الحقيقة والصدى(٢): كيف يتبرع الفرد بعقله؟
د حيدر البستنجي
قبل قصة الجهاد
الإلكتروني ونضال الكي بورد الجميل بعشرات السنين يذكر التاريخ واقعة حقيقية مثل
وقع الحافر على الحافر والعجيب ان الروايات تختلف على مكانها وشخوصها لكن تتفق على
نتائجها وتفاصيلها ، فمرة يقال انها حدثت في بغداد في فترة نوري السعيد
وتارة تنسب لحسني الزعيم في دمشق وانا أميل لرأي عمنا زكريا تامر كاتب القصة
الأشهر انها دمشقية ، وقعت هذه الواقعة المضحكة المبكية عام ١٩٤٩ ، حين
استولى على عرش الشام قائد عسكري يدعى حسني الزعيم. وكان الرجل، وايم الله، أعجوبة
من أعاجيب زماننا الرديء؛ يجمع الأضداد في جبته كما تجمع شخصية الكاتب الفلسطيني
إميل حبيبي "سعيد أبي النحس" النحس واليمن في طالع واحد . فتراه
تارة وديعا كحمل، وتارة شرسا كذئب، وفيا وغادرا، عاقلا ومجنونا، كأنه خلق
ليكون بطلا في رواية لم يكتبها أحد بعد. وفي ذات يوم اقل من عادي وأبرد قليلا من
يوم خريفي ، غلت الدماء في عروق جماعة من أهالي دمشق، فخرجوا في تظاهرة صاخبة،
تملأ حناجرهم صوب السماء بهتاف واحد لا ثاني له: "خذوا بأيدينا إلى فلسطين
لنحارب إسرائيل!".
لو كان الحاكم غيره،
لأرسل إليهم الشرطة والمخابرات توسعهم ضربا بهراوات "النظام"، أو
كتيبة من الجيش المدجج بالسلاح لتخرس هتافهم. لكن "الزعيم" كان من طينة
أخرى، طينة السخرية المرة. أمر بتجهيز عدد من سيارات الشحن الضخمة، الفارغة
كوعود الحكام في ذلك الزمن وفي كل الأزمان ، فسارت تهدر في الشوارع حتى حاصرت
المتظاهرين. وترجل منها مناد ينادي بأعلى صوته: "يا حماة الديار! مطلبكم
مستجاب! هذه الشاحنات بانتظاركم، ستنقلكم فورا، ومجانا، إلى الحدود لتجاهدوا!".
واكتملت الملهاة
والمأساة معا؛ فبهت المتظاهرون واسقط في يدهم ( حلوة اسقط في يدهم ) ، ونظر بعضهم
إلى بعض في ذهول من كشف سرهم. وبدلاً من تلبية النداء، تفرقوا أيدي سبأ، وعاد كل
منهم يجر أذيال الخيبة إلى بيته الآمن. و"بس خلاص"؟ ….لا والله، لم ينته
الأمر هنا! فمنذ ذلك اليوم المشؤوم، ولا تزال تلك الشاحنات الضخمة رابضة في
عواصم بلداننا العربية، فارغة ينتظرها الصدأ. ولا تزال صيحات التحرير وخطابات
الحماسة تتعالى، لا على جبهات القتال، بل في زوايا المقاهي الضيقة و على اجهزة
المحمول وفوق أسرة المخادع الدافئة، حيث الجهاد أسهل، والنوم أعمق ، إن ما فعله
حسني الزعيم عام 1949 بشاحناته الحديدية، تفعله اليوم منصات التواصل الاجتماعي
وشبكات الإعلام الموجه ولكن بذكاء أكبر. إنها توفر للمواطن "شاحنات
افتراضية" (منشورات، وسوم/هاشتاغات، صراخ رقمي). هذه الشاحنات لا تنقل أحداً
إلى الحدود، لكنها تقوم بوظيفة سياسية بالغة الأهمية تُعرف في العلوم السياسية بـ
"تنفيس الاحتقان الاجتماعي"
(Catharsis).
السياسي المعاصر
يتركك تصرخ رقمياً وتجاهد وتخون وتكفر وتنعزل في غرف الصدى، لأنه يعلم أن
هذا الصراخ هو "مصل واقٍ" يمنعك من الفعل الحقيقي الممنهج. إنها معركة
وعي بامتياز؛ معركة يربح فيها صناع الصدى في كل مرة نختار فيها السرير الدافئ
والهاشتاغ الحماسي، تاركين "شاحنات الحقيقة" يلتهمها الصدأ في غيابات
عقولنا المستقيلة.
ودمتم بخير
























