شريط الأخبار
الأمن العام يوضّح: اعتداء على حدث بعمان بعد تغيير مسار باص لنقل الطلاب السيسي: عام 2030 سيكون نهاية مدة رئاستي لمصر.. ولا توريث يونيسف: 560 ألف طفل بغزة عادوا للتعليم وسط تدهور الخدمات الأساسية مجلس نقابة الأطباء الأردنية يوقف التعامل مع 4 شركات تأمين د. ذوقان عبيدات يكتب: يقلعون شجرة!! نزرع ألفًا!! المقاومة الخضراء! من يفرض الحجاب ومن يمنعه… وجهان للإقصاء ذاته الضمان تدعو المنشآت المدينة للاستفادة من تخفيض فائدة التقسيط زراعة عين الباشا: إزالة أشجار جافة في غابات وصفي التل .. ولا اعتداءات الخلافات تشتعل مجددًا بين أوباما ونتنياهو قبل أيام من الانتخابات الإسرائيلية “الحاسمة” موديز: الاقتصاد الأردني أظهر قدرة على الصمود رغم توترات المنطقة ارتفاع أسعار الذهب محليا إلى 84.90 دينارا للغرام توسع اعتداءات المستوطنين على قاطفي الزيتون والمتضامنين في الضفة درجات حرارة دون معدلاتها وفرصة لزخات مطرية شمالا القوة البحرية تنقذ قاربين سياحيين فقدا السيطرة في خليج العقبة برميل خام برنت يلامس 110 دولارات للمرة الاولى منذ أيار بن عامي: إسرائيل تعيش الأبرتهايد وحل الدولتين غير ممكن حالياً إيطاليا تفتح تحقيقا يطال 12 مسؤولًا إسرائيليًا بتهم تعذيب واختطاف نشطاء أسطول الصمود الهند: نماذج ذكاء اصطناعي خارجة عن السيطرة اخترقت أنظمة تشغيلية لشركات التحالف العربي: اعتراض صواريخ ومسيرات حوثية "وول ستريت جورنال": مساع حوثية لتطوير صاروخ باليستي وتوسيع بنك أهدافهم لتصل كامل اسرائيل

مستقبل الدولة الفلسطينية: فخ "السيادة الوظيفية": نموذج السلطة الوطنية الفلسطينية(٣)

مستقبل الدولة الفلسطينية: فخ السيادة الوظيفية: نموذج  السلطة الوطنية  الفلسطينية(٣)


د حيدر البستنجي 

 

ظلّ مفهوم "السيادة" (Sovereignty) مقترناً بالنموذج الويستفالي التقليدي (نسبة إلى صلح ويستفاليا 1648)؛ ذلك الذي يفترض تلازماً مطلقاً وغير قابل للتجزئة بين ثلاثة عناصر: الأرض، والشعب، والسلطة الاحتكارية للقوة . غير أن العقل الاستعماري الحديث أبدع أنماطاً هجينة من الحكم تكسر هذا التلازم، ولعل أبرزها ما يصطلح عليه في العلوم السياسية وفلسفة القانون الدولي بـ "السيادة الوظيفية" (Functional Sovereignty).

تتجسد هذه الفكرة بوضوح تراجيدي في "السلطة الوطنية الفلسطينية" كنموذج للحكم الذاتي المقيد؛ حيث يُعاد تعريف السيادة لا كحق أصيل في تقرير المصير، بل كـ "حزمة من الوظائف الإدارية والأمنية" المعزولة عن أي سيادة حقيقية على الأرض أو الموارد 

في تفكيك  ممنهج للسيادة بهدف ادارة السيطرة على الشعب الفلسطيني  وحرمانه من حقوقه السياسية الكاملة مع وعد مشروط بالتقدم نحو الدولة في حال اثبات حسن السيرة والسلوك  بما يحول العملية كلها  الى آلية ذكية لإدارة السيطرة والتحكم بالنتائج . 

مفهوم  السيادة الوظيفية يمكن  النظر له من جانبين فهو سلطة حديثة حيوية حسب  الفيلسوف مشيل فوكو  غير معنية بالمفهوم القانوني القديم (حق الموت والحياة)، بل تتمحور حول تنظيم الحياة، وإدارة السكان، وتصريف شؤونهم اليومية (التعليم، الصحة، البيروقراطية) ، و في الحالة الفلسطينية، جرى تفويض السلطة الفلسطينية بموجب اتفاقيات أوسلو لممارسة هذه "السياسة الحيوية" المحضة؛ فهي تدير ديمغرافية السكان وتتحمل أعباءهم المعيشية، بينما تحتفظ إسرائيل بالسيادة الجيوسياسية العليا.ومن جهة اخرى فهي كيان شبحي تمتلك مظاهر الدولة الرمزية  (رئاسة، وزارات، جوازات سفر، شبكة سفارات في الخارج) ، غير أن هذه الرموز منفصلة تماماً عن شرط التحقق المادي على الأرض، مما يخلق مفارقة عجيبة من وجود ديبلوماسي كثيف في الخارج مقابل عجز سيادي مطلق في الداخل. وبذلك تجمدت اتفاقيات أوسلو (1993–1995) الى وثيقة دستورية لتأسيس "سيادة وظيفية منقوصة" دون ان تأخذ فرصتها بالتطور إلى دولة عبر تحالف غير معلن بين التطرف اليميني الصهيوني الذي تغذى من التفجيرات الانتحارية والانقسام الفلسطيني وكرس الجمود السياسي للمشروع الناقص عبر آليتين رئيسيتين:

1. هندسة الجغرافيا (أرخبيل المعازل )

من خلال تقسيم الضفة الغربية إلى مناطق (أ، ب، ج)، تم تفكيك السيادة المكانية بحيث مُنحت السلطة سيادة وظيفية إدارية في كانتونات معزولة ومكتظة بالسكان (منطقة أ)، في حين جُرّدت من السيادة على أكثر من 60% من الأرض (منطقة ج) الغنية بالموارد والمياه والمجال الحيوي للاستيطان . هذا التقسيم يمثل تجسيداً لـ "الجغرافيا السياسية المجزأة"، حيث تمارس السلطة حكماً ذاتياً على "البشر" لا على "الأرض".

2. التبعية الهيكلية (بروتوكول باريس الاقتصادي 1994)

في فلسفة الاقتصاد السياسي، لا وجود لسيادة سياسية دون سيادة نقدية ومالية. جاء بروتوكول باريس ليرهن شريان الحياة المالي للسلطة ببنية الاقتصاد الإسرائيلي عبر نظام الغلاف الجمركي الموحد. تحولت "أموال المقاصة" (الضرائب الفلسطينية التي تجبيها إسرائيل) إلى مقصلة سياسية؛ حيث تستخدمها قوة الاحتلال كأداة ابتزاز مالي مستمر، مما يعني أن الكيان الوظيفي يظل مهدداً بالانهيار الوجودي في حال قرر تجاوز السقف المرسوم له سياسياً.

ادت هذه المحددات إلى حالة يمكن تسميتها اصطلاحا الهوبزية المقلوبة  (نسبة إلى الفيلسوف  توماس هوبز)، فالدولة كما يقول هوبز تولد من رحم حاجة المجتمع للأمن؛ إذ يتنازل الأفراد عن بعض حرياتهم مقابل أن تحميهم سلطة مركزية تحتكر العنف الشرعي. ولكن في نموذج السيادة الوظيفية الفلسطينية، ينعكس هذا المفهوم بشكل مشوه:

تمتلك السلطة أجهزة أمنية واسعة تحتكر العنف داخلياً لضبط الأمن الجنائي والسياسي لكنها مجردة وظيفياً من دورها الدفاعي السيادي؛ فلا تملك القدرة أو الحق القانوني (بموجب الاتفاقيات) لمنع الجيش الإسرائيلي من اقتحام مناطق سيادتها المفترضة (منطقة أ). و يتحول "التنسيق الأمني" إلى وظيفة بنيوية مطلوبة للحفاظ على الاستقرار الإقليمي، مما يضع السلطة في مأزق أخلاقي  حاد أمام مجتمعها: كيف تكون سلطة شرعية وهي عاجزة عن حماية محكوميها من التهديد الخارجي؟ 

إن القراءة الأكاديمية المعمقة لنموذج السلطة الفلسطينية تُثبت ان هذا النموذج بحاجة إلى إصلاحات هائلة ليكتسب القوة الدافعة للتحول إلى الدولة  وعلى الرغم من ذلك فانة نظرا للتباين الهائل في ميزان القوى بين الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي فان الدور الوظيفي في الحفاظ على الفلسطينيين على ارضهم وتحسين شروط بقائهم ومقاومة تهجيرهم يكتسب اهمية قصوى في الظرف الراهن دون ان نعوّل كثيرا على قدرة هذا النظام في حل المأزق والكارثة الفلسطينية او خدمتها اكثر من ذلك . الخروج من هذا الفخ  لا يتم عبر تجويد الأداء الوظيفي للسلطة أو استجداء الدعم المالي المشروط، بل في  "إعادة تسييس" الكينونة الفلسطينية متسلحين بالقانون الدولي وقرات الشرعية الدولية  ، والعودة إلى مربع حركة التحرر الوطني لشعب بسيط تحت الاحتلال يرى في السيادة حقاً وجودياً لا مساومة عليه .

 

يتبع في الحلقة القادمة نتحدث عن مستقبل السلطة وآفاق الحل