الحرب على إيران بين حسابات واشنطن وتل أبيب ومأزق الإقليم
كتب: جودت مناع
يكاد الفصل الثاني من
الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية على إيران يقوم على محاولة إخفاء الانخراط
الإسرائيلي المباشر في المواجهة، مع السعي في الوقت ذاته إلى دفع الدول العربية،
ولا سيما الخليجية منها، نحو الانخراط في الصراع بصورة أو بأخرى.
لقد أخطأت إيران عندما
لوّحت بإمكانية شن هجوم بري على دول الخليج العربي، رغم التعقيدات العسكرية
واللوجستية الكبيرة التي تجعل مثل هذا السيناريو بالغ الصعوبة، في ظل الحواجز
المائية القائمة، وما يفرضه ذلك من متطلبات جوية وبحرية لا تبدو متاحة بالقدر
الكافي لتنفيذ عملية بهذا الحجم.
كما أن الضربات
الأمريكية التي استهدفت إيران بصورة منفردة، ومن دون مشاركة إسرائيلية معلنة، دفعت
طهران إلى توجيه تهديداتها نحو القواعد الأمريكية الموجودة في بعض الدول العربية،
وإلى التلويح بخيارات عسكرية توسعية تتجاوز ساحة المواجهة الأصلية.
ومنذ بداية الأزمة، سعت
واشنطن وتل أبيب إلى جرّ دول الخليج العربي إلى أتون المعركة، إلا أن هذه
المحاولات لم تحقق أهدافها. ويمكن تلخيص أبرز أهداف تلك الاستراتيجية في عدة محاور:
أولاً: تحميل دول الخليج
أكبر قدر ممكن من الأعباء والخسائر الاقتصادية والمالية واللوجستية تحت ذرائع
أمنية مختلفة.
ثانياً: إزالة الحواجز
السياسية والقومية التي تحول دون مشاركة بعض الدول العربية في حرب تقودها الولايات
المتحدة وتستفيد منها إسرائيل بصورة مباشرة. غير أن هذا المسعى تعثر، لأن انخراط
العرب في حرب ضد إيران إلى جانب الولايات المتحدة وإسرائيل كان سيترك آثاراً عميقة
في الوعي والتاريخ السياسي للمنطقة.
ثالثاً: تحميل الدول
الخليجية فاتورة الحرب الباهظة، والتي قد تصل إلى عشرات المليارات من الدولارات،
بما يسهم في تعويض جزء من الكلفة العسكرية والاقتصادية التي تتحملها الولايات
المتحدة، فضلاً عن المكاسب التي يمكن أن تجنيها إسرائيل، وهي الطرف الذي يراه
كثيرون المستفيد الأكبر من استمرار التوترات الإقليمية.
رابعاً: منح إسرائيل
هامشاً أوسع للمناورة من أجل استكمال مشاريعها السياسية والأمنية في الشرق العربي،
مستفيدة من انشغال الإقليم بصراعات أخرى، وفي مقدمتها الحرب الدائرة في غزة وما
يرافقها من محاولات لإعادة تشكيل الوقائع الديموغرافية والجغرافية في الأراضي
الفلسطينية المحتلة.
وعندما أخفقت المرحلة
الأولى من الحرب في تحقيق أهدافها، وفي مقدمتها استدراج العرب إلى المواجهة، بدا
أن واشنطن وتل أبيب أعادتا النظر في بعض جوانب استراتيجيتهما، بحثاً عن أدوات
جديدة قد تدفع أطرافاً إقليمية أخرى إلى الانخراط في صراع قابل للتوسع خارج حدوده
الحالية.
وفي هذا السياق، جاء
التهديد الإيراني بشن حرب برية ليخدم، من حيث لا يقصد، بعض الأهداف التي سعت إليها
القوى المناوئة لطهران. فالمشكلة لا تتعلق بالرغبة السياسية فحسب، بل بمدى توافر
القدرات العسكرية واللوجستية اللازمة لتنفيذ مثل هذا الخيار، وما يترتب عليه من
مخاطر استراتيجية كبيرة.
وتتزامن هذه التطورات
مع تحولات إقليمية متسارعة، أبرزها تنامي التنسيق بين باكستان وتركيا ومصر، وهي
دول باتت تنظر بقلق متزايد إلى السياسات الإسرائيلية في المنطقة. وقد شهدت الفترة
الأخيرة مناورات وتعاوناً عسكرياً بين هذه الأطراف، شملت قوات خاصة ووحدات جوية
وبحرية، في مؤشر على وجود توجهات جديدة لإعادة صياغة بعض معادلات الأمن الإقليمي.
كما تعكس هذه التحركات
رغبة متزايدة لدى عدد من الدول العربية في مراجعة تحالفاتها التقليدية وبناء
مقاربات أمنية أكثر استقلالاً، بما يتناسب مع التحولات الجارية في المنطقة.
وفي ضوء إعادة خلط
الأوراق الأمنية ورفض معظم الدول العربية الانجرار إلى مواجهة مفتوحة، تبدو إيران
مطالبة بإعادة النظر في عدد من سياساتها، وفي مقدمتها:
أولاً: التوقف عن توجيه
التهديدات إلى دول الخليج العربي، والعمل على بناء مقاربة تقوم على الحوار واحترام
الأمن القومي العربي.
ثانياً: حصر المواجهة
مع إسرائيل باعتبارها الطرف الأكثر تحريضاً على توسيع نطاق الحرب، والتركيز على
مسار الصراع الرئيسي بدلاً من توسيع دائرة الخصومة مع دول عربية لم تنخرط فعلياً
في الحرب ضدها.
وختاماً، يبدو أن إيران
لم تمنح الوزن الكافي لحقيقة امتناع الدول الخليجية عن المشاركة في الحرب رغم
الضغوط والتطورات العسكرية المتلاحقة. ومن ثم، فإن إدارة الصراع على أسس واقعية
تقتضي توجيه الجهد السياسي والعسكري نحو مصدر التهديد المباشر، والعمل على إبراز
القواسم المشتركة بين الشعوب العربية والإيرانية في مواجهة الأخطار التي تهدد
استقرار المنطقة.
أما الاستمرار في توسيع
دائرة الخصومة وإثارة المخاوف العربية، فقد يقود إلى نتائج معاكسة، ويجعل طهران
الخاسر الأكبر في حرب تتجاوز آثارها حدود الجغرافيا لتطال مستقبل الإقليم بأسره.

























