من الفلامنجو بألبانيا إلى الأغوار الجنوبية… قبل أن تتحول القضايا الصغيرة إلى غضب كبير
كتب: وائل منسي
في ألبانيا، لم تبدأ
«ثورة الفلامنجو» من حزب سياسي أو أيديولوجيا، بدأت من أرضٍ ومشروعٍ سياحي وسياجٍ
ومخاوف على البيئة والملكية لصالح قوى ورجال أعمال منهم كوشنر وإفينا ترامب.
لكن القضية الصغيرة سرعان ما تحولت إلى احتجاج
وطني طويل، لأن المجتمع رأى فيها شيئاً أكبر: سؤالاً عن من يقرر؟ ولصالح من؟
وهل يسمع عقل الدولة صوت الناس قبل أن يعلو في
الشارع؟
الفلامنجو لم يكن
القضية؛ كان رمزاً.
ومع اتساع الاحتجاجات،
انتقل النقاش من حماية الطيور والأرض إلى الشفافية والفساد وعلاقة السلطة بالاستثمار،
وإلى حق المجتمع في أن يكون شريكاً في القرارات التي تمس مستقبله.
وهنا تكمن أهمية الدرس
بالنسبة للأردن:
ففي ظل الضغط الاقتصادي
والاجتماعي، لا ينبغي النظر إلى قضية الأراضي المستملكة في الأغوار الجنوبية
باعتبارها ملفاً إدارياً أو قانونياً منفصلاً عن المزاج الاجتماعي العام.
الأرض بالنسبة لأهلها، ليست مجرد مساحة وسند
ملكية؛ إنها ذاكرة ورزق وأمان ومستقبل وشعور بالإنصاف.
وكذلك ما جرى مع نبيله
الحشوش لا ينبغي التعامل معه باعتباره حادثة معزولة تنتهي بانتهاء الحدث.
الأهم هو قراءة ما
وراءه: مجتمع يزداد حساسية تجاه قضايا العدالة والكرامة والحق في أن يُسمع صوته.
وهنا يأتي التحذير
الهادئ إلى الحكومة الأردنية، من موقع الحرص لا المواجهة:
لا تنتظروا حتى تتحول
القضايا الاجتماعية المتفرقة إلى قضية اجتماعية واحدة.
فالتاريخ السياسي
الحديث، في أوروبا الشرقية والغربية، يقدم درساً واضحاً: الحركات الاجتماعية
الجديدة لا تنتظر الأحزاب دائماً، وقد تبدأ من قضية بيئية، أو أرض، أو أسعار، أو
حقوق عمالية، ثم تتسع عندما تتراكم فوقها مشاعر عدم الثقة.
وقد رأينا خلال السنوات
الأخيرة احتجاجات طويلة ومتعددة الأشكال في عدد من الدول الأوروبية، بعضها بقي
سلمياً، وبعضها انزلق إلى صدامات وعنف واستقطاب حاد.
ولا نريد للأردن أن يصل
إلى هذه النقطة:
الأردن لا يحتاج إلى
انتظار الشارع حتى يصبح أكثر غضباً، ولا إلى التعامل مع الحركات الاجتماعية
باعتبارها منافساً للدولة.
بل يحتاج إلى عقل دولة
أكثر قرباً من المجتمع.
عقل دولة يقول للحركة
الاجتماعية: تعالوا نتحدث قبل أن نختلف.
يقول للمواطن: سنسمعكم
قبل أن تضطروا إلى الاحتجاج.
ويقول للمجتمع المدني:
أنتم جزء من الحل، لا مشكلة ينبغي احتواؤها.
الأردن ليس دولة ضعيفة؛
هذه دولة واثقة من نفسها.
والحركات الاجتماعية
ليست بالضرورة خصماً للدولة.
عندما تكون سلمية
ومنظمة ومسؤولة، يمكن أن تكون جهاز إنذار مبكر للدولة؛ تكشف مواضع الخلل قبل أن
تتحول إلى أزمات، وتنقل صوت المجتمعات التي قد لا تصل رسائلها عبر القنوات الرسمية
التقليدية.
وهنا تحديداً يجب أن
تتغير المعادلة:
قوة الدولة ليست في
قدرتها على احتواء المجتمع، بل في قدرتها على الاستماع إليه والاستفادة من طاقته.
نحن لا نريد «ثورة
فلامنجو» أردنية، ولا نريد احتجاجات طويلة تستنزف المجتمع والدولة، ولا نريد أن
تتحول المطالب المشروعة إلى صدامات.
نريد شيئاً أكثر ذكاءً:
أن تسبق الدولةُ
الشارعَ بخطوة، وأن تلتقي بالمجتمع قبل أن تلتقي به في الشارع.

























