جندي في إجازة.. لماذا يجب أن تكون سيرة الجنرال عماد صليبا معايعة في كل مدرسة وجامعة أردنية؟
بقلم المهندس نبيل
إبراهيم حداد
مستشار الهندسة
والصناعة وإدارة المشاريع
أنهيتُ للتوّ قراءةَ
سيرة الجنرال عماد صليبا معايعة الذاتية، وخرجتُ منها بإيمانٍ أعمق بأن هذا الكتاب
يجب أن يكون بين أيدي طلابنا في الجامعات والكليات والمدارس؛ لكي يفهم الشبابُ
الأردنيُّ السببَ الحقيقيَّ الذي يجعل الأردنَ بلداً آمناً محترماً بين الأمم.
في صفحات هذا الكتاب،
لا نقرأ سيرةَ عسكريٍّ عاديٍّ فحسب، بل نقرأ شهادةَ حياةٍ لرجلٍ قال "نعم،
سيدي"، ثمّ مضى دون تردّدٍ ليُنجزَ المستحيل في توقيتٍ قياسيّ. نقرأ عن ضابطٍ
نزع الألغام في الحرب والسلام، ولم تمنعهُ دوراتُه العسكريةُ المحليةُ والخارجيةُ
من إكمالِ درجاتِه الجامعية. نقرأ عن قائدٍ انتقل من خدمةِ السلاح إلى خدمةِ
الشعب، فاختارتهُ جماعتُه نائباً في مجلس النواب، حيث ترأسَ لجانَ برلمانية، بل
وقادَ لجنةَ الإرشاد والتوجيه الإسلاميّ، في مشهدٍ أدهشَ حتى صحيفةَ *نيويورك
تايمز*، فكتبتْ عن مسيحيٍّ أردنيٍّ يقودُ لجنةً إسلاميةً بثقةِ من اختبروهُ طويلاً.
لكنّ ما يُبقي الأردنَ
آمناً ومحترماً ليسَ المؤسسةُ العسكريةُ وحدَها، بل هي *الروحُ* التي تسري فيها.
يصفُنا الجنرال معايعة جيشَنا العربيَّ كما هو: بدوٌّ وحضريّون، مسلمون ومسيحيون،
شراكسةُ وشيشان، رجالُ قبائلٍ ورجالُ مدنٍ. كلُّهم يعودون إلى بيوتِهم أبناءَ
طوائفَ وعشائرَ، لكنّهم تحتَ الرايةِ جنديٌّ واحدٌ، لا يفرّقُ بينهم إيمانٌ ولا
أصلٌ ولا لهجةٌ. هذا ليسَ مجردَ تعايشٍ، بل هو وحدةُ مصيرٍ تُعلّمُ الشبابَ أنّ
هويتَهم لا تتجزأ، وأنّ القوةَ الحقيقيةَ للأردنِ هي في تنوّعهِ الموحَّدِ.
وفي الفصولِ الأخيرة من
الكتاب، نجدُ الرجلَ الآخرَ: المسيحيَّ المتدينَ النشيطَ في كنيستِه، رئيسَ
اللجانِ الكنسيةِ، وزائرَ العالمِ عضواً في الجمعيةِ الدوليةِ للعسكريينِ
المسيحيين. نجدُ الزوجَ المخلصَ والأبَّ المُتفاني الذي ربّى مع زوجتِه ابنتَينِ
خدّمتَا في منظماتٍ غيرِ حكوميةٍ، فحملتَا شعلةَ الخدمةِ إلى المجتمعِ المدنيّ.
هكذا يكونُ التراثُ الحقيقيّ: ليسَ في الأوسمةِ، بل في الأبناءِ الذين يُكملونَ
الرسالةَ.
ومع ذلك، لم يكن
الجنرال معايعة رجلاً يعيشُ في برجٍ عاجيٍّ منزوياً عن الناس. بل على العكس، كان
اجتماعياً بشكلٍ لافتٍ، محاطاً بصداقاتٍ عميقةٍ تمتدُّ بين العسكريينَ والمدنيينِ
على حدٍّ سواء. وما يُبهرُ في سيرته أنّ أصدقاءَه من كلا المجالينِ لم يكتفوا
بالثناءِ الشفهيّ، بل دوّنوا قصائدَ ورسائلَ يُشيدونَ فيها بتفانيهِ وعدلِه
وشفافيتِه. فالرجلُ الذي كان يُزيلُ الألغامَ بيدٍ ثابتةٍ، كان يُديرُ علاقاتِه
بقلبٍ مفتوحٍ لا يعرفُ الغدرَ ولا المصلحةَ الضيقةَ. ومن أجملِ ما وردَ في الكتاب
قصيدةٌ طويلةٌ كتبها مواطنٌ سعوديٌّ يُشيدُ فيها بكرمِ ضيافةِ الجنرال وبروحِ
الجوارِ التي تسودُ بيتَه، مؤكداً أنّ ما يجعلُ الرجلَ عظيماً ليسَ رتبتُه فحسب،
بل مدى سعةِ صدرِه لضيفِه وجارهِ. هكذا كان معايعة: جندياً يُحاربُ الألغامَ،
وإنساناً يُحاربُ الغربةَ والغربةَ بابتسامةٍ وضيافةٍ.
لا أسمّي هذا الرجلَ
"متقاعداً"؛ بل هو جنديٌّ في إجازةٍ. الجنديُّ يظلُّ جندياً ما عاشَ،
والخدمةُ لا تنتهي بخلعِ الرتبةِ، بل تنتقلُ من ساحةٍ إلى ساحةٍ، من أرضِ الألغامِ
إلى قاعةِ البرلمان، ومن البرلمانِ إلى كنيسةٍ وإلى بيتٍ يُربّي فيهِ جيلاً يؤمنُ
بالوطنِ.
لذلك أقولُ لكلِّ
مسؤولٍ تربويٍّ وثقافيٍّ: ضعوا هذا الكتابَ في المكتباتِ الجامعيةِ والمدرسيةِ. دعوا
الشبابَ يقرأونَ كيفَ يُبنى الوطنُ بـ"نعم، سيدي"، وبخطوةٍ تليها عملٌ
دونما تردّدٍ. دعوهم يفهمونَ أنّ الأردنَ الآمنَ المحترمَ لم يأتِ صدفةً، بل جاءَ
بعرقِ رجالٍ آمنوا بأنّهم أبناءُ جيشٍ واحدٍ، وأبناءُ وطنٍ واحدٍ.
وفي الختام، أُباركُ
للجنرال عماد صليبا معايعة حياتَه الطويلة، وأدعو له بأن يبقى نموذجاً يُقتدى به؛
فهو لم يُخَلَّصْ من ألغامِ الأرضِ فحسب، بل مضى يُخَلِّصُ من ألغامِ الفرقةِ
والضيقِ، فيلتفُّ حولَه الناسُ مسلمونَ ومسيحيونَ، عسكريونَ ومدنيونَ، أردنيونَ
وسعوديونَ، عربٌ جميعاً.
























