تقرير من غزة: إعادة احتلال 70% من القطاع.. "الأرض المحروقة" لفرض الهجرة الطوعية
قال تقرير، أعدته مراسلة جريدة "الاتحاد" الفلسطينية
من قطاع غزة، الزميلة مادلين شقليه، إن تهديدات الاحتلال بشأن توسيع مناطق السيطرة
العسكرية في قطاع غزة لتشمل 70% من مساحته الإجمالية، تُلقي بظلالها الثقيلة على
المشهد الإنساني، والسياسي، والأمني؛ لتكرّس واقعاً جديداً على الأرض، وتحولاً
جغرافياً شديد الخطورة ينذر بابتلاع معظم أراضي القطاع.
ويقول المحلل السياسي عاهد فروانة لـ"الاتحاد":
تُجمع القراءات الميدانية على أن كل ما يقوم به جيش الاحتلال في قطاع غزة يهدف
بالأساس إلى جعله بمثابة "أرض محروقة"، وذلك عبر مسارات متوازية تتمثل
في:
قضم
واحتلال المزيد من الأراضي وتدمير بنيتها التحتية ومقوماتها بالكامل.
إدامة
أمد التصعيد العسكري في مختلف المحاور.
وتقييد
إدخال المساعدات الإنسانية وقصرها على الحد الأدنى الذي لا يقيم أود الملايين.
وتشير
التقديرات إلى أن الاحتلال، وبعد فشله في تطبيق مخطط "التهجير القسري" المباشر
في بدايات الحرب، انتقل إلى الخطة البديلة المتمثلة في "التهجير
الطوعي"؛ عبر خلق بيئة جغرافية ومعيشية خانقة تجعل من القطاع بقعة جردة غير
صالحة للحياة الآدمية، مما يدفع السكان تلقائياً للبحث عن منافذ للنجاة.
شريط الـ 30%.. حكم إعدام
جماعي
ومع
تمدد السيطرة الإسرائيلية، تتقلص المساحة المتاحة للفلسطينيين لتنحصر في 30% فقط
من إجمالي مساحة القطاع، وهي عبارة عن شريط ساحلي ضيق ومكتظ، يحمل في زواياه كل
أوجه المعاناة الإنسانية.
وتحذر
المنظمات الإغاثية من أن هذه البقعة الجغرافية المحاصرة تعاني بالفعل من انهيار كامل
في مقومات الحياة، وأن أي حركة نزوح جديدة إليها ستكون بمثابة "حكم
إعدام" جماعي وبطيء على ساكنيها.
أصوات من الخيام:
"يريدون تيئيسنا لنرحل"
داخل
هذا الشريط الضيق، تتجسد المأساة في يوميات النازحين. تتحدث إحدى المواطنات
المهجّرات لـ "الاتحاد" عن أبسط أحلامها التي تقلصت إلى حدود "خيمة
إضافية"، قائلة: "نحتاج إلى خيمة أخرى، فأنا أنام على الباب.. الحمامات
تفيض وتغرقنا يومياً، والآن يتحدثون عن جلب المزيد من النازحين إلينا! نحن لا نريد
سوى الفرج؛ ننتظر أن يتراجع جيش الاحتلال إلى ما وراء 'الخط الأصفر' لكي نعود إلى بيوتنا في
سكة تل الزعتر ومحيط دوار بيت حانون.. نريد العودة، لا أن يُهجّرونا مجدداً إلى
المعسكر أو جبل البلد".
ويلتقط
مواطن غزاوي آخر أطراف الحديث، ليُشرح بوعيٍ شعبي حاد أبعاد هذه الاستراتيجية
الإسرائيلية، موضحاً لـ "الاتحاد": "عندما تقوم بحصر أكبر كثافة
سكانية في العالم داخل مساحة كقطاع غزة، فأنت تمارس ضغطاً هائلاً يولد انفجاراً. ما يحدث هو سلسلة من
الهجرات المتتالية، وأنا كمواطن غزاوي أسمّي هذه السياسة بـ 'سياسة التيئيس'؛ فهم
يتعمدون جعل تفاصيل حياتك اليومية مقرفة ولا تُطاق، بحيث أنه في اللحظة التي تلوح
لك فيها فرصة للهجرة أو تُفتح الحدود، تخرج فوراً دون تردد.. هذه هي
خطة إسرائيل الحقيقية".
مفاوضات في الإعلام.. وتوغل
على الأرض
تُفسّر التحذيرات المتصاعدة حيال هذه التهديدات بأنها النتيجة
الطبيعية لخلق "بيئة ضاغطة" ومصممة بعناية لطرد السكان. وفي مفارقة تدمي
القلوب، يبقى الحديث عن "المفاوضات" والاتفاقيات مجرد مادة تستهلكها
وسائل الإعلام؛ بينما على أرض الواقع، يواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي عمليات
القصف، الهدم، والتوغل في مناطق متفرقة، زاجّاً بالسكان في سجن مفتوح مساحته 30%،
في ظل ظروف استثنائية قاهرة، ورؤية ضبابية تفتقر لأي أفق يطمئن الغزيين على ما
تحمله لهم الأيام القادمة.
·
جريدة الاتحاد
الفلسطينية
























