جرحى "غزة" يواجهون مصيرا مجهولا في بغداد
في
الطابق الخامس الذي تنبعث منه رائحة المعقمات أكثر من أي شيء آخر، تجلس فريدة محمد
أمام شاشة هاتف صغيرة، تراقب شرحاً مدرسياً متقطع الصوت، بينما تنتظر دورها في
جلسة علاج جديدة داخل مدينة الطب في بغداد. بين درس على الإنترنت وحقنة مسكّنة،
تحاول الطالبة الفلسطينية القادمة من غزة أن تعيش ما تبقى من حياتها الطبيعية، ولو
على هيئة إشعارات تصل متأخرة عبر تطبيقات الدراسة. وهي تقيم فعلياً داخل مجمع
مدينة الطب، حيث لا يُسمح لها بمغادرته أو التنقل خارجه نتيجة احتجاز أوراقها
الثبوتية لدى جهات عراقية، ما يحوّل المستشفى إلى مساحة إقامة قسرية لها.
منذ وصولها إلى العراق مطلع أيار/
مايو 2024 قادمة من مصر لتلقي العلاج، لم تعد فريدة تعرف كيف تفصل بين كونها جريحة
حرب وطالبة تخشى خسارة مستقبلها الدراسي. يومها موزّع بين جلسات العلاج ومتابعة
الأطباء، وبين محاولة استغلال أوقات الراحة لفتح الهاتف ومتابعة الدروس عن بعد.
تقول إن الأمر يتطلب جهداً مضاعفاً، لأن الألم والتعب الجسدي أحياناً يمنعانها من
التركيز، لكن فكرة التوقف عن الدراسة تبدو بالنسبة إليها هزيمة أكبر من الإصابة
نفسها.
داخل المستشفى، لا توجد رفاهية
"الوقت المناسب للدراسة”، الضجيج دائم، المرضى يدخلون ويخرجون، وأصوات الأجهزة
الطبية لا تتوقف. أما القلق على أهلها في غزة، فهو الضيف الأكثر حضوراً في يومها.
تحاول التواصل مع مدرستها عبر الإنترنت والبريد الإلكتروني ومجموعات "واتسآب”،
فيما قدمت لها المدرسة بعض التسهيلات كتأجيل بعض الامتحانات وتمديد فترات تسليم
الواجبات. لكن الحرب، كما تقول، لا تمنح أحداً فرصة حقيقية للتركيز، خصوصاً مع ضعف
الإنترنت أحياناً، وتأثير الأدوية والآلام الناتجة من الإصابة على قدرتها الذهنية.
تقول فريدة إن الحرب والإصابة شكلتا
صدمة كبيرة أثرت على توازنها النفسي وتركيزها، وجعلتاها تخشى على مستقبلها
الدراسي، لكنها تحاول التمسك بالدراسة باعتبارها "سلاح كفاح وأمل بغدٍ أفضل”،
مستندة إلى دعم الكادر الطبي والناس الذين التقتهم في العراق ورفعوا من معنوياتها
خلال رحلة العلاج الطويلة.
في غرفة أخرى من المبنى، تتحدث سميرة
سامي عن شعور يشبه الإقامة القسرية أكثر من كونه رحلة علاج. المرأة الغزية التي
وصلت إلى العراق قبل نحو عامين، وأنهت مراحل علاجها منذ أشهر، تقول إن حياتهم
توقفت بالكامل داخل بغداد. لا هم قادرون على العودة، ولا هم يمتلكون القدرة
القانونية أو المادية على بدء حياة جديدة.
تقول سميرة إن أكثر من أربعة أشهر
مرت من دون أن تصلهم أي مساعدات مالية، ما اضطرهم لشراء الأدوية والطعام على
نفقتهم الشخصية، على رغم أنهم لا يملكون عملاً ولا أوراقاً ثبوتية تتيح لهم التحرك
بحرية. السفارة الفلسطينية، بحسب حديثها، منحتهم جوازات سفر غير مختومة، فيما بقيت
مستمسكاتهم الأخرى محتجزة لدى وزارة الداخلية العراقية، الأمر الذي جعلهم عالقين
بين صفة "الضيف” وواقع "الممنوع من الحركة”.
لا تتحدث سميرة عن الطعام بوصفه
تفصيلاً يومياً عادياً، بل كرمز لفقدان السيطرة على أبسط الحقوق الإنسانية. تقول
إنهم لم يعودوا يطلبون سوى أن يُسمح لهم باختيار ما يأكلونه، وأن تتوافر الأدوية
اللازمة لهم، وأن يشعروا بأن وجودهم ما زال مرئياً لدى أحد. تضيف: "حتى الإنترنت
أصبحنا نشتريه على حسابنا فقط لنطمئن على أهلنا في غزة”.
سميرة تشرح إن العراق في بدايات
وصولهم كان مختلفاً تماماً. تستذكر كيف استقبلهم العراقيون والجمعيات الإنسانية
بحفاوة كبيرة، وكيف كانت المساعدات متوافرة، لكن كل شيء بدأ يتراجع تدريجياً بعد
مرور السنة الأولى. "صرنا نشعر أن وجودنا وعدمه واحد”، تقول، قبل أن تضيف أن اثنين
من المجموعة توفيا خلال فترة الانتظار الطويلة.
أما وضاح الغزّي، أحد الجرحى
الفلسطينيين، فيختصر الأزمة كلها عند "البوابة المصرية”. يقول إن المعبر في مصر
يسمح بعبور 50 شخصاً يومياً فقط إلى غزة، فيما يوجد نحو 75 ألف مريض بانتظار
العبور، مضيفاً أن الآلية الحالية تعني الحاجة إلى نحو 70 سنة لاكتمال مرور جميع
المرضى. وبرأيه، فإن الأزمة لم تعد طبية بقدر ما أصبحت سياسية وإدارية معقدة، مشيراً
إلى أن هناك توجيهاً من الجانب المصري إلى الجانب العراقي بعدم تسهيل الإجراءات،
في ظل الضغط الكبير داخل مصر نتيجة أعداد المرضى الفلسطينيين.
ويشير وضاح إلى أن عدد العالقين في
بغداد يبلغ 46 مريضاً ومرافقاً، بينهم قرابة 20 مريضاً يحتاجون إلى متابعة مستمرة.
ويوضح أن مدينة الطب لم تقصر في تقديم العلاجات المرتبطة بالإصابات والجراحات، لكن
المشكلة ظهرت في الأمراض المزمنة والأدوية التي يحتاجها المرضى يومياً، مثل علاجات
السكري أو الضغط. ويقول إن متبرعين عراقيين كانوا يوفرون بعض الأدوية في البداية،
لكن هذا الدعم انقطع لاحقاً، تاركاً المرضى أمام احتياجات يومية لا يملكون ثمنها.
عقب الإعلان عن إعادة فتح معبر رفح
مطلع شباط/ فبراير 2026، كان من المفترض أن يُسمح بخروج نحو 150 جريحاً يومياً
برفقة اثنين من ذويهم، مقابل دخول نحو 50 شخصاً إلى القطاع. إلا أن الأرقام
الفعلية على الأرض بقيت أقل بكثير في كثير من الأحيان، إذ لم يتجاوز عدد المغادرين
في بعض الأيام الـ15 شخصاً فقط.
وتشير وزارة الصحة في غزة إلى أن
أكثر من 20 ألف مريض وجريح ما زالوا بانتظار فرصة السفر لتلقي العلاج خارج القطاع،
بينهم حالات حرجة تشمل مرضى السرطان، وأمراض القلب، والفشل الكلوي، إضافة إلى
إصابات خطيرة تتطلب تدخلات جراحية متقدمة لا تتوافر داخل غزة.
داخل هذا الفراغ الإنساني والإداري،
تظهر أزمة أخرى أكثر تعقيداً، تتعلق بالوضع القانوني لهؤلاء الفلسطينيين. المحامي
عبد الباسط الهاشمي يصف ما يحدث بأنه "احتجاز غير معلن” لجرحى ومرضى فلسطينيين
دخلوا العراق بقرار حكومي رسمي لغرض العلاج، وليس لأي سبب أمني أو قضائي.
يقول الهاشمي إن الجرحى والمرضى
الفلسطينيين استُقدموا مع مرافقيهم، إلى مستشفى دار التمريض الخاص في مدينة الطب
ببغداد ضمن مبادرة رسمية، لكن بعد تماثل الكثير منهم للشفاء برزت أزمة إدارية
وقانونية تمثلت في احتجاز جوازات السفر والأوراق الثبوتية الخاصة بهم، ومنعهم من
مغادرة المجمع الطبي إلا بموافقات أمنية معقدة أو توقيع تعهدات بإخلاء المسؤولية.
وبحسب الهاشمي، فإن هذه الإجراءات
تشكل مخالفة صريحة للدستور العراقي لعام 2005، وتحديداً للمادتين 15 و37/أولاً-أ،
اللتين تكفلان الحرية الشخصية وحرية التنقل لكل فرد موجود داخل الأراضي العراقية
بصورة مشروعة. كما يشير إلى أن قانون إقامة الأجانب رقم 118 لسنة 1978 لا يمنح أي
جهة، باستثناء مديرية الإقامة التابعة لوزارة الداخلية، صلاحية احتجاز جوازات
السفر أو الوثائق الرسمية للأجانب.
ويضيف أن ما يحصل قد يندرج أيضاً ضمن
مخالفة قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969، وتحديداً المادة 322 الخاصة
بالجرائم الواقعة على الحرية، والتي تعاقب أي موظف أو مكلف بخدمة عامة يحتجر أو
يقيّد حرية شخص خارج الأطر القانونية.
ويؤكد الهاشمي أن هؤلاء المرضى
"دخلوا العراق كضيوف لغرض الاستشفاء، وليسوا موقوفين أو مدانين بأي تهمة”، معتبراً
أن استمرار احتجاز الوثائق وتقييد الحركة يحرمهم من تسوية أوضاعهم القانونية أو
استئجار سكن والتنقل بحرية داخل بغداد، ويضعهم في حالة قانونية وإنسانية شديدة
التعقيد.
وتفتح معاناة الجرحى الفلسطينيين
العالقين في بغداد باباً أوسع للحديث عن واقع القطاع الصحي العراقي نفسه، الذي
يواجه أزمات متراكمة منذ سنوات، على الرغم من استمراره في استقبال مرضى وجرحى من
خارج البلاد ضمن مبادرات علاجية مختلفة.
ففيما يحاول عشرات الفلسطينيين داخل
مدينة الطب استكمال علاجهم وسط شكاوى تتعلق بالأدوية والإقامة والرعاية المستمرة،
تكشف المؤشرات الدولية حجم التحديات التي تواجه المنظومة الصحية في العاصمة
العراقية ذاتها.
ووفقاً لموقع "نومبيو”
(Numbeo) المتخصص بمؤشرات جودة
الحياة والخدمات حول العالم، جاءت بغداد في المرتبة الأخيرة عالمياً ضمن مؤشر
الرعاية الصحية لعام 2025، إذ حلّت بالمركز 309، في مؤشر يعكس حجم التراجع الذي
يواجهه القطاع الصحي من حيث الخدمات والبنية التحتية وكفاءة الرعاية.
ويعكس هذا الواقع حجم التحديات التي
تواجه المؤسسات الصحية في بغداد في ملف استقبال وعلاج جرحى ومرضى من خارج العراق،
فيما تعاني المستشفيات الحكومية أصلاً من ضغط كبير ونقص في بعض الأدوية والخدمات
الأساسية، فضلاً عن الأعباء الإدارية والمالية التي يواجهها المرضى العراقيون
أنفسهم داخل النظام الصحي الحكومي.
عند إعداد هذا التقرير، تواصلنا مع
وزارة الصحة العراقية ووزارة الداخلية للاستفسار عن أوضاع الجرحى والمرضى
الفلسطينيين العالقين في بغداد، ومعرفة تفاصيل وضعهم الصحي والعلاجي والإجراءات
المتخذة بشأنهم، إلا أن الوزارتين لم تقدما أي رد.
جميع أسماء المرضى الواردة في
التقرير هي أسماء مستعارة، اعتُمدت بناءً على طلب أصحابها حفاظاً على خصوصيتهم.
نقلا عن موقع "درج" اللبناني
بقلم ايوب سعد - صحافي عراقي
























