مستقبل الدولة الفلسطينية: الضرورة والترياق لجراح الشتات (٢)
د حيدر البستنجي
غالبًا ما تُختزل
القضية الفلسطينية في التغطيات الإخبارية الدولية إلى مجرد نزاع حقوقي
مزمن على أرض تاريخية ، أو أرقام للمساعدات الإنسانية، أو جمود في أروقة
الدبلوماسية. لكن القراءة العميقة للمشهد توضح الأهمية القصوى لمعضلة اقامة
الدولة الفلسطينية وضرورتها الحيوية للشعب الفلسطيني ، فبالنسبة لشعب يقبع
نصفه تحت احتلال عنصري والباقي يمزقه الشتات ، يتجاوز مفهوم الدولة
مجرد الرغبة في بناء مؤسسات إدارية أو أجهزة بيروقراطية، ليصبح حاجة ملحة
لرأب صدع الهوية، وحلاً وحيداً لما أسمته الفيلسوفة حنة آرندت بفقدان
"الحق في امتلاك الحقوق".
الشعب الفلسطيني لا
يعيش في كتلة ديمغرافية متصلة، بل يتوزع بين مخيمات اللجوء في دول الجوار، وتحت
الحصار والاحتلال في الضفة وغزة، وفي منافٍ بعيدة عبر القارات.
هذا التشتت المادي خلق
حالة موازية من التجزؤ النفسي والفكري ،حالة من التعلق الدائم بالماضي
و الارتباط بجغرافيا مسلوبة، والحاضر المؤقت المحكوم بشروط المجتمعات المضيفة،
والمستقبل المجهول .
وهنا بالضبط تبرز
الدولة كضرورة لإنهاء هذا التبعثر؛ فهي ليست مجرد أداة لحكم من بداخلها، بل
هي نقطة الارتكاز القانونية والمعنوية لمن هم خارجها أيضاً ، والوعاء الذي
يحول تشتت المنافي إلى شبكة وطنية متصلة لها مركز سياسي محمي قانونياً.
الفيلسوفة الألمانية
حنه آرندت قدمت تحليلا ذكيا و معمقاً لأزمات اللاجئين في القرن العشرين، حيث
لاحظت خللاً بنيوياً في النظام العالمي الحديث: وهو أن "حقوق الإنسان"
تظل قاصرة وعاجزة ما لم تحمها مواطنة قانونية داخل دولة، فعندما طُرد الفلسطينيون
من مدنهم وقراهم، لم يفقدوا ممتلكاتهم الفردية فحسب، بل سُلبت منهم "المظلة
السياسية". وبتحولهم إلى لاجئين بلا دولة (Stateless)،
سقطوا في الفراغ القانوني الدولي.
وفقاً لمنظور آرندت،
فإن الإنسان بلا دولة يُجرد من "حق امتلاك الحقوق"، ويتحول من ذات
سياسية فاعلة إلى مجرد موضوع للإغاثة والشفقة الدولية، لا يحميه قانون ولا يُسمع له
صوت في الحيز العام العالمي.
بناء الدولة الفلسطينية
هو الآلية التاريخية الوحيدة لكسر هذه اللعنة، وتحويل الفلسطيني من "استثناء
قانوني مستباح" في المنفى، إلى مواطن ذي سيادة محمي بكيان وطني معترف به،
تُظهر الأمثلة الواضحة خلال النزاعات الإقليمية الأخيرة هذه الفجوة
بشكل مؤلم؛ فعندما اندلعت الحروب أو الهجمات العسكرية الواسعة في دول كالسودان، أو
ليبيا، أو العراق ، أو حتى خلال تداعيات الصراع الداخلي في سوريا ولبنان،
كانت خطوط الإجلاء والهروب واضحة لمواطني تلك الدول. حيث يمتلك المواطن
السوري أو اللبناني جواز سفر صادر عن دولة ذات سيادة. حتى في أحلك الظروف
السياسية، تتحرك السفارات، وتُفتح ممرات اللجوء المؤقت، وتستقبل الدول المجاورة
هؤلاء المواطنين بناءً على اتفاقيات دولية تنظم حركة الرعايا والأجانب. هناك
"دولة مرجع" قانونية، مهما كانت ضعيفة، تطالب بهم أو تُسجل حضورهم في
المنظومة ، في المقابل، يجد الفلسطيني المقيم في تلك البلدان نفسه في "مخرطة
قانونية". لا يملك جواز سفر يعتد به دولياً، بل وثائق سفر للاجئين لا تمنحه
حق الدخول لأي بلد دون تأشيرات مسبقة شبه مستحيلة الحصول. أثناء عمليات الإجلاء،
ترفض العديد من الدول استقبال الفلسطينيين الفارين من الموت بحجة غياب
"الدولة المرجع" التي يمكن ترحيلهم إليها لاحقاً أو تحميلها مسؤوليتهم
القانونية، مما يتركهم عالقين في مناطق الخطر أو على الحدود في العراء. ومثال غزة
لا يزال حاضراً امامنا ، الفلسطيني عاجز عن النزوح الى جهة امنة في وطنه فما بالك
خارج هذا الإطار .
هذا المشهد المتكرر ليس
مجرد أزمة لوجستية، بل هو التطبيق العملي الأخطر لأطروحة حنة آرندت حول "الحق
في امتلاك الحقوق". فالعالم الحديث ربط حقوق الإنسان الفردية بالسيادة
الوطنية؛ ومن لا يملك دولة تمثله، يسقط تلقائياً من حسابات القانون الدولي
والمنظومة الإغاثية الشاملة.
الفلسطيني في الشتات
يُعامل في أوقات السلم كـ"ملف إنساني مؤجل"، لكن في أوقات الحروب تظهر
حقيقة هذا الوضع الفلسفي؛ إنه يتحول إلى ما يسمى في الفلسفة السياسية بـ
"الإنسان المستباح" الذي يمكن تركه لمصيره دون أن يترتب على ذلك أي
تبعات قانونية ضد الدول التي أغلقت حدودها في وجهه.
غياب الدولة الفلسطينية
يعني غياب الهيكل الدبلوماسي القادر على الضغط، وغياب الاتفاقيات الثنائية لتبادل
الرعايا، وحرمان الفرد من حق الحماية القنصلية الأساسي الذي يتمتع به أي مواطن آخر
في العالم مهما كانت دولته مضطربة او هامشية .
بينما فككت آرندت
الهشاشة القانونية للاجئ، غاص إدوارد سعيد في الأبعاد الثقافية والفكرية
للمنفى. رأى سعيد أن المنفى، رغم قسوته الفادحة، يمنح صاحبه وعياً نقدياً فريداً
أسماه "الوعي الطباقي"
(Contrapuntal Consciousness)،
وهو الوعي الذي يجعل المثقف قادراً على رؤية التاريخ من زوايا متعددة ويرفض
السرديات الاستعمارية الأحادية. فالدولة في فكر سعيد هي التجسيد المعرفي
والمؤسساتي لحق الفلسطيني في "تمثيل نفسه" بدل أن يمثله الآخرون.
لعقود طويلة، حاولت
الرواية الكولونيالية تغييب الفلسطيني وجعله مجرد تجريد أو تفصيل عابر في جغرافيا
غريبة. لذا، فإن الدولة ليست مجرد حدود مادية، بل هي الحصن الفكري الذي يمكن
للفلسطيني من خلاله أرشفة تاريخه، وبناء جامعاته، وتقديم هويته الثقافية للعالم
بندية كاملة، متجاوزاً منطق الدفاع التبريري إلى الإنتاج الحضاري المستقل، ولقد
خاضت منظمة التحرير عبر تاريخها صراعات عدة لتثبيت حق الفلسطيني في تمثيل نفسة
وسحب القلم الفلسفي من أيدي الآخرين .
و إذا كان إدوارد سعيد
قد صاغ الإطار التحليلي لمعركة الشتات الفكرية، فإن محمود درويش بلغته الساحرة
اكسب الفكرة نبضا وروحا، حيث واجه سلب الأرض بتحويل اللغة ذاتها إلى وطن
بديل؛ فعندما غُيبت الجغرافيا، أصبحت الكلمة والاستعارة هي الأرض، والقلعة التي
تحفظ الوجود الفلسطيني من الطمس والتلاشي. ثم صعد بالسردية الفلسطينية سلماً
بالبحث عن المواطنة الحلم ، بالانتقال من رومانسية الثورة وصورة الضحية المطلقة،
إلى توق عارم لممارسة "الحياة العادية" في ظل دولة طبيعية. لقد كتب
كثيراً عن الرغبة في اختبار "ترف أن نكون عاديين"، حيث لا تكون الحياة
مستهلكة بالكامل في الصدمات المستمرة، أو الهرب عبر حواجز التفتيش، أو عبء
المقاومة الوجودية اليومية.
الدولة عند درويش هي جسر العبور من "أرض
الكلام" إلى الواقع الملموس. لقد عاش الشتات الفلسطيني أجيالاً متعاقبة داخل
قصيدة الحنين؛ والدولة هي الحيز المكاني الذي تنتهي عنده القصيدة لتبدأ الحياة
العادية؛ الحيز الذي يتيح للفلسطيني أن يكون عاملاً، أو فناناً، أو مزارعاً، أو
حالماً، دون الاضطرار المستنزف لإثبات حقه في الوجود كل صباح.
الدولة اذن هي الضرورة والبنية الوحيدة القادرة
على غزل الخيوط الممزقة لشعب مبعثر في أصقاع الأرض. تُلغي المسافات الشاسعة
للشتات، وتصهر المصائر السياسية المختلفة للاجئ في مخيمات لبنان، والمواطن الرازح
تحت الاحتلال في رام الله وغزة، والمغترب في نيويورك، ضمن مسار مستقبلي واحد. إنها
الإطار الذي يحول الفلسطينيين من استراتيجية "البقاء على قيد الحياة" في
المنافي، إلى مرحلة الاستقرار والازدهار الإنساني الشامل على أرضهم. إنها بالتعبير
الصافي الحفاظ على الماضي بالعبور للمستقبل لشعب لم يعرف الراحة منذ قرون .
يتبع

























