شريط الأخبار
مهرجان جرش يفسح المجال لنزلاء مراكز الإصلاح عرض منتجاتهم الحرفية أصاب شقيقين بالرصاص في غور الصافي وهرب الأردن يدين تصاعد إرهاب المستوطنين ضد الفلسطينيين في الضفة الحضور العسكري الأردني في فلسطين لم يبدأ عام 1948 تلّ... حكاية أرض تقاوم النار ورواية يحاول نتنياهو تزويرها الشورت اللعين!! سندويتشات قصيرة بعد 13 ليلة متواصلة: توقف الغارات الأمريكية وترامب يناقض نفسه بشأن إيران ادراج محمية العقبة على قائمة اليونسكو للتراث العالمي.. وولي العهد يهنيء 100 لوحة تشكيلية ومجسما لـ 50 فنانا تزين أعمدة "جرش" "كركلا".. تعيد إحياء "ألف ليلة وليلة" على المسرح الجنوبيّ في مهرجان جرش فرقة تراث معان تبدع بوصلاتها الفنية الشعبية على مسرح ارتيمس الملكية لشؤون القدس: اقتحام المسجد الأقصى استفزاز غير مسبوق لمشاعر المسلمين تجارة عمّان" وغرف تجارة غرب لندن توقعان تفاهما لتعزيز التعاون الاقتصادي رويترز: غارات عدة تستهدف ميناء الحديدة اليمني ترامب يجتمع بكبار مستشاريه لبحث تصعيد واسع ضد إيران الأردن: انتهاكات إسرائيل تدفع المنطقة نحو صراع كارثي الملك وسلطان عُمان يبحثان هاتفيا مجمل التطورات في المنطقة إقالة المدعي العام لمحكمة لاهايضريبة اصدار مذكرة توقيف نتنياهو السفارة الأميركية تحذر رعاياها مجددا من اخطار امنية "القدس الدولية": عدوان "خراب الهيكل" على الأقصى قوّض الوضع القائم عمليا

الحضور العسكري الأردني في فلسطين لم يبدأ عام 1948

الحضور العسكري الأردني في فلسطين لم يبدأ عام 1948


المهندس نبيل إبراهيم حداد

 

مقدمة: إغناء الرواية التاريخية الأردنية

 

 

يأتي هذا المقال مساهمةً في إغناء الرواية التاريخية الوطنية الأردنية، وتوثيق فصل لم يحظَ دائماً بما يكفي من الاهتمام في النقاش العام.

ولا يهدف المقال إلى منافسة الرواية الفلسطينية، أو الانتقاص من تضحيات الشعب الفلسطيني، أو ادعاء ملكية حصرية لأحداث جرت على أرض فلسطين. فالتاريخ الفلسطيني هو تاريخ شعب عاش على أرضه، وقاوم الاستعمار، وواجه التهجير، وواصل نضاله من أجل حقوقه الوطنية.

أما الرواية الأردنية، فينبغي أن تكون مكمّلة لذلك التاريخ، من خلال توثيق الدور الذي أداه أبناء شرقي الأردن وتشكيلاتهم العسكرية قبل قيام المملكة الأردنية الهاشمية بصورتها الحديثة، وقبل إعلان قيام دولة إسرائيل في 14 أيار 1948.

غالباً ما تبدأ الرواية المتداولة بدخول الجيش العربي إلى فلسطين في 15 أيار 1948. ومع أن ذلك التاريخ مثّل بداية التدخل العسكري الرسمي لمملكة شرقي الأردن المستقلة، فإنه لم يكن بداية الوجود العسكري الأردني في فلسطين.

فقد كان جنود من شرقي الأردن يخدمون في فلسطين قبل سنوات من إعلان قيام إسرائيل، سواء ضمن الجيش العربي، أو قوة حدود شرقي الأردن، أو شرطة فلسطين، أو تشكيلات الدرك، أو غيرها من الأجهزة العسكرية والأمنية الخاضعة للقيادة البريطانية.

إن فهم هذه الفوارق لا يضعف السجل الوطني الأردني، بل يجعله أكثر اكتمالاً ومصداقية ونضجاً من الناحية التاريخية.

 

فضاء جغرافي واجتماعي واحد

قبل تثبيت الحدود الحديثة بين الأردن وفلسطين، كانت الأراضي الواقعة على جانبي نهر الأردن جزءاً من منطقة مترابطة جغرافياً واقتصادياً واجتماعياً.

كانت العشائر والعائلات والتجار والمزارعون ورجال الدين والزعامات المحلية يتنقلون بين السلط وعمان والكرك ومعان ونابلس والقدس والخليل وأريحا وغيرها من المدن والبلدات. وكان النهر فاصلاً جغرافياً، لكنه لم يكن حاجزاً يفصل بين مجتمعين لا صلة بينهما.

وبعد انهيار الدولة العثمانية في أعقاب الحرب العالمية الأولى، فرضت بريطانيا سيطرتها على فلسطين، ومارست نفوذاً كبيراً في تأسيس إمارة شرقي الأردن وإدارتها.

وقد عكست المؤسسات التي نشأت خلال فترة الانتداب هذه الحقيقة المترابطة. فكان من الممكن تجنيد أفراد عسكريين وأمنيين في شرقي الأردن، وتدريبهم على أيدي ضباط بريطانيين، ثم نشرهم في فلسطين. كما خدم آخرون في تشكيلات كانت قيادتها في القدس، لكن نطاق عملياتها امتد إلى فلسطين وشرقي الأردن معاً.

ولذلك، يجب استخدام المصطلح الحديث «أردني» بحذر عند الحديث عن تلك المرحلة. فقبل الاستقلال عام 1946، كانت السجلات الرسمية تصف الأفراد أحياناً بأنهم من شرقي الأردن، أو عرب، أو شركس، أو شيشان، أو بدو، أو تنسبهم إلى مدنهم وعشائرهم. ومع ذلك، فإن هؤلاء الرجال كانوا جزءاً من المجتمع والتاريخ العسكري اللذين نشأت منهما الدولة الأردنية الحديثة.

الجيش العربي قبل عام 1948

تطور الجيش العربي من التشكيلات العسكرية التي أُنشئت في شرقي الأردن خلال أوائل عشرينيات القرن الماضي، وأصبح القوة المسلحة الرئيسية للإمارة، ثم للمملكة لاحقاً.

كان معظم جنود الجيش العربي من العرب، في حين تلقى دعماً مالياً من بريطانيا، وخضع خلال مرحلة طويلة لقيادة ضباط بريطانيين. وكان أشهر قادته الفريق جون باغوت غلوب، المعروف باسم غلوب باشا.

وقد يقود هذا الحضور البريطاني أحياناً إلى استنتاج مبسط مفاده أن الجيش العربي كان مجرد قوة بريطانية. إلا أن هذا التفسير يتجاهل طبيعته المزدوجة.

فمن الناحية المؤسسية، كان الجيش العربي جيش شرقي الأردن، ويدين بالولاء للأمير عبدالله وحكومة شرقي الأردن. أما من الناحية العملياتية والمالية، فقد ظل مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالسياسة العسكرية البريطانية وترتيبات قيادتها.

وقبل أيار 1948، كانت وحدات من الجيش العربي موجودة بالفعل داخل فلسطين. وكانت مهامها الرسمية مرتبطة بالمحافظة على الأمن خلال المرحلة الأخيرة من الانتداب البريطاني، والمساعدة في تنفيذ الانسحاب البريطاني المنظم.

وشملت مهامها حراسة المعسكرات العسكرية، وحماية الطرق الاستراتيجية، وتأمين الجسور وخطوط الاتصال، ومرافقة القوافل، وحماية المنشآت التي كانت السلطات البريطانية تعمل على إخلائها.

ويعني وجود هذه الوحدات أن الجيش العربي لم يعبر فجأة إلى بلد لم يسبق له العمل فيه، بل كان لديه أفراد يعرفون طرق فلسطين ومدنها ومنشآتها العسكرية وتضاريسها الاستراتيجية.

قوة حدود شرقي الأردن

تُعد قوة حدود شرقي الأردن من أهم التشكيلات لفهم الخدمة العسكرية الأردنية في فلسطين قبل عام 1948.

أنشأت السلطات البريطانية هذه القوة عام 1926. وعلى الرغم من أن اسمها ارتبط بشرقي الأردن، وأن كثيراً من جنودها جُنّدوا من الضفة الشرقية، فإنها لم تكن المؤسسة نفسها التي عُرفت باسم الجيش العربي.

فالجيش العربي كان تابعاً لحكومة شرقي الأردن، رغم تمويله وقيادته البريطانية. أما قوة حدود شرقي الأردن، فكانت خاضعة بصورة مباشرة للمندوب السامي البريطاني في فلسطين، وكانت جزءاً من الهيكل العسكري الإمبراطوري البريطاني في المنطقة.

وهذا فرق جوهري.

جندت القوة رجالاً من شرقي الأردن، بمن فيهم أفراد من العشائر البدوية، والشركس، وغيرهم من المجتمعات المحلية. وكان بعض أفرادها الأوائل قد خدموا سابقاً في الجيش العربي أو في تشكيلات أمنية مرتبطة به.

وشملت مهامها حماية الحدود، وحراسة الطرق وخطوط السكك الحديدية، وتأمين خط أنابيب شركة نفط العراق، وتنفيذ الدوريات، وحماية المنشآت الاستراتيجية، ودعم العمليات العسكرية البريطانية في فلسطين والمناطق المجاورة.

ولهذا، خدم أفراد هذه القوة داخل فلسطين قبل عام 1948 بسنوات. ولم يفعلوا ذلك ضمن حرب أردنية معلنة، بل بصفتهم جنوداً في تشكيل عسكري خاضع للقيادة البريطانية.

ومن منظور التاريخ المؤسسي، كانوا أعضاء في قوة بريطانية الإدارة والسيطرة. أما من منظور التاريخ الاجتماعي والوطني الأردني، فهم رجال من شرقي الأردن أصبحت خدمتهم وخبراتهم وتضحياتهم لاحقاً جزءاً من التراث العسكري الأردني.

هل كانوا أعضاء في الجيش البريطاني؟

يمكن القول بصورة عامة إن رجالاً من شرقي الأردن خدموا ضمن المنظومة العسكرية البريطانية، لكن المصطلحات تحتاج إلى دقة.

لم يكن جميعهم منتسبين إلى أفواج الجيش البريطاني النظامية بالطريقة نفسها التي كان ينتسب بها الجنود القادمون من بريطانيا. فقد خدم كثير منهم في تشكيلات محلية أو إمبراطورية كانت بريطانيا تمولها أو تقودها أو تسيطر عليها عملياتياً.

وتُعد قوة حدود شرقي الأردن أوضح مثال على ذلك. فلم يكن جنودها أعضاء في الجيش العربي أثناء خدمتهم فيها، بل كانوا أفراداً في قوة عسكرية مستقلة خاضعة للقيادة البريطانية، وكان بالإمكان نشرها في فلسطين وفقاً للاحتياجات العملياتية البريطانية.

كما قد يكون بعض أبناء شرقي الأردن قد خدموا في وحدات النقل، وتنظيمات العمل العسكري، والخدمات اللوجستية، وتشكيلات حماية السكك الحديدية وخطوط الأنابيب، والقوات المساندة خلال الحرب.

ولهذا، فإن الصياغة الأكثر دقة تاريخياً هي:

خدم رجال من شرقي الأردن في فلسطين ضمن الجيش العربي، وكذلك ضمن تشكيلات عسكرية وشرطية وأمنية خاضعة للقيادة البريطانية.

وتعترف هذه الصياغة بأصل الأفراد الأردني من جهة، وبنظام القيادة البريطانية الذي عمل كثير منهم ضمنه من جهة أخرى.

درك فلسطين وشرطتها

أنشأت سلطات الانتداب البريطاني عدداً من أجهزة الشرطة والدرك للسيطرة على فلسطين.

ضم درك فلسطين، الذي تأسس في السنوات الأولى من الانتداب، أفراداً عرباً محليين، إلى جانب عناصر بريطانية وأجنبية. وأسهمت التغييرات التنظيمية اللاحقة في نشوء قوة حدود شرقي الأردن.

كما جندت شرطة فلسطين عرباً من مناطق مختلفة، بمن فيهم أفراد من الضفة الشرقية أو مرتبطون بها. وأدى أفرادها مهام الشرطة التقليدية، إلى جانب العمليات الأمنية المسلحة، ومكافحة الاضطرابات، وحماية القوافل، والدفاع عن المنشآت الحكومية.

ويتطلب تحديد العدد الدقيق لأبناء شرقي الأردن الذين خدموا في شرطة فلسطين أو في التشكيلات المرتبطة بها مزيداً من البحث في الأرشيفات. فلم تكن السجلات البريطانية تستخدم التصنيفات الوطنية الحديثة بصورة ثابتة، بل كانت تعرّف الأفراد أحياناً بحسب مكان الولادة، أو الانتماء العشائري، أو الدين، أو البلدة.

وهذا مجال يمكن للجامعات الأردنية والمؤرخين العسكريين والمؤسسات الأرشيفية أن يجروا فيه أبحاثاً قيّمة. فقد تكشف ملفات الخدمة والسجلات العسكرية وتوصيات الأوسمة ووثائق العائلات عن حضور أردني في فلسطين الانتدابية أوسع مما هو معروف في التاريخ الشعبي.

الثورة العربية الفلسطينية 1936–1939

لا بد لأي رواية صادقة من أن تتناول المسألة الصعبة المتعلقة بخدمة أبناء شرقي الأردن خلال الثورة العربية الفلسطينية بين عامي 1936 و1939.

كانت الثورة انتفاضة فلسطينية كبرى ضد الاستعمار البريطاني، والهجرة الصهيونية الواسعة، وشراء الأراضي، والاتجاه السياسي للانتداب.

وردّت بريطانيا باستخدام القوات النظامية، ووحدات الشرطة، وأجهزة الاستخبارات، والتشكيلات المحلية المجندة. وكانت قوة حدود شرقي الأردن من بين القوى التي استخدمت في العمليات الأمنية المرتبطة بالثورة.

ويعني ذلك أن جنوداً عرباً من شرقي الأردن خدموا أحياناً تحت القيادة البريطانية في عمليات موجهة ضد ثوار فلسطينيين عرب.

وهذه حقيقة مؤلمة ومعقدة، لكن بناء التاريخ الوطني لا ينبغي أن يقوم على تجاهل الفصول الصعبة.

لقد خدم هؤلاء الجنود ضمن الظروف العسكرية والاقتصادية السائدة في ذلك الوقت. وكان كثير منهم عسكريين محترفين يعيلون عائلاتهم، ويؤدون واجبات حددها نظام القيادة الذي التحقوا به. وربما اعتبر بعضهم أن عمله يهدف إلى حفظ النظام العام أو حماية الطرق والمدنيين، بينما قد يكون آخرون متعاطفين شخصياً مع القضية الفلسطينية، مع بقائهم ملتزمين بالانضباط العسكري.

ولا ينبغي تفسير مشاركتهم تلقائياً على أنها تأييد أيديولوجي للسياسة الاستعمارية البريطانية أو للمشروع الصهيوني. وفي الوقت نفسه، لا ينبغي إخفاؤها.

فالواقع التاريخي المتناقض يجب الاعتراف به: كان من الممكن أن يخدم عرب من الضفة الشرقية في تشكيلات بريطانية، في الوقت نفسه الذي كان فيه عرب فلسطين يقاومون الحكم البريطاني.

ولم يكن هذا التناقض خاصاً بالأردن. ففي معظم أنحاء العالم المستعمَر، خدم جنود محليون في قوات إمبراطورية، وأحياناً ضد جماعات يشتركون معها في اللغة أو الدين أو الأصل.

والاعتراف بهذه الحقيقة يسمح بتقديم التاريخ الأردني بمزيد من الصراحة والعمق.

الدعم الأردني لفلسطين خارج التشكيلات الرسمية

لم تكن الخدمة العسكرية الرسمية الشكل الوحيد للمشاركة.

فقد حافظ المجتمع الأردني والشرق أردني على علاقات وثيقة مع فلسطين طوال فترة الانتداب. وتابع القادة السياسيون، وشيوخ العشائر، والتجار، ورجال الدين، والمواطنون العاديون، التطورات في فلسطين باهتمام كبير.

وعبرت أحياناً متطوعون وأسلحة ومساعدات مالية وتموينية نهر الأردن. وقد أثارت الثورة الفلسطينية تعاطفاً واسعاً في شرقي الأردن، رغم بقاء حكومة الإمارة مقيدة بعلاقتها التعاهدية مع بريطانيا.

كما تحرك أفراد خارج الأطر العسكرية الرسمية. فعبر بعضهم إلى فلسطين لمساندة المقاتلين المحليين، بينما قدم آخرون المأوى أو النقل أو المعلومات أو الدعم اللوجستي.

ويصعب توثيق هذه المساهمات أكثر من توثيق أنشطة الوحدات الرسمية، لأنها كانت غالباً غير رسمية أو سرية أو محفوظة فقط في الروايات العائلية.

ولذلك ينبغي للرواية الوطنية الأردنية أن تشمل الخدمة المؤسسية والمشاركة الشعبية معاً.

الحرب العالمية الثانية والخبرة العسكرية

أسهمت الحرب العالمية الثانية في توسيع الخبرة العسكرية لجنود شرقي الأردن.

فقد شارك الجيش العربي وقوة حدود شرقي الأردن في منظومة الدفاع البريطانية الأوسع في الشرق الأوسط. وشملت مسؤولياتهما حماية المطارات، والطرق، وخطوط الأنابيب، والمعسكرات العسكرية، وخطوط الاتصال الاستراتيجية.

وكانت البنية التحتية للنقل والطاقة في المنطقة ذات أهمية حيوية للمجهود الحربي للحلفاء. كما كان الطريق الذي يربط العراق وشرقي الأردن وفلسطين ذا أهمية استراتيجية، خصوصاً بسبب خط أنابيب النفط المنتهي في حيفا، وخطوط الاتصال العسكرية التي ربطت المشرق العربي بالساحل المتوسطي.

واكتسب العسكريون من شرقي الأردن خبرة في مرافقة القوافل، والاستطلاع، والاتصالات، والحركة الآلية، والعمليات الصحراوية، وحماية الحدود، والتنسيق مع القوات البريطانية النظامية.

وشاركت بعض التشكيلات أيضاً في عمليات مرتبطة بالعراق وسوريا خلال الحرب.

وكانت هذه الخبرة ذات أهمية كبيرة. فالكفاءة العسكرية التي أظهرها الجيش العربي عام 1948 لم تنشأ فجأة، بل كانت ثمرة سنوات من التدريب والخدمة الميدانية والانتشار الإقليمي والتعامل مع العقيدة العسكرية البريطانية.

وكان كثير من الرجال الذين قاتلوا لاحقاً في القدس واللطرون ومناطق أخرى قد خدموا من قبل في فلسطين أو في مناطق أخرى من الإقليم قبل أن تبدأ الحرب العربية الإسرائيلية الأولى رسمياً.

حل قوة حدود شرقي الأردن

حُلّت قوة حدود شرقي الأردن في مطلع عام 1948، قبل وقت قصير من انتهاء الانتداب البريطاني.

وانضم عدد من جنودها إلى الجيش العربي. وقد جلب هذا الانتقال أفراداً ذوي خبرة إلى القوات الأردنية في لحظة حاسمة.

كان هؤلاء الرجال يعرفون الإجراءات العسكرية البريطانية، وأنظمة الاتصالات، وأعمال الدوريات، وجغرافية فلسطين. ولذلك أسهم دمجهم في تعزيز الجيش العربي وهو يستعد للنزاع المتوقع بعد الانسحاب البريطاني.

ومن هنا، يشكل حل قوة الحدود جسراً مؤسسياً مهماً بين فترة الانتداب البريطاني والتدخل العسكري الأردني الرسمي في فلسطين.

فالجنود لم يختفوا بعد حل القوة البريطانية، بل واصل كثير منهم الخدمة تحت علم مختلف ونظام قيادة مختلف.

الأشهر الأخيرة قبل إعلان إسرائيل

بعد قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين في 29 تشرين الثاني 1947، دخلت البلاد مرحلة متصاعدة من الحرب الأهلية بين القوات العربية الفلسطينية والقوات اليهودية.

وأخذت السلطة البريطانية تتفكك تدريجياً. وتعرضت الطرق للهجمات، وانقسمت المدن، ونُصبت الكمائن للقوافل، ووسعت التنظيمات المسلحة سيطرتها.

وخلال هذه الأشهر الأخيرة، بقيت وحدات من الجيش العربي موجودة في فلسطين، وكانت رسمياً مكلفة بمهام مرتبطة بالانتداب. وكانت بريطانيا لا تزال مسؤولة عن فلسطين حتى انتهاء الانتداب، ولم تسمح رسمياً للجيوش العربية ببدء حرب بين الدول قبل انسحابها.

إلا أن الوضع على الأرض أصبح أكثر تعقيداً من أن يُقسم إلى فئات قانونية واضحة.

فجنود الجيش العربي كانوا أعضاء في جيش شرقي الأردن، لكن بعضهم كان يعمل ضمن ترتيبات عملياتية بريطانية. كما بقي الضباط البريطانيون حاضرين في قيادة الجيش. وكانت مملكة شرقي الأردن قد استقلت عام 1946، لكن بريطانيا واصلت تمويل قواتها المسلحة والتأثير فيها.

وفي الوقت نفسه، كانت المجتمعات الفلسطينية تتعرض لضغوط عسكرية متزايدة، وكانت توقعات التدخل العربي الأوسع تتصاعد.

وقد شاركت بعض مفارز الجيش العربي في حوادث مسلحة قبل 15 أيار 1948. وكانت هذه الاشتباكات محدودة مقارنة بالمعارك اللاحقة، لكنها تظهر أن الخط الفاصل بين واجبات أمن الانتداب والمشاركة في الصراع الفلسطيني بدأ يتلاشى.

غوش عصيون والأيام السابقة لـ15 أيار

وقعت إحدى أهم المواجهات التي شارك فيها الجيش العربي قبل 15 أيار في منطقة غوش عتصيون، وهي كتلة من المستوطنات اليهودية على جبل الخليل جنوب غرب القدس.

شاركت وحدات من الجيش العربي في القتال خلال الأيام الأخيرة من الانتداب، إلى جانب مقاتلين فلسطينيين غير نظاميين. وسقطت المستوطنات قبل وقت قصير من إنهاء بريطانيا حكمها رسمياً.

ولا تزال الأحداث التي رافقت المعركة الأخيرة والوفيات التي أعقبتها موضع خلاف، وتُروى بصورة مختلفة في الروايات الإسرائيلية والفلسطينية والأردنية.

أما أهمية الحدث في الكتابة التاريخية الأردنية، فتتمثل في أن قوات من الجيش العربي كانت قد شاركت بالفعل في قتال واسع داخل فلسطين قبل الدخول الرسمي للجيوش العربية في 15 أيار.

ولا يعني ذلك أن الأردن أعلن حرب عام 1948 قبل انتهاء الانتداب، بل يعني أن الانتقال من ترتيبات الأمن البريطانية إلى الحرب العربية الإسرائيلية المفتوحة تم تدريجياً على الأرض، لا في لحظة واحدة دقيقة.

ماذا تغير في 15 أيار 1948؟

شكّل انتهاء الانتداب البريطاني تحولاً قانونياً وسياسياً حاسماً.

فقبل 15 أيار، خدم أبناء شرقي الأردن في فلسطين ضمن عدة أطر:

وحدات من الجيش العربي تؤدي مهاماً مرتبطة بالانتداب البريطاني؛

قوة حدود شرقي الأردن الخاضعة للسيطرة البريطانية؛

شرطة فلسطين والدرك؛

تنظيمات أمنية ولوجستية ومساندة؛

شبكات تطوع ودعم غير رسمية.

أما بعد انتهاء الانتداب، فقد دخل الجيش العربي فلسطين بوصفه جيش مملكة شرقي الأردن المستقلة.

ولم تعد المهمة توصف رسمياً بأنها دعم الأمن البريطاني أو حماية الانسحاب البريطاني، بل أصبحت تدخلاً عسكرياً عربياً بعد إعلان إسرائيل وانهيار النظام السياسي في فلسطين.

وقاتلت القوات الأردنية لاحقاً في القدس واللطرون وباب الواد ومواقع استراتيجية أخرى. ودافعت عن القدس الشرقية والبلدة القديمة، ومنعت القوات الإسرائيلية من السيطرة على المدينة بأكملها عام 1948.

وعليه، لم يكن 15 أيار بداية الوجود العسكري الأردني في فلسطين، بل كان التاريخ الذي تغيرت فيه السلطة القانونية، والمهمة المعلنة، والهوية السياسية لذلك الوجود.

لماذا يهم هذا التاريخ؟

غالباً ما يُختصر التاريخ العسكري الأردني في فلسطين بمعركتي 1948 و1967. وهاتان المرحلتان محوريتان، لكنهما لا تمثلان القصة كاملة.

فالمرحلة السابقة تفسر:

كيف تطورت المؤسسات العسكرية الأردنية؛

كيف اكتسب جنود شرقي الأردن خبرتهم المهنية؛

لماذا كان الجيش العربي يعرف فلسطين جيداً؛

كيف أثرت الهياكل الاستعمارية البريطانية في تشكيل القوات المسلحة الأردنية؛

كيف خدم أبناء الضفة الشرقية ضمن مؤسسات أردنية وبريطانية متداخلة؛

وكيف حدث الانتقال العسكري عام 1948.

كما يبين هذا التاريخ أن علاقة الأردن بفلسطين لم تبدأ كعلاقة تقليدية بين دولتين منفصلتين تماماً.

فقد كان الشعبان مترابطين قبل أن تتصلب الحدود الحديثة. وعبرت المؤسسات العسكرية والإدارية، وطرق التجارة، والصلات العائلية، والحركات السياسية، نهر الأردن.

ولا يعني توثيق هذا التاريخ تبرير كل سياسة أو عملية عسكرية. كما لا يتطلب الصمت عن الاستعمار البريطاني، أو قمع الثورة الفلسطينية، أو التناقضات التي واجهها الجنود العرب العاملون تحت القيادة البريطانية.

فالرواية الوطنية القوية لا تخشى التعقيد، بل تعترف بالإنجاز والتضحية والتبعية والتناقض والخطأ.

الحاجة إلى بحث أرشيفي أردني

لا تزال نسبة كبيرة من الوثائق المتعلقة بهذه المرحلة محفوظة في الأرشيفات البريطانية.

وينبغي للباحثين الأردنيين دراسة:

سجلات أفراد الجيش العربي؛

ملفات خدمة قوة حدود شرقي الأردن؛

سجلات شرطة فلسطين؛

توصيات الأوسمة والميداليات؛

مراسلات وزارة الحرب البريطانية؛

تقارير حكومة الانتداب؛

الخرائط العسكرية ويوميات الوحدات؛

الأرشيفات العائلية الأردنية؛

الروايات الشفوية للمحاربين القدامى وأبنائهم؛

الصحف الصادرة في فلسطين وشرقي الأردن؛

وسجلات القوات المسلحة الأردنية.

وقد تسهم هذه الأبحاث في تحديد أسماء ورتب وأصول وسجلات خدمة الجنود من شرقي الأردن الذين خدموا في فلسطين قبل عام 1948.

كما يمكنها أن تميز بصورة أوضح بين من خدموا في الجيش العربي، أو قوة الحدود، أو شرطة فلسطين، أو التشكيلات البريطانية المساندة، أو مجموعات المتطوعين غير الرسمية.

ولا يمثل ذلك مجرد تمرين أكاديمي، بل هو واجب تجاه رجال ذابت خدمتهم غالباً في التاريخ العام للانتداب البريطاني، من دون أن تحظى بما يكفي من الاعتراف بوصفها جزءاً من التجربة الوطنية الأردنية.

رواية تكمل تاريخ فلسطين

لا يحتاج الأردن وفلسطين إلى روايتين تاريخيتين متنافستين.

يمكن توثيق المساهمة الأردنية من دون الاستحواذ على الهوية الفلسطينية أو التقليل من شأن المقاومة الفلسطينية. كما يمكن تكريم تضحيات الفلسطينيين من دون تجاهل الدور العسكري والسياسي والإنساني الذي أداه الأردنيون.

وتعترف الرواية الأكثر صدقاً بأن تاريخ الشعبين متشابك بعمق، لكنه ليس متطابقاً.

فقد واجه الفلسطينيون الاستعمار والاقتلاع وفقدان الوطن. وفي المقابل، عاش الأردنيون تجربة بناء دولة جديدة في ظل قيود سياسية وعسكرية واقتصادية شديدة، وأصبحوا منخرطين بصورة مباشرة في الدفاع عن أجزاء من فلسطين وإدارتها.

وتقاطعت التجربتان مراراً في الخدمة العسكرية، والنضال السياسي، وحركات اللجوء، والمؤسسات المشتركة، والدفاع عن القدس.

الخاتمة

لم يبدأ الحضور العسكري الأردني في فلسطين عام 1948.

فقبل إعلان قيام إسرائيل، كان رجال من شرقي الأردن يخدمون في فلسطين ضمن الجيش العربي، وقوة حدود شرقي الأردن، وشرطة فلسطين، وتشكيلات أخرى خاضعة للقيادة البريطانية. وكان بعضهم يحرس الطرق والحدود وخطوط الأنابيب والمنشآت العسكرية، وشارك بعضهم في عمليات أمنية بريطانية، واكتسب آخرون خبرة عسكرية في أنحاء المنطقة، بينما دعم غيرهم القضية الفلسطينية بوسائل رسمية أو غير رسمية.

وقد تمت هذه الخدمة ضمن منظومة استعمارية معقدة. وفي بعض الأحيان، تعارضت الواجبات الرسمية لهؤلاء الجنود مع التطلعات الوطنية للشعب الفلسطيني. وفي أحيان أخرى، أسهمت خبرتهم وتنظيمهم العسكري بصورة مباشرة في دفاع الأردن لاحقاً عن القدس ومناطق عربية أخرى في فلسطين.

ولذلك يجب على السجل التاريخي أن يميز بين الحضور والتدخل، وبين الولاء الأردني والقيادة البريطانية، وبين واجب الجندي وسياسة السلطة التي توجهه.

ويبقى الدخول الرسمي للجيش العربي في 15 أيار 1948 لحظة حاسمة، لكنه ينبغي أن يُفهم بوصفه تحولاً في علاقة عسكرية قائمة، لا بوصفه بدايتها.

إن إغناء الرواية الأردنية يتطلب النظر إلى ما وراء التواريخ المبسطة والشعارات. ويتطلب بحثاً دقيقاً، واحتراماً للحقائق الموثقة، وشجاعة في الاعتراف بتعقيدات التاريخ.

وعندما يفعل الأردن ذلك، فإنه لا ينتقص من فلسطين، بل يضيف فصلاً أردنياً ضرورياً إلى تاريخ عربي مشترك وعميق الترابط.