هكذا تقدموا (1)
د. عبدالله الطوالبة
ثلاثة عناوين رئيسة
لنهضة الغرب، بشقيه أوروبا وأميركا الشمالية، وأسباب تقدمه. أولها، ثورة صناعية
تزامنت مع ثورة ثقافية وسياسية وفلسفية ومعرفية. والثاني، الديمقراطية. والثالث،
العقل. بهذه الثورات التاريخية الثلاث، خلع الغرب أسباب تخلفه من جذورها غير مكتفٍ
بخلع الشجرة والابقاء على الجذور.
على هذه الأرضية، غادرت
أوروبا بلا رجعة مرحلة ما يُعرف في أدبياتهم بـ"الحكم الإلهي"، وتحررت
من سلطان الغيب. وبامتلاكها عناصر القوة العلمية والتكنولوجية، فرضت سيطرتها على
الطبيعة وعلى أجزاء واسعة من العالم، بما فيه عالمنا العربي المتخلف الضعيف.
بدأت الثورة التجارية
الصناعية هناك في القرن الثاني عشر الميلادي، وكانت بداية خروج الغرب من عزلته ومن
سيطرة الكنيسة والكهنوت الديني. فقد بدأت تنشأ المدن، ولم تلبث أن تحولت إلى دول
انخرطت في التجارة مع الشرق واكتشفت طريقي الهند وأميركا. وكان من الطبيعي أن تبرز
طبقة التجار الجدد، من أصحاب رأس المال التراكمي. أطلقت هذه التحولات عملية
اقتصادية ديناميكية، صار لها تأثيرها المتعاظم على الكنيسة والملوك.
رافق توسع التجارة
وتراكم رأس المال، ظهور حركة صناعية زراعية كبرى، في مقدمة نتائجها ازدهار الصناعة
وتطور الحِرف. فرض ما سبق ذكره استغلال الموارد الطبيعية، لا سيما التعدين والفحم.
وكان لا بد من شق الطرق والقنوات لوصل أقطار أوروبا ومدنها. تكثفت حركة التبادل
التجاري، وتأسست المصارف والبنوك.
أحدثت هذه التطورات
نقلة تاريخية، تمثلت في تجاوز أوروبا أنماط الحياة الاقطاعية والخراجية التقليدية،
فضلًا عن الانفتاح على الأسواق العالمية ومبادلاتها. ولا ننسى الاكتشافات العلمية
والتكنولوجية وبناء الأساطيل التجارية والعسكرية، لحماية الأسواق وتلبية تسارع نمو
حركتها.
وكان من مقتضيات ما
ذَكرنا إنشاء تكتلاتٍ للتجار والصناعيين والحِرفيين، عُرِفت آنذاك بـ« المتجسديات
»، وهي ما يُقابل النقابات المهنية» في عصرنا الحاضر.
ولقد انعكس ذلك على
النشاط السياسي وأساليب إدارة دول أوروبا وممالكها. كان لانشاء المتجسديات دوره في
تبلور نواة البرلمانات، ومباديء التمثيل الشعبي. بدأ الطابع التمثيلي يفرض نفسه،
على الصعيد السياسي. وتمثل ذلك في تحديد دور الملك أو الامبراطور أو الحاكم بأنه
مُفَوَّض من قِبَلِ الشعب ويمثله، لا تنبع سلطاته من شخصه بل من صلاحيات منصبه
ومهامه. وتلك كانت صيغة تاريخية جديدة غير مألوفة، أهم ما يميزها مناقضتها للاستبداد
السياسي وسلطة الكنيسة القائمين على "الحق الإلهي"، الذي لم يكن يعترف
بالشعب، فكيف بحقوقه؟!
بموجب الحق الإلهي
المُتَوَهَّم، البابا والحاكم وكيلا الله في الأرض.(يتبع)

























