شريط الأخبار
أمانة عمّان تفتح باب التقدم لجائزة حبيب الزيودي للأدب في دورتها السادسة للعام 2026 العراق وإيران: تطور العلاقة من الجوار والحدود إلى صراع النفوذ "ما بعد الحرب"...الإسلام السياسي المسلح ومسار تحولاته الأشخاص ذوو الإعاقة في الأردن.. من يهيئ الطريق إلى سوق العمل؟ الأردن يسجل فائضا تجاريا مع 10 دول عربية خلال النصف الأول من العام كنعان: التصعيد الإسرائيلي في القدس يستهدف الوجود الفلسطيني ويمس هُوية المدينة ومقدساتها طلبات الكترونية لتنظيم زيارات المحامين لموكليهم في مراكز الاصلاح "الجبهة الوطنية الشعبية" تدين لقاء الشيباني برئيس الموساد والخنوع لاسرائيل بنك الاتحاد يواصل شراكته مع تكية أم علي لدعم الأمن الغذائي والتمكين الاقتصادي زين ترعى العرض السينمائي الصحراوي لفيلم "ظل الصقر" في وادي رم بدء تنفيذ محطة جسر الملك حسين للنقل العام الجيش: احباط تسلل شخصين عبر الحدود الشمالية والقبض عليهما الاعتداء على طبيب تخدير بالبشير.. واستنكار شديد للحادثة "الدولية للدفاع عن القدس": الأردن يملك أدوات قانونية لاستعادة أرض معهد قلنديا مثلث استدامة الرواية الفلسطينية: التعليم والذاكرة والإعلام من 19% بين المهندسين إلى 50% بين أطباء الأسنان… بطالة الكفاءات تكشف عجز التحديث الاقتصادي ضبط 5 اعتداءات مياه جديدة على خط ناقل 300 ملم في ناعور صحيفة لبنانية: زيارة الملك إلى الصين .. قلق إسرائيلي على الحدود الشرقية مفوضية اللاجئين: عودة 220 ألف لاجئ سوري من الأردن إلى بلدهم "المهندسين": نسبة البطالة في القطاع الهندسي 19% ومهندس واحد لكل 41 مواطنا

الوظائف الحرجة… هل أصبحت بوابةً خلفيةً للتعيين خارج مبدأ تكافؤ الفرص؟

الوظائف الحرجة… هل أصبحت بوابةً خلفيةً للتعيين خارج مبدأ تكافؤ الفرص؟


النائب د علي الطراونة

 

 

عندما تضع الدولة تشريعاً جديداً لإدارة الموارد البشرية، فإن أول ما ينتظره المواطن هو أن يعزز العدالة، ويكفل تكافؤ الفرص، ويغلق أبواب الواسطة والمحسوبية، لا أن يفتح استثناءات قد تثير الشكوك حول نزاهة التعيين في الوظيفة العامة.

 

من هنا يبرز الجدل حول المواد المتعلقة بـ”الوظائف الحرجة” في نظام إدارة الموارد البشرية في القطاع العام رقم (33) لسنة 2024، وبخاصة المادة (23)، التي أجازت للوزير، بناءً على تنسيب الأمين العام، التعيين على الوظائف الحرجة وفق أسس تضعها هيئة الخدمة والإدارة العامة، خارج آلية التعيين المعتادة.

 

قد تبدو الفكرة للوهلة الأولى منطقية؛ فهناك بالفعل وظائف تحتاج إلى خبرات نادرة وكفاءات متخصصة لا يجوز أن تبقى شاغرة. لكن التشريعات لا تُقاس بحسن النوايا، وإنما بما تتيحه من صلاحيات، وبالضمانات التي تمنع إساءة استخدامها.

 

وهنا تبدأ علامات الاستفهام.

 

إذا كانت الوظيفة العامة حقاً دستورياً يقوم على مبدأ تكافؤ الفرص، فلماذا لا يُعلن عن هذه الوظائف أمام جميع الأردنيين؟ ولماذا لا يُمنح أصحاب الخبرات والكفاءات فرصة المنافسة عليها؟ وكيف سيعلم الخبير أو المختص أصلاً بوجود وظيفة تناسب مؤهلاته إذا لم تُطرح للرأي العام؟

 

إن الاستثناء، مهما كانت مبرراته، يجب أن يبقى استثناءً ضيقاً ومحكوماً بضمانات واضحة. أما عندما تُمنح الإدارة سلطة واسعة في تصنيف وظيفة بأنها "حرجة” ثم تعيين شاغلها بإجراءات تختلف عن المسار المعتاد، فإن ذلك يثير تساؤلات مشروعة حول مدى كفاية الضمانات التي تحمي مبدأ العدالة في التوظيف.

 

فمن الذي يقرر أن هذه الوظيفة حرجة؟ وهل توجد رقابة مستقلة على هذا القرار؟ وهل تُنشر قائمة الوظائف الحرجة للرأي العام؟ وهل تُبيَّن أسباب تصنيفها؟ وهل يستطيع أي مواطن الطعن إذا رأى أن وظيفة صُنفت باعتبارها حرجة من دون مبرر كافٍ؟

 

كل هذه الأسئلة ترتبط بجوهر الحوكمة الرشيدة، لأن الثقة بالمؤسسات لا تقوم على الثقة بالأشخاص، بل على وضوح الإجراءات وقابليتها للمراجعة والمساءلة.

 

إن غياب الإعلان عن بعض الوظائف قد يؤدي إلى حرمان أصحاب الكفاءات والخبرات من فرصة التقدم إليها، حتى وإن كانوا الأكفأ. وفي مثل هذه الحالات، لا تكمن المشكلة فقط في القرار، بل في غياب المنافسة المفتوحة التي تمنح القرار شرعيته المجتمعية.

 

ولا يعني هذا أن كل تعيين يتم وفق هذه المادة غير عادل، أو أن كل استخدام لها ينطوي على مخالفة. لكن التشريع الجيد لا يكتفي بافتراض حسن التطبيق، بل يُبنى على ضمانات تمنع الانحراف في التطبيق، مهما تغير الأشخاص أو الإدارات.

 

إن مكافحة المحسوبية لا تتحقق بالشعارات، بل بتضييق الاستثناءات، وتوسيع دائرة الشفافية. وإذا كان لا بد من وجود وظائف حرجة، فلتكن هناك أيضاً إجراءات حرجة في النزاهة: إعلان واضح، ومعايير منشورة، ومنافسة عادلة كلما كان ذلك ممكناً، وتسبيب للقرار، ورقابة مستقلة.

 

فالوظيفة العامة ليست امتيازاً تمنحه الإدارة لمن تشاء، وإنما مسؤولية وطنية يجب أن تكون متاحة لكل من يملك الكفاءة والاستحقاق. وكلما ضاقت فرص المنافسة العلنية، اتسعت مساحة الشك، حتى وإن كان القرار سليماً.

 

إن الأردن الذي يسعى إلى تحديث القطاع العام يحتاج إلى قوانين تعزز ثقة المواطن، لا إلى نصوص تترك مجالاً للتأويل أو تثير مخاوف من الالتفاف على مبدأ تكافؤ الفرص. فالإصلاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الأنظمة الجديدة، بل بقدرتها على ترسيخ العدالة والشفافية والمساواة أمام الوظيفة العامة.

 

ويبقى السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم قبل الغد:

 

هل نريد للوظائف الحرجة أن تكون وسيلة لاستقطاب الكفاءات النادرة، أم أن تتحول – في نظر الرأي العام – إلى بوابة استثنائية قد تضعف الثقة بمبدأ تكافؤ الفرص؟

 

الإجابة لا تكون بالتصريحات، وإنما بإجراءات واضحة تجعل كل تعيين قابلاً للدفاع عنه أمام القانون والرأي العام، لأن الوظيفة العامة ملك لجميع المواطنين، وليست حقاً حصرياً لمن يصل إليها عبر بابٍ لا يراه الآخرون.