السلطة الفلسطينية بين استحقاقات الإصلاح وتحديات الميدان
كتب: جودت مناع
لم يعد الجدل الفلسطيني
يدور حول جدوى الإصلاح السياسي فحسب، بل حول قدرة السلطة الوطنية الفلسطينية على
إنجاز أي إصلاح حقيقي في ظل واقع ميداني يتآكل فيه المشروع الوطني يوماً بعد يوم.
فبينما تتحدث القيادة الفلسطينية عن إعادة تفعيل المؤسسات وتجديد الشرعيات، يواجه
الفلسطينيون على الأرض مشهداً مختلفاً عنوانه الاستيطان والتضييق الاقتصادي
وانحسار الثقة الشعبية.
ومنذ السابع من أكتوبر
2023، دخلت الأراضي الفلسطينية المحتلة مرحلة غير مسبوقة من التحولات. فقد توسعت
إجراءات السيطرة الإسرائيلية على الأرض، وتكاثرت الحواجز العسكرية والبوابات
الحديدية التي قطعت أوصال الضفة الفلسطينية وحولت التنقل بين المدن والقرى إلى
مهمة شاقة. ولم تعد القضية مجرد قيود أمنية مؤقتة، بل واقعاً يعيد رسم الجغرافيا
الفلسطينية ويضعف مقومات الحياة الاقتصادية والصحية والاجتماعية.
وفي موازاة ذلك، تصاعدت
اعتداءات المستوطنين ضد القرى والتجمعات الفلسطينية، بما شمل الاعتداء على السكان
والمنازل والأراضي الزراعية ومصادر الرزق. وأمام هذا المشهد، يزداد التساؤل حول
حدود الاستراتيجية الأمنية الفلسطينية القائمة على تجنب المواجهة المباشرة مع
المستوطنين، وحول الثمن السياسي والشعبي الذي تدفعه السلطة نتيجة هذا النهج.
ولا تقف الأزمة عند
حدود الأمن. فالمواطن الفلسطيني يواجه ضغوطاً اقتصادية متراكمة تتمثل في أزمة
القروض الشخصية، وارتفاع معدلات البطالة، وعدم انتظام صرف الرواتب كاملة، إضافة
إلى الضغوط التي يعانيها القطاع الصحي والخدمات العامة. ومع استمرار احتجاز أموال
المقاصة الفلسطينية، تتراجع قدرة السلطة على الاستجابة لاحتياجات المواطنين، فيما
تتسع فجوة الثقة بينها وبين الشارع.
وفي خضم هذه الظروف،
تبدو مشاريع الإصلاح السياسي وكأنها تسير عكس اتجاه الريح. فكيف يمكن الحديث عن
انتخابات أو تجديد للمؤسسات الوطنية في ظل سيطرة إسرائيلية تتحكم بالأرض والمعابر
والحركة والموارد؟ وكيف يمكن بناء توافق وطني من دون حوار شامل يضم مختلف القوى
السياسية الفلسطينية؟
إن الخطر الحقيقي لا
يكمن في تعثر الإصلاحات فحسب، بل في اتساع الهوة بين المؤسسات الرسمية والمجتمع
الفلسطيني. فالمشروع الوطني الفلسطيني يواجه اليوم اختباراً مصيرياً يتطلب أكثر من
إدارة للأزمة؛ إنه يحتاج إلى رؤية وطنية جامعة تعيد الاعتبار للوحدة الداخلية ولحق
الفلسطينيين في الدفاع عن أرضهم وحقوقهم السياسية. فالتاريخ لا ينتظر المترددين،
والوقت المتبقي أمام الفلسطينيين للحفاظ على ما تبقى من مقومات مشروعهم الوطني
يضيق بوتيرة أسرع من أي وقت مضى.
"جودت مناع كاتب صحفي فلسطيني، أستاذ الصحافة
ومدرب الإعلام في عدد من الجامعات، تخرج من المعهد الدولي للصحافة في برلين وجامعة
ليدز في بريطانيا. عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين والاتحاد الدولي للصحفيين. وعضو
في اتحاد الصحفيين البريطانيين. ورابطة الكتاب الأردنيين. عمل أيضاً بي بي سي -
لندن، وام بي سي - لندن، ووكالة الصحافة الفرنسية."

























