دبي تأكل السوق… والأردن يأكل الضرائب
كتبت شيرين قسوس
في دبي لم تكن الخصخصة
حفلة بيع وطن، ولم تكن مزاداً علنياً على مقدرات الناس، بل كانت عملية جراحية
دقيقة نقلت الاقتصاد من مرحلة الاعتماد على الدولة إلى مرحلة صناعة الثروة. هناك
كانت الدولة ذكية بما يكفي لتفهم أن دورها ليس أن تدير كل شيء، بل أن تصنع بيئة
تجعل المال يعمل، والاستثمار يتحرك، والإنتاج ينفجر. لم يبيعوا الميناء ثم يجلسوا
يبكون على الإيرادات، بل حولوه إلى إمبراطورية بحرية تنافس العالم. لم يفتحوا
الباب للقطاع الخاص ثم يهربوا من المسؤولية، بل بقوا فوق المشهد، يراقبون،
يحاسبون، ويقودون الاتجاه.
دبي لم تبنِ اقتصاداً
يعيش على جيب المواطن، بل بنت اقتصاداً يجعل العالم كله يدفع لها. السائح يدفع،
المستثمر يدفع، الشركات العالمية تدفع، والتجارة تدفع. هناك عقلية دولة تسأل كل
صباح: كيف نصبح أغنى؟ كيف ننتج أكثر؟ كيف نجذب العالم إلينا؟ ولهذا أصبحت الخصخصة
عندهم وقوداً للنمو، لا خنجراً في ظهر المواطن.
أما في الأردن، فالقصة
مختلفة تماماً. الخصخصة هنا دخلت على اقتصاد متعب، ضعيف، يلهث خلف القروض
والمساعدات، فخرجت بصورة مشوهة جعلت الناس يكرهون الكلمة نفسها. المواطن لم يشعر
أن الدولة تبيع شركات خاسرة لتبني اقتصاداً أقوى، بل شعر أنها تبيع ما تبقى ثم
تتركه وحيداً في مواجهة الغلاء والبطالة والضرائب. رأى مؤسسات كانت ملكاً للشعب
تنتقل إلى أيدٍ خاصة، بينما حياته تصبح أصعب، وفرصه أقل، وفاتورته أعلى.
في دبي، الخصخصة جاءت
فوق اقتصاد ينتج ويجذب ويصدر ويصنع الحركة. في الأردن، جاءت فوق اقتصاد يستهلك
أكثر مما ينتج، ويستورد أكثر مما يصدر، ويعيش على الضرائب أكثر مما يعيش على
الصناعة. الفرق شاسع بين دولة تصنع المال ودولة تجمعه من جيب المواطن. دبي تبني
موانئ ومناطق حرة وشركات طيران عملاقة وأسواقاً عالمية، بينما الأردن ما زال يدور
في حلقة الرواتب والعجز والديون ورفع الأسعار.
هناك دولة تفكر بعقلية
التاجر العالمي، وهنا دولة تُرهق المواطن لتغطي العجز آخر الشهر. هناك اقتصاد يجذب
المستثمر لأنه يرى فرصة للربح والنمو، وهنا مستثمر يخاف من البيروقراطية والضرائب
وضعف السوق. لهذا نجحت الخصخصة في دبي لأنها دخلت في مشروع دولة تعرف ماذا تريد،
وفشلت في الأردن لأنها دخلت في دولة تبحث عن المال السريع لا عن بناء اقتصاد حقيقي.
الفرق ليس في كلمة
"خصخصة”، بل في طبيعة الدولة نفسها. دبي دولة إنتاج، والأردن دولة استهلاك. دبي
تبني لتربح، والأردن يبيع ليغطي الخسائر. دبي حولت القطاع الخاص إلى محرك اقتصاد،
بينما الأردن سمح في كثير من الأحيان بتحويل الخصخصة إلى نقل للثروة دون خلق قوة
اقتصادية حقيقية يشعر بها المواطن.
ولهذا أصبحت دبي
نموذجاً لدولة استخدمت الخصخصة لتصنع نفوذاً اقتصادياً يفرض نفسه على العالم،
بينما تحولت الخصخصة في الأردن عند كثير من الناس إلى رمز لمرحلة شعروا فيها أن
الدولة انسحبت من دورها وتركت المواطن يواجه السوق وحده. في دبي، كل خطوة خُطط لها
لتوسيع الاقتصاد وخلق الثروة وجذب العالم، أما في الأردن فبدا المشهد وكأن البيع
كان أسرع من بناء البديل. هناك دولة تقود السوق بثقة، وهنا سوق يضغط على دولة
متعبة. هناك المواطن يرى بلده يصعد بسرعة الصاروخ، وهنا المواطن يسمع وعود الإصلاح
بينما جيبه يزداد خفة وحياته تزداد قسوة.
























