
في نوم طفولي هادئ، فيما كنا نحاول، نحن الكبار، أن نختطف لحظة عابرة من الطمأنينة
وسط حياة لا تعرف الاستقرار.
مرّ
بعض الوقت.
وفجأة،
شقّ صراخٌ حاد سكون الحارة.
خرجت
من الغرفة مدفوعًا بقلق غامض، وما إن التفت نحو بيت والدي حتى رأيت دخانًا كثيفًا
يتصاعد من نافذة غرفة النوم حيث كان أطفالي نائمين. في لحظة واحدة، تجمد الدم في
عروقي، ثم اندفعت أركض بكل ما أملك من قوة.
اقتحمت
الغرفة، فإذا بالهواء مشبع بالغاز المسيل للدموع. كان الدخان يملأ المكان كوحشٍ
أعمى يلتهم الأكسجين ويخنق الجدران. بالكاد استطعت أن أرى وجوه أطفالي وسط الضباب
الخانق. حملتهم واحدًا تلو الآخر، مذعورين ومختنقين، وأسرعت بهم إلى شرفة البيت
الخارجية، حيث تركتهم يستعيدون أنفاسهم المرتبكة تحت السماء المفتوحة.
وحين
اطمأننت أنهم ما زالوا أحياء، التفتُ إلى ساحة البيت.
كان
هناك أربعة جنود إسرائيليين يقفون في الحاكورة، بأسلحتهم وخوذاتهم ووجوههم
الجامدة. أخبرتني إحدى الجارات أنهم هم من ألقوا قنبلة الغاز داخل غرفة النوم.
في
تلك اللحظة، لم أعرف كيف احتشد كل ذلك الغضب داخلي دفعة واحدة. تقدمت نحوهم وأنا
أرتجف من القهر، وصرخت بالإنجليزية:
"ألا
تدركون أن ما فعلتموه بأطفالي لا يختلف عما ارتكبته النازية بحق أقاربكم في
معسكرات الموت؟ ألا يوجد بينكم أب يعرف معنى أن يرى أطفاله يختنقون؟”
ساد
صمت قصير، ثقيل ومربك.
ثم
بدأ الجنود يتراجعون ببطء، قبل أن يقفزوا فوق الجدار الحجري القديم الذي يحيط
بالحاكورة، وهم يلتفتون خلفهم بين لحظة وأخرى، كأن شيئًا في كلمات أبٍ مذعور قد
أصابهم، ولو للحظة، بالارتباك.
أما
نحن، فقد أمضينا ما تبقى من ذلك اليوم تحت وطأة القلق والخوف. لم يعد في البيت ما
يشبه الطمأنينة. حتى وجوه الأطفال بدت شاحبة، كأن الغاز ترك أثره في أرواحهم
الصغيرة، لا في صدورهم فقط.
ومع
حلول المساء، غادرنا المخيم عائدين إلى بيت لحم، نحمل معنا صمتًا ثقيلًا، وذكرى
يومٍ لم يغادرني منذ ذلك الحين.
·
جودت
مناع كاتب صحفي فلسطيني، أستاذ الصحافة ومدرب الإعلام في عدد من الجامعات، تخرج من
المعهد الدولي للصحافة في برلين وجامعة ليدز في بريطانيا. عضو نقابة الصحفيين
الفلسطينيين والاتحاد الدولي للصحفيين. وعضو في اتحاد الصحفيين البريطانيين.
ورابطة الكتاب الأردنيين. عمل أيضاً بي بي سي - لندن، وام بي سي - لندن، ووكالة
الصحافة الفرنسية.
























