شريط الأخبار
الصبيحي يحذر: التقاعد المبكر بات الأساس و"الشيخوخة" الاستثناء! الجيش يضبط ثلاثة حاولوا التسلل عبر الحدود في مواجهة سياسات الإلهاء.. كيف نستعيد وعينا الوطني؟ وزارة الشباب: اختيار الهيئة المؤقتة للنادي الفيصلي سيتم وفق منهجية مؤسسية في ذكرى الخامس من حزيران: عندما حلّت العاطفة محلّ الاستعداد استطلاع للكنسيت: قلق من تركز الهجرة المعاكسة بين الشباب والاكثر تعليما استطلاع دولي: 67% يحملون مواقف سلبية تجاه إسرائيل منتخب النشامى يتدرب في سان دييجو استعدادا للقاء كولومبيا وديا تجارة عمّان تدعو لتوسيع الشراكة الاقتصادية مع إثيوبيا وتأسيس مجلس أعمال مشترك إصابتان بحادث تصادم على طريق إربد - عمان أورنج الأردن ترسّخ مكانتها كنموذج مؤسسي استثنائي يترجم رؤية المملكة للتحديث الاقتصادي واستدامة اقتصاده المنتخب الوطني للملاكمة يشارك بكأس العالم وفاة الدكتور ياسر العدوان مدير عام الضمان الاجتماعي الأسبق 700 مراجع يومياً للمراكز الصحية الشاملة خلال ساعات الدوام المسائي بالزرقاء بدء استقبال طلبات الترشح لجائزة الضمان الاجتماعي للتميز في الصحة والسلامة المهنية الذهب يواصل التراجع محلياً وعيار 21 عند 88.10 دينار الأمير فيصل بن الحسين يتسلم جائزة "الكونت جاك روج" في نسختها الأولى تقديراً لجهود هيئة "أجيال السلام" شركات أردنية تبدأ الثلاثاء مشاركتها الأولى بمعرض سيول الدولي للأغذية ارتفاع صادرات تجارة عمان بنسبة 24.1% خلال خمسة أشهر أصالة نصري تحسم شائعات الانفصال عن زوجها فائق حسن وتكشف الحقيقة

في مواجهة سياسات الإلهاء.. كيف نستعيد وعينا الوطني؟

في مواجهة سياسات الإلهاء.. كيف نستعيد وعينا الوطني؟

كتب د. أحمد زياد أبو غنيمة:



"المجتمعات لا تستعيد وعيها بضربة واحدة، بل عبر تراكم المعرفة وتوفير أدوات التحليل الصحيحة" .. 

انطلاقاً من هذه القاعدة الراسخة، يمكن للمتابع الحصيف أن يقرأ المشهد المعقد الذي يمر به أردننا العزيز، حيث تتشابك خيوط الأزمة الاقتصادية الخانقة مع حالة من الانسداد السياسي التي أرهقت كاهل المواطن، وأدخلت المجتمع في دوامة من الإحباط واللامبالاة.

تدرك الحكومات والأنظمة، تاريخياً، أن تزايد الضغوط المعيشية وتراجع الآمال بالإصلاح الحقيقي، يشكل بيئة خصبة للمطالبة بالتغيير

وهنا، وبدلاً من الذهاب إلى الجراحات العميقة لمعالجة الخلل، تلجأ الإدارات المتعاقبة إلى ما يُعرف في علم الاجتماع السياسي بـ "استراتيجيات تشتيت الانتباه"؛ في محاولة لشراء الوقت، وإلهاء الرأي العام في معارك جانبية لا تسمن ولا تغني من جوع.

****

إذا أنعمنا النظر في واقعنا اليوم، نجد أننا نتعرض لعملية إغراق ممنهجة في تفاصيل وجدالات سطحية؛ فما أن يهدأ "تريند" حتى يشتعل آخر؛ من تصريح مستفز، إلى قضية اجتماعية جدلية، إلى التركيز المبالغ فيه على فعاليات ترفيهية ومهرجانات تُستنسخ فيها نظرية "الخبز والسيرك" الرومانية القديمة، والهدف من ذلك كله واضح:

استنزاف طاقة المجتمع، وإشغال العقل الجمعي عن القضايا المصيرية؛ كالخطر الصهيوني الذي بات جهارا نهارا، وارتفاع المديونية، وتآكل الطبقة الوسطى، وتفشي البطالة بين شبابنا الذين باتت تتقاذفهم أمواج اليأس.

ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يمتد إلى توظيف عبقري لسردية "الأمن والأمان" والظروف الإقليمية الملتهبة.

ولا يزايدنّ أحد على حبنا لهذا الوطن وحرصنا على أمنه واستقراره في محيط يغلي بالصراعات؛ فهذا أمرٌ متجذر في عقيدة كل أردني حر؛ ولكن، أن تُتخذ هذه التحديات الإقليمية "شماعة" لتبرير الترهل الإداري، وتمرير السياسات الاقتصادية القاسية، أو كمبرر لخفض سقف المطالب المشروعة بالرفاه والعدالة الاجتماعية؛ فهذا ما لا يقبله المنطق

فالأمن الوطني الشامل لا يقتصر على حماية الحدود فحسب، بل يكتمل بتحصين الجبهة الداخلية، وتوفير الأمن الاقتصادي والغذائي، ومحاربة الفساد والهدر المالي الذي ينخر في مؤسساتنا.

****

إذن، كيف نبني جدار الوعي المضاد لحماية مجتمعنا من هذا العبث؟

كما أسلفنا، فإن المجتمعات لا تسترد وعيها بـ "الضربة القاضية"، بل هو مسار تراكمي طويل يحتاج إلى نفس طويل وعمل مؤسسي جاد، يرتكز على محاور لا تقبل المساومة:

****

أولاً: حماية الذاكرة الوطنية...

إن أخطر ما يواجهنا هو "فقدان الذاكرة الجمعية"؛ فالوعي يبدأ بالتوثيق وقراءة التاريخ السياسي لبلدنا، لكي لا تنطلي علينا الأساليب ذاتها في كل أزمة

يجب أن تقرأ الأجيال الشابة تاريخ هذا البلد، وتاريخ حركته الوطنية، لتدرك أن الأزمات لا تُحل بتجاهلها، وأن من لا يقرأ ماضيه سيبقى أسيراً لحاضره.

ولنا في التاريخ القريب عبرة لا تُنسى؛ فـ "هبة نيسان" عام 1989، ورغم أن شرارتها الأولى كانت لأسباب اقتصادية بحتة، إلا أن "عقل الدولة" آنذاك أدرك بحكمة وحصافة أن الحل الجذري لا يكون بالمسكنات أو الإلهاء، بل يأتي من البوابة السياسية.

فكانت الاستجابة بتوسيع المشاركة الشعبية، وإجراء انتخابات نزيهة أفرزت "مجلس 1989" الذي لا يزال يشكل علامة فارقة ونقطة مضيئة في تاريخنا السياسي الأردني. هذا هو الاستدعاء الحقيقي للذاكرة الذي يعلمنا أن الانفراج الاقتصادي يبدأ دائماً بانفراج سياسي حقيقي.

****

ثانياً: إعادة الاعتبار للعمل النقابي واستقلالية قراره...

لطالما كانت النقابات المهنية، عبر تاريخ الأردن، قلاعاً للوعي وحائط صدٍ منيع للدفاع عن حقوق المواطنين والطبقة الوسطى

إن سياسات الإلهاء تنجح عندما يتم تفتيت المجتمع إلى أفراد منعزلين؛ لذا، فإن الانخراط الجاد في العمل النقابي يعيد تجميع الصفوف.

ولكن، لا يمكن لهذا الدور الطليعي أن يُستعاد إلا بإعادة الاعتبار للصوت الحر في الانتخابات النقابية، والوقف الفوري - بل والمعالجة الجذرية - لكافة التدخلات التي أفرزت في مراحل معينة مجالس نقابية بغير إرادة الهيئات العامة

إن احترام حق الفرد في اختيار من يمثله بنزاهة وشفافية، بعيداً عن أية إملاءات أو ضغوطات أو هندسة مسبقة للنتائج، هو الشرط الأساس لتعود النقابات منابر حقيقية للديمقراطية، لا مجرد هياكل شكلية مفرغة من مضمونها وتأثيرها.

****

ثالثاً: صناعة منصات إعلامية رصينة واحترام عقل المواطن...

نحن أحوج ما نكون اليوم إلى إعلام بديل يتجاوز قشور منصات التواصل و"التريندات" العابرة، نحتاج إلى مساحات حوارية تستضيف أصحاب العقول والخبرات؛ لتفكيك السياسات وطرح البدائل

يجب أن نربي أنفسنا وشبابنا على التساؤل عند كل ضجة تُفتعل

من المستفيد من إثارة هذا الغبار الآن؟ وما الذي يتم تمريره في العتمة؟

وفي هذا السياق، يجب أن يدرك "عقل الدولة" أن الاستمرار في الاعتماد على شخصيات ينفر منها الشارع ولا يتقبل طروحاتها بأي شكل من الأشكال لتسويق وتبرير سياسات الحكومات؛ هو أمرٌ فاقم من أزمة الثقة، ويجب أن يُعالج بحكمة وموضوعية.

إن المواطن الأردني بوعيه المعهود، يستحق أن يخرج عليه من يثق به وبتاريخه ونظافته الوطنية والسياسية لينقل له وجهة نظر الدولة في مختلف السياسات، لا أن يُستفز بوجوه مستهلكة فقدت مصداقيتها.

****

ختاماً، 

إن الرهان الحقيقي سيبقى دائماً على وعي هذا الشعب العظيم؛ قد تنجح سياسات التشتيت في كسب جولات مؤقتة، لكنها أعجز من أن تلغي الحقيقة الساطعة

إن بناء الأوطان لا يستقيم إلا بالمكاشفة، والعدالة، والشراكة الحقيقية في صنع القرار، ولن نستعيد بوصلتنا إلا بتراكم المعرفة، وإرادة لا تلين، ووعي وطني يكون هو السد المنيع أمام كل محاولات التزييف والإلهاء.

ولطالما كتبت في سنوات سابقة "إن الهدوء الذي يسود الشارع ليس خوفاً أو جُبناً من السلطات؛ بل هو في الدرجة الأولى خوفٌ على البلد وأمنه واستقراره، وأن الحكومات يجب ألا تركن في أي وقت لهذا الهدوء، فقد يكون تحته بركان غضب جامح نخشى أن ينفجر بوجهنا جميعاً إن استمر تجاهل الحكومات لما يعانيه الشعب الأردني من مشاكل حقيقية لا تخفى على لبيب".

اللهم إني قد بلّغت.. اللهم فاشهد