شريط الأخبار
إفلاس الشركات الكبرى في ألمانيا يرتفع 10% وصناعة السيارات في صدارة القطاعات المتضررة بمشاركة عربية!.. 10 أبحاث تفوز بجوائز "نوبل للحماقة" حزب العمال يدعو إلى منظومة وطنية آمنة لنقل الطلبة بعد حادثة طفل الزرقاء الأمم المتحدة: الخروقات المتواصلة تؤكد انعدام الأمان في قطاع غزة المومني: إطلاق النسخة الإنجليزيةمن "فرح" بعد قليل ألف مبروك، منها للأعلى ! الأردن وهولندا يوقعان اتفاقية حول التعاون الدفاعي بين البلدين هكذا تقدموا (2) بكر صدقي وحكمت سليمان: الإصلاح تحت حراب الجيش وبداية عسكرة السياسة العراقية سنغافورة الأردنية.. المنهج لا النسخة وصول 9 جثامين لأردنيين من حادث الحافلة بمصر ودفن الأخير هناك الطفل المنسي بباص المدرسة بالزرقاء.. توفي بصدمة حرارية تراجع أعداد السواح الأردنيين الى الخارج 10.5% خلال 7 أشهر جودت مناع يسأل الرئيس محمود عباس سؤالا طرحه على الرئيس الراحل ياسر عرفات قبل ٢٢ عاما ! وفيات الجمعة 4-9-2026 بعد سنتين من استشهادهم.. انتشال جثامين 55 شهيدًا من تحت أنقاض منزل بغزة الملك وعاهل البحرين يدعوان لوقف التصعيد الخطير بالمنطقة رئيس هيئة الأركان للملك: القوات المسلحة ستبقى بأعلى مستويات الكفاءة والجاهزية والاحترافية حين يُقتل الإعلام.. من يملأ الفراغ؟ الملك يتلقى رسالة من الفريق الركن المتقاعد يوسف الحنيطي

هكذا تقدموا (2)

هكذا تقدموا (2)


 

د. عبد الله الطوالبة

أنجز الغرب تغييرًا بنيويًّا، نتيجة التحولات الاقتصادية والسياسية والمعرفية، على صعيد السلطة كان له أثر فارق في تقدمه. فقد برزت على السطح صراعات المصالح والتنوع المنسجمة مع نواميس الحياة ومستجداتها، يقابل ذلك التوافقات والتسويات من جانب المتجسديات(النقابات). ولقد كان تمثيل أصحاب المصالح المشتركة بالانتخابات أساسيًّا في آلية عمل المتجسديات، انعكس على الواقع بتزايد نفوذ البرلمانات، فصار مسموعًا صوت المحكومين بل وفرض مطالبهم على الملوك والحكَّام. هذه التحولات هي ثمرة صراعات طويلة ومريرة، تأدت في المحصلة إلى حلول الحكم المدني محل الحكم الإلهي، متمثلًا الأخير بسلطة الكنيسة والبابا والملوك. وهكذا بدأت الأرض تميد، تحت أقدام الاستبداد السياسي ورافده الرئيس الاستبداد الديني.

وكان لا بد للتغييرات الشاملة من طاقات بشرية ومهارات معرفية تلبي احتياجاتها، في التطور والارتقاء خاصة. من هنا بدأت الحاجة إلى ضرورة تأسيس الجامعات، بحيث تتخصص كل منها في مجال معرفي. ومنها جامعة بولونيا، وقد تخصصت في تدريس القانون. وركزت جامعة السوربون على الفلسفة، واهتمت جامعتا كمبردج وأكسفورد بالعلوم. وتلقت هذه الجامعات دعمًا ماليًّا سخيًّا من رجال المال وحلفائهم الأمراء، للحفاظ على استقلاليتها. في هذه الجامعات دَرَسَ علماء أفذاذ كان لهم دور تاريخي في انطلاق مسار العِلم الحديث، نذكر منهم كوبرنيكوس(جامعة بولونيا)، وكبلر (توبنجن)، وغاليلو(بادوا)، ونيوتن (كمبردج).

الثورة العلمية ضرورة ملازمة للثورة الصناعية ومتطلباتها من علماء ومخترعين، في الفلك والرياضيات والادارة والقانون. واذا شئنا التحديد، نشير إلى أن علمي الرياضيات والفلك اضافة فارقة لحركة العلوم، لا سيما على صُعُدِ اكتشاف العالم القديم والهندسة المعمارية واختراع الأسلحة الثقيلة.

تخلت الجامعات عن تدريس علوم الكنيسة، متمثلة بالنحو والبلاغة والمنطق، واتجهت إلى علوم الصناعة والتجارة والانتاج، أي الحساب والموسيقى والفلك. على هذا الأساس، تحولت الجامعات والمدارس إلى منارات للفكر التنويري الحر، وبشكل خاص بعد أن حلَّ مدرسوها محل رجال الدين في شرح النصوص والمذاهب الدينية بتفويض من مؤسسات مستقلة. وبذلك تأهلت لخوض مواجهات كبرى، لاحلال سلطان العقل محل سلطان الغيب. وبدأت كشوفات العِلم وفتوحاته، تأخذ دورها التاريخي في تعزيز هذا الإحلال. فمع نيوتن وكبلر وغاليلو ظهرت قوانين الفيزياء، بتفسيرها الحاسم لحركة الكون انطلاقًا من مبدأ العِلِّيَّة الآلية وحتمياتها وليس الغائية الغيبية. وأخذ اهتمام العلماء يتركز على الملاحظة والتجريب، وصولًا إلى استخلاص القوانين الحتمية في تفسير عِلِّيَّة الظواهر والوقائع.

ولا مِرية أن تقدم العلوم وقوانينها، إن هو إلا تصور مادي للطبيعة المحكومة بمبدأ السببية الحتمية. فباكتشاف قوانين الحتمية المُسَيِّرَة للطبيعة وآليات عملها، أصبحت الغائية الغيبية من الماضي، وبالتالي أُتيحت للانسان السيطرة على الوجود وتسييره. موجز القول، أصبح العقل الانساني هو المرجع وليس سلطان الغيب. اضمحل اليقين الايماني الغيبي لصالح اليقين العلمي العقلي، وحلَّت تنبؤات العلم ونظرياته وقوانينه محل التنبؤات الغيبية. وتنهض تنبؤات العلم ونظرياته على أساس العلة والمعلول، فلكل شيء عِلَّة مادية ينتج منها معلول. تحول تاريخي ثوري لا ريب، نقل عقل الانسان إلى دور السيد والمبادر والمدبِّر.

وأضاف العلمُ إلى مسيرته الحافلة إنجازًا تاريخيًّا آخر على يد فرنسيس بيكون، الذي جعل الاستقراء أساسًا للمنهج التجريبي.

وكانت أهم نتائجه، تسديد ضربة قاضية لمنهج الكنيسة القائم على معادلة الاستدلال من الكليات إلى الجزئيات. وتتأسس علاقة الكل بالجزء عند أرسطو على فلسفة السببية؛ إذ يُعرَّف الجزء بغاية الكل الذي يحتويه، في حين يستمد هذا الكل غايته من ذاته.

وفي إطار هذه الرؤية، تبلور التصور القروسطي للمجتمع؛ فكل تجمع إنساني فيه هو جزء لا ينفصل عن الكل، يرجع أصل وجوده إلى المطلق المتعالي في مملكته الشاملة للسماء والأرض.

على هذا الصعيد، أحدث فرنسيس بيكون تحولًا تاريخيًّا بمنهج الاستقراء المبدوء بالحواس والتجريب والجزئيات لجهة مساءلة الطبيعة، للوصول إلى قوانين السببية.

سيرًا على نهج بيكون، وضع جون لوك الفلسفة الامبريقية في الفكر العلمي، أي التجريب المؤدي بالضرورة الى فهم العالم بالعقل، بمعنى تأكيد حقيقة ألا معرفة خارج الخبرات الانسانية. وتعني الامبريقية، أن أساس المعرفة الانسانية الحواس والخبرة الواقعية وليس الأفكار الفطرية.

وكان لابداعات فرانسيس بيكون وجون لوك كبير الأثر في محو أي أثر للمرجعيات الغيبية، وتعظيم دور العقل الانساني ووضع المبادرة في يد الانسان الفاعل المبدع المبادر.

وأكمل ديفيد هيوم هذه الثورة الفلسفية العلمية، بتأكيده المعرفة الحسية التجريبية المستخلصة من العلاقات اللزومية بين الأفكار.

وأخذ جون ستيوارت مِل التجريبية إلى أقصى مدياتها، بتوصله إلى أن الاستقراء هو منطق الحياة والتفكير والعِلم والعمل الوحيد المثمر، الذي لا وسيلة سواه لاحكام سيطرة العقل على الواقع لتسييره، ثم تغييره.

ويذكر أن رواد هذه الفتوحات العلمية الفلسفية، بيكون ولوك وهيوم وستيوارت مِل، عُرفوا بالنضال الدؤوب ضد سلطة الكنيسة والحُكم الالهي. وقد أثمرت منجزاتهم في خدمة البرجوازية الصناعية والتجارية، لا سيما على صعيد الأخذ بمبدأ فصل الدين عن الدولة، واخراج الدين من ملعب السياسة.(يتبع).

·       نقلا عن "الحوار المتمدن"