قصتي.. وقصتكم: عندما تغيب العدالة وتكافؤ الفرص
وائل منسي
سأظل أعود إلى ما جرى
معي، لا من باب الحسرة أو التأسف، بل لأن ما حدث يكشف خللاً أعمق في فلسفة التعليم
وإدارة الفرص، ويستحق أن يتحول من تجربة شخصية إلى سؤال عام حول الدولة والمجتمع.
في ثمانينيات القرن
الماضي، كنت طالباً في كلية الهندسة تخصص ميكانيكا، ناشطاً سياسياً أحمل هموم
زملائي وأحلم بالحرية، ودفعت ثمناً لذلك حتى أنهيت خدمة العلم.
وبعد ذلك حصلت على
بكالوريوس الإعلام من جامعة اليرموك، وكنت الأول على الكلية عام 1992. وكان النظام
آنذاك يتيح للأول فرصة الابتعاث إلى الولايات المتحدة لدراسة الماجستير والدكتوراه
على حساب الجامعة. لكن الفرصة ذهبت إلى طالب آخر كان معدله نحو 70%، بينما حُرم
منها صاحب المرتبة الأولى.
والأكثر دلالة أن
الطالب الذي تم ابتعاثه بدلاً مني لم يتمكن من إكمال الماجستير في الولايات
المتحدة، ثم حصل لاحقاً على الماجستير والدكتوراه من إحدى الدول العربية، وأعرف
شخصياً الدكتور الذي كتب له أطروحته. وبعد ذلك، أصبح هذا الطالب نائباً لدورتين في
مجلس النواب، ورئيساً للجنة التربية والتعليم والتعليم العالي، ثم أستاذاً جامعياً.
لا أذكر هذه التفاصيل
لتصفية حساب مع شخص، ولا للتقليل من مسيرته اللاحقة، وإنما لأضع أمامنا سؤالاً
أكبر: ماذا يحدث عندما تُهدر فرصة مستحقة على أساس التميز والكفاءة؟ ومن يدفع ثمن
ذلك؟
المشكلة ليست في شخص
بعينه، بل في عقلية مؤسسية تسمح بتجاوز الاستحقاق وتكافؤ الفرص، وهي عقلية تركت
آثارها في التعليم العالي وغيره على مدى عقود.
فحين لا تكون القاعدة
هي العدالة والجدارة، فإن الخاسر الحقيقي ليس فرداً واحداً؛ بل المجتمع والدولة،
لأنهما يخسران ثقة الشباب ويهدران طاقات كان يمكن أن تسهم في بناء البلد.
وهنا أعتقد أن القضية
تتجاوز الأحزاب والسياسة التقليدية.
فإذا كانت الأحزاب، في
واقعها الحالي، غير قادرة على التأثير في مثل هذه الملفات أو إحداث التغيير
المطلوب، فهذا لا يعني أن المجتمع عاجز.
قوة المجتمع والحركات
الاجتماعية، حين تتنظم حول قضايا واضحة، وتبني التأييد، وتضغط سلمياً، وتصنع رأياً
عاماً، تستطيع أن تضع قضايا العدالة وتكافؤ الفرص على طاولة أصحاب القرار.
فالتغيير لا يأتي
دائماً من المؤسسات السياسية وحدها؛ أحياناً يبدأ من تجربة فردية، ثم تتحول إلى
قضية عامة، ثم إلى مطلب مجتمعي، وصولاً إلى إصلاح مؤسسي.
فهل هذا هو الأردن الذي
نريد؟ أم الأردن الذي يستحقه أبناؤه: حيث تكون الفرصة للكفاءة، والعدالة قاعدة،
والإنجاز معياراً، ولا تُهدر طاقات الناس بسبب غياب تكافؤ الفرص؟

























