السير وراء القطيع والمواقع الاخبارية خطر
فادي حسن طبيشات
ليس كل ما تقوله الأغلبية صحيحاً
هناك جملة يجب أن
نتذكرها دائماً، خصوصاً في زمن وسائل التواصل الاجتماعي:
(ليس لأن الأغلبية تقول شيئاً، يعني أن هذا الشيء
صحيح)
بل إن واحدة من أخطر
مشكلات عصرنا أن كثرة الأصوات أصبحت تُعطينا أحياناً وهماً بأننا أمام الحقيقة،
بينما قد نكون في الواقع أمام مجرد رأي جماعي تكرر كثيراً حتى بدا وكأنه حقيقة.
قبل يومين، أُعلن عن
تعيين الإعلامية اللبنانية إيماني إبراهيم مستشارة إعلامية للدكتور طلال أبوغزاله،
فاشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي بحالة من السخرية والتنمر والانتقادات تجاه
التعيين.
وبعيداً عن تقييم
التعيين نفسه، وعن حق أي شخص في أن يسأل ويناقش وينتقد، فإن السؤال الأهم بالنسبة
لي هو:
هل كثرة المنتقدين تجعل
موقفهم صحيحاً؟
بالتأكيد لا.
لو كان عدد الأشخاص
الذين يؤمنون بفكرة هو المعيار للحقيقة، لكان التاريخ مختلفاً تماماً.
كم من فكرة صحيحة بدأت
بأقلية صغيرة ثم أصبحت بعد سنوات من المسلمات؟
وكم من أفكار كانت تحظى
بشعبية واسعة ثم اكتشف الناس لاحقاً أنها كانت خاطئة؟
العلم نفسه لم يتقدم
لأن العلماء كانوا دائماً مع الأغلبية، بل لأن بعضهم امتلك الجرأة على أن يقول:
(الأغلبية مخطئة).
والتغيير الاجتماعي لم
يحدث دائماً لأن الناس ساروا خلف التيار، وإنما لأن أشخاصاً قرروا أن يقفوا في وجه
التيار.
وهنا تكمن مشكلة خطيرة
في وسائل التواصل الاجتماعي.
أنت ترى عشرات
التعليقات الساخرة، ومئات المشاركات، وآلاف الإعجابات، فيتولد لديك شعور بأن
"الجميع" يتفق على شيء.
لكن من قال إن هؤلاء
يمثلون الجميع؟
قد تكون خوارزميات
المنصة قد وضعت أمامك المحتوى الأكثر إثارة للجدل، لأن المحتوى المثير يجذب
التفاعل أكثر.
وقد يكون الناس قد
كرروا رأياً واحداً لأنهم رأوا الآخرين يرددونه، وليس لأنهم درسوا الموضوع أو
امتلكوا معلومات كافية عنه.
وهكذا تتحول (الكثرة
إلى ضغط نفسي) فقط الأقوياء والمتنورين يفلتون من هذا الضغط.
يصبح الإنسان خائفاً من
أن يقول رأياً مختلفاً حتى لا يتعرض للسخرية، فيختار الصمت أو يردد ما يقوله
الآخرون، أنا شخصياً أقول رأيي وأي تنمر ارد عليه بتنمر ونصيحتي لا تحترموا
المتنمرين بل ابصقوا في وجوههم، ربما يستقيظ من غيبوبة التخلف والجهل.
(للأسف ليس لدينا أغلبية تفكر، وإنما أغلبية تكرر).
والفرق كبير بين
الاثنين.
نقطة نظام لا أيضاً
أقول إن الأغلبية مخطئة دائماً، المهم تشغيل العقل التحليلي قبل اطلاق الاحكام.
وعلى التنويريين أن
يعرفوا أن هناك فرقاً شاسعاً بين (النقد) و(التنمر).
النقد يناقش القرار
والفكرة.
أما التنمر فيستهدف
الشخص.
النقد يقول: "أنا
أختلف مع هذا القرار مع هذا الرأي للأسباب التالية."
أما التنمر فيقول:
"من هذاالشخص ما هي مؤهلاته (الطعن في الشخص نفسه؟!"
النقد يحتاج إلى حجة.
أما السخرية فلا تحتاج
إلى أي دليل لذلك هي سهلة أمام القطيع.
وهنا يجب أن نتوقف
قليلاً.
-لا تجعل رأيك نسخة من رأي الآخرين.
لا تدخل إلى التعليقات
في السوشيال ميديا لتعرف ماذا يجب أن تعتقد.
ادخل إلى المعلومات
أولاً، ثم كوّن رأيك.
لا تسأل: "ماذا
يقول الناس؟"
اسأل:
(ما الحقيقة؟)
(ما الأدلة؟)
(ما المعايير؟)
(هل أملك معلومات كافية حتى أحكم؟)
هذه هي العقلية التي
نحتاجها في عصر أصبحت فيه المعلومة متاحة للجميع، لكن القدرة على التفكير النقدي
أصبحت أكثر ندرة.
لقد أصبح من السهل جداً
أن تكون مع الأغلبية.
اضغط إعجاباً.
شارك المنشور.
اكتب تعليقاً ساخراً.
كرر الجملة التي يرددها
الجميع.
وانتهى الأمر.
لكن الأصعب هو أن تتوقف
وتقول:
لحظة... هل هذا صحيح
فعلاً؟
وهذه ليست دعوة إلى
مخالفة الأغلبية لمجرد المخالفة.
فأن تكون مختلفاً لا
يعني أنك على حق، كما أن أن تكون مع الأغلبية لا يعني أنك على خطأ.
المعيار الحقيقي ليس
عدد الأشخاص الذين يقفون في صفك، وإنما قوة الحجة التي تمتلكها.
ولهذا، في زمن
"الترند"، نحتاج إلى أن نربي أبناءنا وشبابنا على مهارة أهم من متابعة
الترند:
أن يفكروا بأنفسهم.
فليس كل ما ينتشر يستحق
التصديق.
وليس كل ما يضحك الناس
يستحق المشاركة.
وليس كل ما تتفق عليه
الأغلبية صحيحاً.
وأحياناً...
قد يكون الطريق الصحيح
هو الطريق الذي لا يسير فيه الجميع.
لأن التاريخ لا يتذكر
فقط أولئك الذين ساروا مع الحشود، بل يتذكر أيضاً أولئك الذين امتلكوا شجاعة
الوقوف وحدهم عندما كانت الحشود مخطئة.

























