دراسة ميدانية ترسم صورة مقلقة لواقع الأطفال الباعة المتجولين في إربد
وأجرت الدراسة، التي نفذها فريق من جمعية حماية الأسرة والطفولة بالتزامن مع اليوم العالمي للحد من عمالة الأطفال، مسحًا شمل 700 طفل يعملون في البيع المتجول داخل مدينة إربد، من خلال جلسات تشاركية جمعت الأطفال وأسرهم وممثلين عن مؤسسات معنية وخبراء اجتماعيين، بهدف تحليل أبعاد الظاهرة وتشخيص أبرز التحديات المرتبطة بها.
وأوضحت النتائج تنوع الأنشطة التي يمارسها الأطفال، والتي شملت بيع العطور والمستلزمات البسيطة مثل المحارم الورقية والأقلام والجوارب والشواحن والأحزمة، إضافة إلى بيع المواد الغذائية والخضروات والفواكه، إلى جانب أعمال خدمية مثل توصيل الطلبات، وبيع القهوة، وتوزيع فواتير المياه.
وفي الجانب التعليمي، بينت الدراسة أن 45% من الأطفال أبدوا رغبة في العودة إلى التعليم أو الالتحاق ببرامج التعليم غير النظامي، في حين اعتبر نصف المتسربين أن ضعف العائد الاقتصادي للتعليم يقلل من جدواه، ما يعكس تحديات مرتبطة بالوعي الاقتصادي والاجتماعي حول أهمية التعليم.
كما كشفت الدراسة عن مؤشرات اقتصادية واجتماعية واضحة، إذ يمتلك 41% من الأطفال مهارات في عمليات البيع والشراء وتحقيق أرباح محدودة، بينما تعيش غالبية أسرهم ضمن مستويات دخل تتراوح بين 200 و400 دينار شهريًا، الأمر الذي يعكس ارتباط الظاهرة بالظروف الاقتصادية الصعبة.
وعلى الصعيد الصحي والاجتماعي، أظهرت النتائج أن 10% من الأطفال يعانون من إعاقات مختلفة، في حين يعاني معظمهم من الإرهاق الجسدي وضعف تقدير الذات، إضافة إلى تعرض 85% منهم للتنمر أو الإساءة أثناء العمل من قبل بعض أفراد المجتمع أو الزبائن.
كما سجلت الدراسة انتشارًا ملحوظًا لسلوك التدخين بين الأطفال العاملين، حيث تبين أن 45% منهم يستخدمون السجائر أو الأرجيلة، إلى جانب افتقار 75% منهم للمهارات الحياتية الأساسية اللازمة للتعامل مع متطلبات الحياة اليومية.
وأشارت النتائج أيضًا إلى أن 30% من الأطفال يعملون لأكثر من ثماني ساعات يوميًا دون الحصول على وجبة غذائية، بهدف توفير ثمنها لمساندة أسرهم، ما يعكس حجم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي يتحملونها.
وأكدت الدراسة وجود ارتباط مباشر بين الفقر والتسرب المدرسي وعمالة الأطفال في الشوارع، مبينة أن هذه الفئة تعيش تقاطعًا معقدًا بين الحرمان التعليمي والمخاطر الصحية والنفسية والاجتماعية، ما يستدعي تدخلات عاجلة وشاملة على مستويات متعددة.
وأوصت بضرورة تطوير برامج لإعادة دمج الأطفال المتسربين في التعليم، وتعزيز الدعم الاقتصادي للأسر الفقيرة، وتنفيذ برامج للمهارات الحياتية والتوعية الصحية، إلى جانب توفير دعم نفسي واجتماعي، وتشديد الرقابة على عمالة الأطفال، وتوسيع الشراكات بين الجهات الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني لمعالجة جذور الظاهرة والحد من آثارها.
واختتمت الدراسة بالتأكيد على أن ظاهرة الأطفال الباعة المتجولين في إربد تمثل تحديًا اجتماعيًا واقتصاديًا مركبًا، يتطلب سياسات متكاملة تضمن حماية الأطفال وصون حقهم في التعليم والنمو السليم، مع مراعاة الظروف الاقتصادية التي تدفعهم إلى سوق العمل في سن مبكرة.
من جهته، أكد رئيس جمعية حماية الأسرة والطفولة في إربد كاظم الكفيري أن النتائج تعكس واقعًا صعبًا يعيشه الأطفال العاملون، مشيرًا إلى أن الفقر وتراجع الأوضاع الاقتصادية للأسرة يعدان العامل الأبرز في دفع الأطفال نحو سوق العمل والانقطاع عن التعليم.
وأضاف أن الدراسة أبرزت مجموعة من التحديات، من أهمها التسرب المدرسي، وطول ساعات العمل، والتعرض للتنمر والإساءة، إضافة إلى مشكلات صحية وسلوكية تستوجب تدخلًا فوريًا من الجهات المختصة.
وأشار إلى وجود رغبة لدى عدد من الأطفال بالعودة إلى التعليم، ما يستدعي توفير برامج تعليمية مرنة تتناسب مع ظروفهم، وربطها ببرامج دعم اقتصادي للأسر لضمان استمرارية التحاقهم بالتعليم.
وأكد الكفيري أن معالجة هذه الظاهرة تتطلب شراكة حقيقية بين المؤسسات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص، بهدف توفير بيئة آمنة وداعمة تكفل حقوق الأطفال الأساسية، وفي مقدمتها التعليم والحماية والرعاية الاجتماعية.
























