مستقبل الدولة الفلسطينية: هل تبخر الحلم ؟(١)
د حيدر البستنجي
يواجه المشروع الوطني
الفلسطيني تحدياً وجودياً يعيد طرح الأسئلة الأكثر إيلاماً حول مصير "حل
الدولتين" وقدرته على لمّ شتات الهوية الممزقة. فبعد عقود من النضال
والتحولات السياسية، يجد الفلسطينيون أنفسهم أمام واقع جغرافي وديموغرافي معقد،
يبدو فيه قطار الدولة المستقلة وكأنه قد ابتعد كثيراً عن محطة الوصول وفي الإتجاة
الخاطيء.
لقد كان الأمل التاريخي
يرتكز على أن مشروع الدولة يمثل المظلة السياسية والتمثيلية القادرة على
إعادة تجميع "قطع الليجو" الفلسطيني. هذا الشعب الذي تشتت في أصقاع
الأرض وتحول بفعل الجغرافيا والظروف المعيشية المتباينة إلى مجتمعات تفصلها خطوط
الحدود وأولويات البقاء؛ حيث تشير أحدث بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني
إلى أن إجمالي عدد الفلسطينيين حول العالم بلغ نحو 15.5 مليون نسمة.
يتوزع هذا
"الليجو" البشري بشكل يوضح عمق التشتت؛ إذ يعيش 7.4 مليون فلسطيني فقط
داخل فلسطين التاريخية (موزعين بين 3.43 مليون في الضفة الغربية، و2.13 مليون
يعيشون في قطاع غزة وسط ظروف إنسانية مأساوية ونزوح شبه كلي، ونحو 1.86 مليون داخل
أراضي عام 1948). في المقابل، يبلغ حجم الشتات في الخارج حوالي 8.1 مليون نسمة، من
بينهم 6.82 مليون في الدول العربية المحيطة، ونحو 1.26 مليون في الدول الأجنبية
والشرق وغرب الأرض.
بين مخيمات اللجوء في
لبنان وسوريا والأردن، والشتات الميسور في الخليج وأميركا اللاتينية، تباينت
الهموم والمسارات الحياتية، بانتظار هوية وطنية جامعة لم تكتمل ملامحها المؤسسية
بعد.
وفي هذا السياق، تباينت
قراءات المفكرين والسياسيين حول أدوات النضال وجدواها؛ فبينما يرى تيار واسع أن
"انتفاضة الحجارة" السلمية عام 1987 قدّمت نموذجاً أخلاقياً متفوقاً فتح
أبواب الاعتراف الدولي وحقق مكاسب سياسية عجزت عنها المواجهات العسكرية المباشرة
في صراع غير متكافئ، يرى آخرون أن انسداد الأفق السياسي واستمرار التوسع الاستيطاني
يعيدان إنتاج خيارات المواجهة المسلحة كأداة اضطرارية لمنع تصفية القضية. التحدي
الأساسي لا يكمن فقط في شكل النضال، بل في غياب مرجعية وطنية موحدة قادرة على
استيعاب طاقات الشتات والداخل معاً، حيث أن الانقسام الفصائلي وتعدد
المرجعيات واستمرار تآكل مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية يحولان دون صياغة
استراتيجية صمود طويلة الأمد تجمع بين دهاء العمل الدبلوماسي وصلابة المواجهة.
إن إلغاء
"المهمة الأسمى" والمتمثلة في التحرر وبناء الدولة، يضع القضية
الفلسطينية اليوم في عين العاصفة. وأمام التحديات الراهنة والانسداد السياسي
الكامل، يبدو أن استعادة لحمة الشعب الفلسطيني وإعادة بناء هويته الوطنية يتطلبان
أولاً وقوفاً صارماً أمام الذات، وتجاوز الانقسامات الداخلية، وصياغة مشروع سياسي
جديد يتناسب مع متغيرات العصر، قبل أن يغلق التاريخ نافذة الأمل نهائياً.
يتبع

























