لو كان آدم سميث وكارل ماركس يعيشان اليوم في الأردن: ما وصفتهما للنمو الاقتصادي؟
بقلم: المهندس نبيل إبراهيم حداد
مستشار في الهندسة والصناعة وإدارة
المشاريع
لو كان آدم سميث وكارل ماركس يعيشان
اليوم في الأردن، فغالباً لن يقدما وصفتين متناقضتين تماماً كما يتصور البعض. صحيح
أنهما ينطلقان من مدرستين فكريتين مختلفتين، لكنهما على الأرجح سيتفقان على تشخيص
أساسي واحد:
الأردن يمتلك الإنسان المتعلم،
والموقع الجغرافي، والاستقرار، والمؤسسات، والخبرة، لكنه لا ينتج بعد ما يكفي من
فرص العمل النوعية والمنتجة.
فالمشكلة الأردنية ليست فقط في تحقيق
نمو رقمي في الناتج المحلي، بل في تحويل هذا النمو إلى وظائف حقيقية، وإنتاجية
أعلى، وصادرات أكبر، وعدالة اجتماعية، وكرامة اقتصادية للمواطن.
أولاً: وصفة آدم سميث للأردن
كان آدم سميث سيبدأ من فكرة بسيطة:
دعوا الأردني يعمل، وينتج، ويتاجر، ويتنافس،
ويصدّر، ويبني قيمة مضافة بأقل قدر ممكن من العوائق.
لكن سميث لم يكن من دعاة السوق
المنفلتة أو الفوضى الاقتصادية. فقد آمن بالسوق، لكنه آمن أيضاً بالعدالة، والنظام
العام، والبنية التحتية، والتعليم، والمنافسة العادلة.
لذلك، قد تكون وصفته للأردن قائمة على
المحاور التالية:
1. إزالة
العوائق أمام القطاع الخاص المنتج
كان سميث سيرى أن في الأردن كثيراً من
أصحاب الكفاءة ينتظرون وظيفة أو ترخيصاً أو موافقة أو فرصة من الدولة، بينما
يستطيعون الإنتاج والعمل إذا كانت البيئة أبسط وأقل تعقيداً.
كان سيسأل:
لماذا ينتظر الشاب الأردني سنوات
طويلة للحصول على وظيفة حكومية، بينما يمكنه أن يبني مشروعاً منتجاً لو كانت
الإجراءات أسهل، والتمويل متاحاً، والأسواق مفتوحة؟
وهنا سيطالب سميث بتسهيل تأسيس
الشركات، وتخفيض الكلف غير الضرورية، وتبسيط التراخيص، وتسريع الإجراءات، وحماية
المستثمر الصغير كما يُحمى المستثمر الكبير.
2. تحويل
الأردن إلى منصة تصدير
كان سميث سيدرك أن السوق الأردني
الداخلي محدود، ولا يكفي وحده لتحقيق نمو كبير. لذلك، سيدعو إلى جعل الأردن منصة
تصدير إقليمية في مجالات مثل:
الهندسة، وتكنولوجيا المعلومات،
والصناعات الدوائية، والصناعات الغذائية، والملابس، والإنشاءات، والمباني الجاهزة،
والهياكل المعدنية، والأثاث، والسياحة العلاجية، والتعليم، والخدمات اللوجستية،
والمقاولات الإقليمية.
فالأردن لا يستطيع أن ينمو بقوة إذا
ظل يفكر داخل حدوده فقط. سوق الأردن الحقيقي يجب أن يكون في الخليج، والعراق،
وسوريا، وفلسطين، وأوروبا، وأفريقيا، والأسواق الإقليمية الأوسع.
3. حماية
المنافسة من الاحتكار والمحسوبية
كان آدم سميث سيكون ناقداً شديداً لأي
اقتصاد تصبح فيه العلاقات، أو الامتيازات، أو الاحتكار، أو النفوذ الإداري، أهم من
الكفاءة والإنتاجية.
كان سيقول:
السوق لا يعمل إذا تحوّل إلى امتيازات
مغلقة. والمنافسة لا تكون عادلة إذا كان بعض اللاعبين يدخلون من الباب، وآخرون من
النوافذ الخاصة.
لذلك، كان سيطالب بتعزيز الشفافية،
ومكافحة الاحتكار، وعدالة المنافسة، وتكافؤ الفرص، وسهولة الوصول إلى التمويل،
وحماية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
4. الاستثمار
في المنافع العامة
لم يكن سميث سيطلب من الدولة أن تختفي
من الاقتصاد. بل كان سيطلب منها أن تقوم بما لا يستطيع القطاع الخاص القيام به
وحده: الأمن، والقضاء العادل، والتعليم، والبنية التحتية، والطرق، والمياه،
والطاقة، والتحول الرقمي، والتدريب المهني.
وفي الحالة الأردنية، يعني ذلك تطوير
التعليم التقني، ودعم المناطق الصناعية، وتخفيض كلف الطاقة، وتحسين إدارة المياه،
وتسريع الجمارك، وتوفير تمويل للصادرات، وربط التدريب بالحاجة الفعلية لسوق العمل.
ثانياً: وصفة كارل ماركس للأردن
أما كارل ماركس، فكان سينظر إلى
الأردن من زاوية مختلفة. كان سيسأل:
من يملك أدوات الإنتاج؟ من يستفيد من
النمو؟ من يدفع ثمن البطالة والمديونية وارتفاع كلف المعيشة؟ وهل يصل النمو إلى
العامل والمزارع والشاب والمرأة والأسرة محدودة الدخل؟
لم يكن ماركس سيقتنع بنمو اقتصادي لا
يخلق وظائف كريمة. ولم يكن سيقبل أن تكون الأرقام جيدة بينما الشباب عاطلون،
والأجور ضعيفة، والأسر غير مطمئنة إلى مستقبلها.
1. قياس
النمو من خلال العمل والمعيشة
كان ماركس سيقول إن الاقتصاد الناجح
لا يُقاس فقط بأرباح البنوك أو حركة العقار أو نمو بعض الشركات الكبرى. الاقتصاد
الناجح هو الذي يسمح للأسرة العاملة بأن تعيش بكرامة، وللشاب أن يتزوج ويبني
بيتاً، وللمرأة أن تعمل بأمان، وللمجتمع الريفي أن ينتج لا أن يستهلك فقط.
ومن هذا المنظور، كان سيعتبر البطالة
في الأردن مؤشراً خطيراً على أن النمو لم يتحول بعد إلى طاقة إنتاجية كافية.
2. بناء
المجتمعات المنتجة لا الأفراد فقط
كان ماركس سيدعم فكرة التعاونيات،
ومشاركة العاملين، والإنتاج المحلي، والصناعات المجتمعية، والمشاريع البلدية،
والشراكات بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المحلي.
وفي الأردن، يمكن ترجمة ذلك إلى:
تعاونيات زراعية حديثة، ومراكز تصنيع
غذائي، ومشاريع إنتاج تقودها النساء، ومستودعات تبريد تعاونية، ومراكز تعبئة
وتغليف، ومشاريع طاقة شمسية مجتمعية، وحاضنات إنتاج في المحافظات.
وهنا يمكن الاستفادة من فكر ماركس دون
الوقوع في شمولية الأنظمة التي ادعت الماركسية. فالفكرة ليست مصادرة السوق، بل
إعادة الاعتبار للمجتمع المنتج، والقرية المنتجة، والأسرة المنتجة، والتعاونية
المهنية.
3. تقليل
الاعتماد والاقتصاد الريعي
كان ماركس سينتقد أي اقتصاد يعتمد
أكثر مما يجب على المساعدات، والتحويلات، والمديونية، والاستيراد، والمضاربة
العقارية، والوظيفة الحكومية.
كان سيطالب ببناء قاعدة إنتاجية
حقيقية في الزراعة، والصناعة، والتكنولوجيا، والإنشاءات، والتعدين ذي القيمة
المضافة، والخدمات القابلة للتصدير.
فالأردن لا يحتاج فقط إلى إدارة
الأزمة المالية، بل يحتاج إلى إعادة بناء القدرة الإنتاجية الوطنية.
4. الدولة
يجب أن توجه رأس المال لا أن تستسلم له
كان ماركس سيرى أن رأس المال إذا تُرك
وحده قد يتجه نحو الربح السريع، لا نحو الأولويات الوطنية. لذلك، كان سيطالب
الدولة بتوجيه الاستثمار نحو القطاعات التي تخدم الأمن الاقتصادي والاجتماعي:
المياه، والغذاء، والصناعة، والسكن الميسر، والنقل العام، والتدريب المهني،
والطاقة، والتصدير.
لكنه، لو كان واقعياً في الحالة
الأردنية، لأدرك أن حماية العامل لا تعني إثقال صاحب العمل إلى درجة توقفه عن
التوظيف. لذلك، فإن أفضل قراءة ماركسية للأردن اليوم ليست في الشعارات، بل في:
حماية اجتماعية مرتبطة بالإنتاجية.
ثالثاً: أين يلتقي آدم سميث وكارل
ماركس في الأردن؟
رغم الاختلاف الفكري الكبير بينهما،
فإن آدم سميث وكارل ماركس قد يتفقان على أمور كثيرة في الحالة الأردنية.
كلاهما سيرفض اقتصاد البيروقراطية
والمحسوبية والاحتكار والاعتماد غير المنتج.
كلاهما سيقول إن الأردن يحتاج إلى
إنتاج لا إلى استهلاك فقط.
كلاهما سينتقد نظاماً تعليمياً يخرّج
أعداداً كبيرة من الشباب دون ربط كافٍ بسوق العمل.
كلاهما سيدعم التعليم المهني والتقني
الجاد.
كلاهما سيطالب بتحويل المجتمع من
مجتمع يبحث عن الوظيفة إلى مجتمع يبني الإنتاج.
وكلاهما سيسأل السؤال نفسه بطريقة
مختلفة:
كيف نجعل الأردني منتجاً لا منتظراً؟
رابعاً: الوصفة الأردنية الجامعة
الحل الأفضل للأردن ليس في تطبيق آدم
سميث وحده، ولا في تطبيق كارل ماركس وحده. الحل هو بناء نموذج أردني خاص يمكن
تسميته:
النموذج الاجتماعي الإنتاجي للسوق
الأردني.
وهذا النموذج يقوم على التوازن بين حرية
المبادرة وعدالة المجتمع، وبين دور السوق ودور الدولة، وبين الاستثمار الخاص
والحماية الاجتماعية، وبين النمو والكرامة.
1. قطاع
خاص حر، لكن دون امتيازات مغلقة
يجب دعم المستثمرين، والمصنعين،
والمزارعين، والمقاولين، والمصدرين، وشركات التكنولوجيا، والسياحة، والخدمات
المهنية. لكن يجب أن تكون المنافسة عادلة، والتمويل متاحاً، والاحتكار مضبوطاً،
والفرص مفتوحة أمام الجميع.
2. دولة
قوية، لكن غير خانقة
الدولة لا يجب أن تدير كل مشروع،
لكنها يجب أن تخطط، وتنظم، وتراقب، وتدرب، وتحمي، وتنسق، وتستثمر في البنية
التحتية. المطلوب ليس دولة متضخمة، بل دولة ذكية تمكّن الإنتاج بدلاً من أن تعطلّه
بالإجراءات.
3. ربط
الحوافز بخلق فرص العمل
أي إعفاء أو حافز أو دعم يجب أن يُربط
بنتائج واضحة: عدد الوظائف، حجم الصادرات، التدريب، تشغيل النساء، استخدام المحتوى
المحلي، وتوزيع التنمية على المحافظات.
4. محافظات
منتجة
لا يجوز أن يبقى النمو محصوراً في
عمان. يجب أن تكون لكل محافظة هوية إنتاجية: زراعة، صناعة غذائية، سياحة، تعدين،
لوجستيات، مواد بناء، طاقة متجددة، تصنيع، خدمات رقمية، أو حرف متقدمة.
التنمية الحقيقية تبدأ عندما يشعر ابن
المحافظة أن مستقبله ليس مشروطاً بالانتقال إلى العاصمة.
5. تعاونيات
ومؤسسات صغيرة كأدوات وطنية
يجب إعادة إحياء فكرة التعاونيات، لكن
بصورة حديثة ومهنية، لا بصورة شكلية. التعاونيات المطلوبة هي تعاونيات إنتاجية ذات
إدارة محترفة، ومحاسبة واضحة، وتسويق جيد، ورقابة جودة، وربط بالأسواق المحلية
والخارجية.
6. تعليم
مرتبط بالإنتاج
لا يحتاج الأردن إلى مزيد من الشهادات
فقط، بل إلى مزيد من المهارات. نحتاج إلى فنيين، ومبرمجين، ومشغلي آلات،
وكهربائيين، ولحامين، ومصممين، وتقنيي زراعة، ومديري مشاريع، ومشرفي إنتاج،
ومهندسين قادرين على تحويل المعرفة إلى منتج.
يجب أن تُقاس الجامعات والمعاهد
بقدرتها على تخريج إنسان منتج، لا بعدد الشهادات الممنوحة فقط.
7. انضباط
تصديري
كل قطاع اقتصادي يجب أن يمتلك خطة
تصدير. لا يكفي أن ننتج للسوق المحلي. الأردن بحاجة إلى عقلية تصديرية في الصناعة،
والزراعة، والخدمات، والتعليم، والصحة، والهندسة، والتكنولوجيا.
فالنمو الحقيقي يحتاج إلى سوق أكبر من
حدود الدولة.
الخلاصة
لو جلس آدم سميث وكارل ماركس معاً في
عمان اليوم، لقال سميث:
افتحوا الطريق أمام المبادرة،
والمنافسة، والاستثمار، والتصدير، والإنتاجية.
ولقال ماركس:
لكن لا تتركوا العامل، والمزارع،
والشاب، والمرأة، والأسرة الفقيرة خارج معادلة النمو.
أما الخلاصة الأردنية فيجب أن تكون:
دعوا رأس المال يعمل، لكن اجعلوه في
خدمة الإنتاج الوطني. دعوا السوق يتحرك، لكن أبقوه عادلاً. دعوا الدولة توجه، لكن
لا تجعلوها تخنق المبادرة. دعوا المجتمعات المحلية تنتج، لا أن تنتظر المساعدة
فقط. وقيسوا النمو ليس بالناتج المحلي وحده، بل بالوظائف، والصادرات، والمهارات،
والكرامة، والأمل.
هذه هي الوصفة التي قد يتفق عليها آدم
سميث وكارل ماركس لو عاشا اليوم في الأردن:
اقتصاد إنتاجي، عادل، منفتح، منضبط،
ومبني على الإنسان الأردني القادر على العمل والإبداع.
























