تلّ... حكاية أرض تقاوم النار ورواية يحاول نتنياهو تزويرها
كتب: جودت مناع
شهدت الضفة الفلسطينية
يوماً عاصفاً لا يشبه ما سبقه من حيث التوقيت وحجم الاعتداءات، لكنه لا ينفصل عن
تراكم إرهاب المستعمرة الإسرائيلية وسياساتها الممتدة عبر عقود طويلة من الاستيطان
والاقتلاع والتهجير.
فشرارة الإرهاب التي
أشعلها المستوطنون في بلدة "تل" الفلسطينية الوادعة، الرابضة بين تلال
نابلس الجنوبية، لم تكن حدثاً عابراً أو انفجاراً مفاجئاً لإرهاب المستوطنين، بل
جاءت نتيجة نهج منظم تقوده جماعات المستوطنين المسلحة التي اقتحمت البلدة في سياق
هجوم إرهابي واضح المعالم والأهداف.
وصل المستوطنون
المدججون بالبنادق الرشاشة إلى البلدة دون عوائق، وتحت أنظار جيش المستعمرة
الإسرائيلية وحمايته، في مشهد بات مألوفاً للفلسطينيين الذين يواجهون يومياً
اعتداءات تستهدف أراضيهم وممتلكاتهم ووجودهم الوطني.
وهذه الاعتداءات لا
تُنفذ بمعزل عن الحكومة الإسرائيلية، بل تأتي في إطار سياسة ممنهجة تتبناها
وتدعمها قوى اليمين المتطرف الحاكمة، وخصوصاً الوزراء إيتمار بن غفير وبتسلئيل
سموتريتش وأوريت ستروك، الذين لم يخفوا يوماً دعمهم للحركة الاستيطانية ومشاريع
التوسع والتهجير. وقد وفرت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة للمستوطنين السلاح
والتمويل والحماية العسكرية، ما أتاح لهم تدمير مئات المزارع الرعوية الفلسطينية،
وإحراق الأشجار والبساتين، والاستيلاء على الأراضي بعد تسييجها ومنع أصحابها من
الوصول إليها.
إن الجريمة التي
ارتُكبت في تل لم تُخطط لها مجموعات منفلتة تعمل في الظلام، بل جاءت في سياق سياسي
وأمني إرهابي معروف. فالمجلس الأمني المصغر في حكومة بنيامين نتنياهو، الذي يضم
أبرز رموز اليمين الاستيطاني، يضع السياسات ويمنح الغطاء للإجراءات الميدانية التي
تهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض الفلسطينية. ومن هنا فإن ما جرى في تل، كما في
مسافر يطا وقرية صفر التي أحرق المستوطنون منازلها أمس وسائر المناطق الفلسطينية
المستهدفة، لا يمكن فصله عن المسؤولية السياسية المباشرة للحكومة الإسرائيلية
ومؤسساتها.
وتأتي هذه العمليات
الإرهابية الممنهجة تمهيداً لتهجير الفلسطينيين من أراضيهم، عبر تحويل حياتهم
اليومية إلى جحيم دائم، وتدمير مصادر رزقهم، والاستيلاء على بساتينهم ومزارعهم،
ومنعهم من الوصول إليها تحت وطأة الخوف والرعب والعنف المسلح.
أما الفلسطينيون في تل،
فلم يخططوا لاعتداء على أحد، ولم يخرجوا بحثاً عن مواجهة. لقد فوجئوا بمحاولة
المستوطنين الاستيلاء بالقوة المسلحة على أرض تعود لإحدى العائلات الفلسطينية.
وعندما تصدى أصحاب الأرض للمعتدين بشجاعة نادرة، اندلع عراك مباشر من مسافة صفر.
وحين صوب أحد المستوطنين سلاحه إلى صدر مالك الأرض، تمكن الأخير، برباطة جأش
استثنائية، من انتزاع السلاح دفاعاً عن نفسه وعن أرضه، واستخدمه في مواجهة
المعتدين، ما أدى إلى مقتل اثنين منهم.
وعند تلك اللحظة، لم
يتردد قائد القوة العسكرية المرافقة للمستوطنين في فتح النار باتجاه الفلسطينيين
الذين كانوا يدافعون عن أرضهم، فسقط أربعة شهداء على الفور، ليرتفع ثمن الدفاع عن
الأرض إلى أعلى درجات التضحية.
تلك هي قصة تل؛ البلدة
الفلسطينية الشامخة فوق التلال، التي لا تواجه الرياح الشمالية العاصفة فحسب، بل
تواجه أيضاً إرهاباً منظماً ومدججاً بالسلاح. وهي القصة التي حاول بنيامين نتنياهو
قلب فصولها وتزوير روايتها، عندما دعا إلى نزع ما سماه "سلاح
الفلسطينيين" في القرى الفلسطينية، متجاهلاً أن مقاطع الفيديو التي وثقت
الجريمة أظهرت بوضوح أن السلاح الذي قُتل به المستوطنان كان سلاحهما، وأن
الفلسطينيين كانوا في موقع الدفاع عن النفس والأرض والكرامة.
إن الجريمة الإرهابية
التي ارتكبها المستوطنون وجيش المستعمرة الإسرائيلية في تل، كما في قرى فلسطينية
أخرى، ليست الأولى، وللأسف قد لا تكون الأخيرة. ولذلك يدفع حماة القرى الفلسطينية
أثمن ما يملكون دفاعاً عن أرضهم في إطار المقاومة الشعبية المدنية؛ يدفعون حياتهم
ثمناً للحرية والبقاء والصمود.
ومن بين هؤلاء يبرز اسم
"الجندي المجهول" بوصفه رمزاً وطنياً لمعنى الدفاع الأعزل عن النفس
والأرض، وللإرادة الفلسطينية التي ترفض الخضوع مهما اشتدت آلة القمع والعنف.
وفي الأثناء، تواصل
حكومة نتنياهو الغرق في مستنقع الدم الفلسطيني وسط عجز دولي عن فرض المساءلة
الحقيقية. فالعقوبات المحدودة التي طالت بعض رموز التطرف في حكومته لم تمس جوهر
السياسات التي أنتجت هذا الواقع، وتركت المجال مفتوحاً أمام استمرار واحدة من أخطر
حملات الإرهاب الاستيطاني المنظم التي تستهدف الشعب الفلسطيني وأرضه وحقوقه
الوطنية.
"جودت مناع كاتب صحفي فلسطيني، أستاذ الصحافة
ومدرب الإعلام في عدد من الجامعات، تخرج من المعهد الدولي للصحافة في برلين وجامعة
ليدز في بريطانيا. عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين والاتحاد الدولي للصحفيين. وعضو
في اتحاد الصحفيين البريطانيين. ورابطة الكتاب الأردنيين. عمل أيضاً بي بي سي -
لندن، وام بي سي - لندن، ووكالة الصحافة الفرنسية."
























