شريط الأخبار
الإمارات ستفرج عن مليارات الدولارات لإيران تنويه :المصاب باطلاق النار في معان لم يمت لكنه بحالة سيئة مقتل شخص في محافظة معان.. والقاتل يُسلّم نفسه وسلاح الجريمة إيلون ماسك يصبح أول شخص تتجاوز ثروته تريليون دولار مسؤول أميركي: التفاهم مع إيران "يشمل لبنان" السفارة الأردنية في لندن تقيم حفل استقبال احتفاءً بالمناسبات الوطنية الشرع يرد على تقارير عن ضغوط امريكية لدخول سوريا على خط مواجهة حزب الله عسكريا: شائعات نوفوستي الروسية: وثيقة استخباراتية أمريكية تكشف تخزين مسببات أمراض خطيرة مثل إيبولا والطاعون في اوكرانيا الأردن اسم النهر والإقليم والإنسان قبل الدولة الحديثة تيار الاستثمار في الانقسام عباس يؤكد اهمية الوحدة الوطنية بمواجهة التقويض الاسرائيلي الممنهج للدولة الفلسطينية الصحافة الايرانية تسرب "بنودا" مفترضة بالاتفاق المرتقب.. وترامب ينفي وعراقجي يدعو الاعلام للتريث المناصير يتصدر غلاف فوربس الشرق الأوسط في عدد الشركات العائلية العربية باكستان تؤكد التوصل لصيغة نهائية لاتفاق السلام بين امريكا وايران جمعية فلسطين الدولية تحتفي بالفائزين بجوائز فلسطين الثقافية في دورتها الثالثة عشرة فك لغز اختفاء شخص وتبين قتله والقبض على قاتليه بشفا بدران "القدس الدولية": تكريم بطريرك القدس لترامب مكافأة لشريك إبادة غزة وفلسطين ترامب يتراجع عن التصعيد ويعلن الغاء ضرب ايران الليلة.. ويتحدث عن اتفاق قريب زلزال 1957 في الأردن: ديناميكية القرار السيادي بين الحرس القديم والتحالف المعاكس سوريا ولبنان، وعودة ترامب لحديث "التلازم" و"التلزيم"

حين تموت التسوية ويبدأ البحث عن بدائل لفلسطين من الكونوفيدرالية إلى مراجعة الشرعية

حين تموت التسوية ويبدأ البحث عن بدائل لفلسطين من الكونوفيدرالية إلى مراجعة الشرعية


 

المهندس فراس الصمادي

هل ما تزال الدولة الفلسطينية هدفاً سياسياً قابلاً للتحقق، أم أن بعض القوى الدولية بدأت تبحث بهدوء عن بدائل لها؟

هل تمثل مشاريع الكونفدرالية والترتيبات الإقليمية محاولة لحل القضية الفلسطينية، أم محاولة لإدارة نتائج تعثر حلها؟

إذا كانت الشرعية الدولية التي استندت إليها إسرائيل ارتبطت تاريخياً بالتزامات محددة، فما الذي بقي من تلك الالتزامات بعد أكثر من سبعة عقود؟

إذا كان الاعتراف العربي والفلسطيني بإسرائيل جزءاً من مسار يفترض أن يقود إلى إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية، فهل يبقى هذا الاعتراف بمنأى عن مراجعة نتائج ذلك المسار؟

كلما اقتربت إسرائيل من تصفية شروط قيام الدولة الفلسطينية، بدأت بعض الدوائر الدولية بالبحث عن بدائل للقضية الفلسطينية بدلاً من البحث عن حلول لفلسطين.

قد تبدو هذه العبارة قاسية للوهلة الأولى، لكنها المفتاح الأدق لقراءة التصريح الروسي الصادر في 8 حزيران 2026. فقد أعلنت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا أن موسكو رصدت دفعاً من مراكز فكر ممولة غربياً نحو صيغ بديلة لمستقبل فلسطين، في طليعتها إحياء فكرة ربط الأراضي الفلسطينية بالدول العربية المجاورة، واصفة هذه الطروحات بأنها امتداد لنزعة استعمارية جديدة أثبتت التجربة عقمها وتعارضها مع الأساس القانوني الدولي للتسوية.

خلف التصريح الروسي تحول أعمق أخذ يتسلل بهدوء إلى النقاش الدولي حول مستقبل القضية بأكملها.

طوال العقود الثلاثة التي أعقبت مؤتمر مدريد عام 1991 واتفاق أوسلو عام 1993، ظل السؤال المركزي واحداً: كيف نصل إلى الدولة الفلسطينية؟ تعثرت المفاوضات وتبدلت الحكومات وتغير الوسطاء، لكن الفرضية الأساسية صمدت: هناك عملية سياسية متعثرة، غير أنها تتحرك نظرياً نحو هدف واضح هو إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة.

أما اليوم، فالسؤال نفسه بدأ يتغير. عوضاً عن البحث عن الطريق المؤدي إلى الدولة الفلسطينية، أخذت مراكز التفكير ذاتها التي أشارت إليها موسكو تنشغل بسؤال كان يُعد حتى وقت قريب هامشياً: ماذا لو لم تقم هذه الدولة أصلاً؟

هنا تحديداً تبدأ خطورة المرحلة. فالحديث لم يعد يدور حول الدولة بقدر ما يدور حول ما سيأتي بعدها.

وفي تقديري، إن عودة مشاريع الكونفدرالية والترتيبات الإقليمية والسلام الاقتصادي والأقاليم الوظيفية إلى الواجهة لا تعني أنها أصبحت أكثر إقناعاً؛ تعني أن الثقة بالمشروع القائم انهارت.

والمفارقة أن كثيراً من هذه المشاريع يُسوَّق تحت مسميات لا تعكس حقيقته السياسية. فالكونفدرالية، كما عرفها الفكر الدستوري، تفترض دولتين مستقلتين تتمتع كل منهما بسيادة كاملة، ثم تقرران طوعاً إنشاء إطار اتحادي مشترك. أما المتداول اليوم فينطلق من واقع معاكس تماماً: إسرائيل تحتفظ بالحدود والأمن والمجال الجوي والقرار الاستراتيجي، وتُنقل الأعباء الديموغرافية والإدارية إلى الأردن أو إلى أطراف عربية أخرى.

تسمية هذا كونفدرالية تضليل. الأدق تسميته كونوفيدرالية: أي صيغة هجينة تجمع بين الشكل الكونفدرالي ومفهوم فيدرالية السكان، فتفصل السكان عن السيادة، وتوزع المسؤوليات بينما تحتكر القرار. وما يبدو في الظاهر مشروعاً لتقاسم الأدوار هو في جوهره مشروع لإعادة توزيع نتائج الصراع من دون معالجة أسبابه.

الكونوفيدرالية لا تحل القضية الفلسطينية. الكونوفيدرالية توزع تركتها كما يتوزع الدم بين القبائل، غير أن التوقف عند هذه المشاريع وحدها يخفي السؤال الأهم: لماذا ظهرت أصلاً؟

ظهور أفكار الكونوفيدرالية يعكس عمق الأزمة أكثر مما يشكل سبباً لها. وما يمنحها زخماً اليوم هو التآكل المتواصل للشروط المادية لقيام الدولة. على سبيل المثال عدد المستوطنين في الضفة الغربية والقدس الشرقية كان نحو ربع مليون عند توقيع أوسلو؛ اليوم تجاوز ثلاثة أرباع المليون. والفارق بين الرقمين هو تحول بنيوي جعل العودة إلى خريطة التسوية الأصلية أصعب مما كانت عليه قبل ثلاثة عقود. فالاستيطان الذي وُصف دائماً بأنه العقبة الكبرى أمام التسوية تحول إلى أداة لإعادة تشكيل الأرض التي يفترض أن تقوم عليها تلك التسوية، والمفاوضات انتقلت من وسيلة لإنهاء الاحتلال إلى إطار لإدارته.

لم تعد المشكلة مقتصرة على رفض إسرائيل تنفيذ التسوية: الوقائع التي أنتجتها خلال العقود الماضية أسهمت في تقويض الأسس الجغرافية والسياسية والقانونية التي جعلت التسوية ممكنة من الأصل. ومن هذه النقطة يبدأ الانتقال من البحث عن سبل إحياء التسوية إلى البحث عن بدائل لها.

جوهر القضية أن السياسات المتراكمة أفرغت التسوية نفسها من الأسس التي قامت عليها، وهو ما قالته محكمة العدل الدولية صراحة في رأيها الاستشاري الصادر في 19 تموز 2024، حين خلصت إلى أن الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة غير قانوني ويجب إنهاؤه بأسرع وقت ممكن. هذه النقطة تنقل النقاش إلى مستوى مختلف تماماً. فبدلاً من الاكتفاء بالدفاع عن الحقوق الفلسطينية داخل الإطار القائم، يصبح من الضروري مراجعة الإطار نفسه، وإعادة فتح الأسئلة المتعلقة بالشرعية والالتزام والمرجعيات التي نشأت داخلها العملية السياسية برمتها.

ولهذه الأسئلة سند يسبق أوسلو بنصف قرن. فحين قبلت الأمم المتحدة عضوية إسرائيل في 11 أيار 1949 بموجب القرار 273، أشارت الجمعية العامة في نص القرار ذاته إلى تعهدات إسرائيل بشأن تنفيذ القرار 181 الخاص بالتقسيم والقرار 194 الخاص بحق اللاجئين في العودة. الشرعية الدولية منحت إذن مقروناً بالتزامات محددة، وليس صكاً مفتوحاً. ومن حق الفلسطينيين والعرب أن يطرحوا اليوم السؤال ذاته الذي طُلب منهم الإجابة عنه لعقود: ماذا بقي من تلك الالتزامات بعد سبعة وسبعين عاماً من الجدل حول تنفيذها، بينما بقيت الحقوق الفلسطينية معلقة؟ لذلك من المشروع تماماً أن يُعاد فتح النقاش حول العلاقة بين الشرعية والالتزام والعلاقة بين العضوية والمسؤولية والعلاقة بين الاعتراف والوفاء بالتعهدات.

من المشروع أيضاً أن يُطرح سؤال آخر طال تأجيله يتعلق بما إذا كان الاعتراف الفلسطيني بإسرائيل قد جاء في إطار تسوية يفترض أن تقود إلى إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية، فما الذي يبقى من الأساس السياسي لذلك الاعتراف عندما يتم تقويض هذه الأهداف بصورة منهجية. فالاعتراف الذي قدمته منظمة التحرير في رسائل أيلول 1993 المتبادلة بين ياسر عرفات وإسحق رابين كان أداة داخل تصور كامل يقوم على إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة عبر مرحلة انتقالية حُدد سقفها بخمس سنوات. مرّ على تلك المرحلة الانتقالية ثلاثة وثلاثون عاماً. وحين تتعرض الغاية للتقويض المنهجي، يتحول النقاش حول مستقبل الاعتراف من تابو مغلق إلى قضية سياسية مشروعة، ويغدو طرح فكرة تعليقه — إلى حين التزام إسرائيل بمقتضيات التسوية وقرارات الشرعية الدولية — جزءاً طبيعياً من مراجعة مسار كامل، لا شعاراً انفعالياً.

الأمر ذاته ينطبق على اتفاقيات السلام العربية. اتفاقيات كامب ديفيد عام 1978 وما أعقبها من معاهدة سلام مصرية إسرائيلية، ثم معاهدة وادي عربة عام 1994، جاءت ضمن بيئة افترضت أن المنطقة تتجه نحو تسوية تاريخية شاملة. وعندما تتآكل تلك الفرضيات، يصبح من حق الدول العربية أن تعيد تقييم البيئة السياسية التي قامت عليها التزاماتها، لتعرف ما إذا كانت الشروط التي منحت تلك الاتفاقيات معناها الاستراتيجي ما تزال قائمة أصلاً. الدول لا تراجع اتفاقياتها رغبة في الأزمات؛ تراجعها لأن الفرضيات التي وقّعت عليها لم تعد موجودة.

وسط هذه التحولات لا يكفي الشجب والإدانة ورفض المشاريع البديلة أو التحذير منها. المطلوب إنتاج مقاربة تعيد القضية الفلسطينية إلى إطارها الأصلي بوصفها قضية شعب وأرض وحقوق وسيادة: إعادة تدويل القضية، وتفعيل أدوات القانون الدولي من محكمة العدل إلى الجنائية الدولية، ونقل مركز الثقل من التفاوض حول الحقوق إلى مساءلة السياسات التي عطلتها، والدفع نحو إطار دولي جديد يتعامل مع القضية بعد الانهيار العملي لفرضيات أوسلو.

يبدأ ذلك من موقف عربي موحد عماده التنسيق الأردني-الفلسطيني-المصري، بوصفه جبهة مسؤولة عن رفض التهجير وحماية القدس ومنع فرض حلول إقليمية بديلة. ويوازي هذا المسارَ العاجل مسارٌ قانوني أطول نفساً: لجنة عربية-فلسطينية-دولية من خبراء القانون الدولي والعلاقات الدولية، تدرس العلاقة بين عضوية إسرائيل في الأمم المتحدة والتزاماتها غير المنفذة منذ 1949، وتُلزَم بإطار زمني محدد لتقديم توصيات عملية للمؤسسات الدولية والدول المعنية. وما تنتهي إليه هذه اللجنة يمهد للخطوة الأبعد: إطار دولي جديد برعاية الأمم المتحدة يعيد تقييم المسألة الفلسطينية منذ قرار التقسيم، ويبحث عن حلول تستند إلى القانون الدولي وحق الشعوب في تقرير مصيرها، لا إلى اختلال موازين القوة وفرض الوقائع. ويرافق المسارين أداة ضغط دائمة: مقاطعة سياسية واقتصادية وأكاديمية للمؤسسات والشركات المتورطة تحديداً في الاستيطان والاحتلال وفق تصنيفات الأمم المتحدة، مقيدةٌ بالمعيار الدولي لا بالتقدير السياسي، لتبقى ضاغطة ومحمية من سوء التفسير.

القضية لم تعد مشروعاً كونوفيدرالياً هنا أو مبادرة إدارية هناك. ما يتشكل أمامنا لحظة تاريخية ينتقل فيها النقاش من البحث عن تسوية للصراع إلى البحث عن بدائل للتسوية نفسها. أخطر ما يكشفه التحذير الروسي ليس وجود مشاريع جديدة، بقدر ما أن بعض الدوائر الدولية بدأت تتعامل مع غياب الدولة الفلسطينية باعتباره فرضية واقعية تستحق التخطيط لها. وعندما ينتقل النقاش من كيفية تحقيق الحل إلى كيفية التكيف مع غيابه، تصبح مراجعة المرحلة السابقة كلها ضرورة سياسية وليس ترفاً فكرياً.

وحين تصل الأمور إلى هذه النقطة، لا يعود السؤال كيف يمكن إنقاذ المسار القديم، بل من يملك حق تعريف المستقبل السياسي لفلسطين: أصحاب القضية أنفسهم، أم القوى التي بدأت تبحث عن بدائل لها. فالتاريخ يعلمنا أن الفراغات السياسية لا تبقى فراغات طويلاً، وأن الشعوب التي لا تصوغ رؤيتها للمستقبل تجد نفسها مضطرة للعيش داخل رؤى صاغها الآخرون نيابة عنها.

نقلا عن راي اليوم