ألف مبروك، منها للأعلى !
كتبت شيرين قسوس
تعيين رئيس وزراء أسبق،
يبلغ من العمر 87 عاماً، رئيساً لمجلس أمناء الجامعة الأردنية ليس قراراً عادياً
يمكن المرور عليه بجملة من نوع "خبرة وطنية" أو "قامة
سياسية". هذا قرار يستحق النقد الصريح، لأن العمر هنا ليس تفصيلاً هامشياً
يمكن تجاهله، كما أن التاريخ السياسي الطويل ليس بديلاً عن السؤال المتعلق بمدى
ملاءمة الشخص لهذه المرحلة ولهذه المؤسسة.
ومع كامل الاحترام
للدكتور عبدالرؤوف الروابدة وتاريخه السياسي والوظيفي، فإن الاعتراض ليس شخصياً،
ولا ينتقص من إنجازاته أو من مكانته الوطنية. لكن احترام الأشخاص لا يعني تعطيل
النقد، ولا يعني أن يصبح العمر موضوعاً محرماً عندما يتعلق الأمر بمنصب قيادي في
مؤسسة يفترض أن تخطط للمستقبل وتواكب تحولات تمتد لعقود مقبلة.
في سن السابعة
والثمانين، يصبح العمر عاملاً مشروعاً في تقييم القدرة على تولي موقع قيادي جديد،
خصوصاً عندما يكون الموقع مرتبطاً بمؤسسة أكاديمية يفترض أن تخطط لعام 2035 و2040
وما بعدهما. هذه ليست إساءة لكبير في السن، بل حقيقة مرتبطة بطبيعة المسؤولية
نفسها. فالجامعة لا تحتاج فقط إلى شخص يمتلك ذاكرة الدولة، وإنما إلى من يمتلك
الطاقة والرؤية والاتصال المباشر بالتحولات التي ستعيد تشكيل التعليم والبحث
العلمي خلال السنوات القادمة.
الجامعة الأردنية ليست
موقعاً تكريمياً لكبار المسؤولين السابقين، ولا محطة إضافية في المسار السياسي
لشخصية خدمت الدولة لعقود. إنها مؤسسة أكاديمية كبرى تحتاج إلى قيادة تفكر في
الذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي، والبحث العلمي، والتصنيفات الدولية، والشراكات
العالمية، واقتصاد المعرفة، وقدرة الجامعة على المنافسة في عالم يتغير بسرعة غير
مسبوقة.
ولا ينبغي أن نتعامل مع
العمر وكأنه لا علاقة له بالكفاءة على الإطلاق. نعم، العمر وحده لا يحسم الكفاءة،
لكن العمر يصبح مهماً عندما يقترن بطبيعة المهمة، ومدتها، ومتطلباتها، وقدرة
صاحبها على مواصلة العمل بكفاءة وطاقة ورؤية مستقبلية. ومن غير المنطقي أن نتحدث عن
تجديد المؤسسات وإفساح المجال أمام الأجيال الجديدة، ثم نتصرف وكأن الوصول إلى 87
عاماً لا ينبغي أن يكون له أي وزن عند اختيار قيادة جديدة لمؤسسة بهذا الحجم.
المشكلة أيضاً أن
الخبرة السياسية والحكومية لا تعني تلقائياً امتلاك الخبرة المطلوبة لإدارة مؤسسة
أكاديمية في القرن الحادي والعشرين. إدارة حكومة في مرحلة سابقة من تاريخ الأردن
شيء، وفهم التحولات التي تواجه الجامعات اليوم شيء آخر. الجامعة تحتاج إلى معرفة
حديثة بالبحث العلمي والتعليم الرقمي والابتكار والتكنولوجيا والاستثمار في
المعرفة، وليس فقط إلى سجل طويل في العمل العام.
والأردن ليس عاجزاً عن
تقديم بدائل. لدينا أكاديميون وباحثون وخبراء في التكنولوجيا والاقتصاد والإدارة
والتعليم العالي، بينهم من يمتلك خبرات حديثة ودولية تؤهلهم لتحمل هذه المسؤولية.
لذلك يصبح اختيار شخصية سياسية في السابعة والثمانين بحاجة إلى تبرير أقوى من
عبارة "خبرة وطنية"، لأن السؤال هنا ليس إن كان الرجل صاحب خبرة، بل إن
كانت خبرته وعمره ورؤيته يجتمعون ليجعلوه الخيار الأفضل لهذه المهمة تحديداً.
ثم إن لهذا النوع من
التعيينات أثراً يتجاوز الشخص نفسه. عندما يرى جيل الشباب أن مواقع القيادة الكبرى
تعود إلى شخصيات تجاوزت أعمارها عقود العمل التقليدية، بينما يُطلب من الشباب
الانتظار حتى يأتي دورهم، فإن الرسالة التي تصل إليهم لا تنسجم كثيراً مع الحديث
عن تمكين الشباب وتجديد الإدارة.
تجديد النخب لا يعني
إقصاء أصحاب الخبرة بسبب أعمارهم، لكنه يعني أيضاً الاعتراف بأن لكل مرحلة
احتياجاتها، وأن المؤسسات لا يمكن أن تبقى أسيرة الأسماء التي كانت في مقدمة
المشهد قبل عقود. الخبرة يجب أن تُستثمر، نعم، لكن ليس بالضرورة عبر إبقاء أصحابها
في المواقع القيادية إلى ما لا نهاية.
وتكريم رموز الدولة
السابقة أمر مشروع، ويمكن أن يتم بطرق كثيرة تليق بتاريخهم ومكانتهم. لكن مجلس
أمناء الجامعة الأردنية ليس جائزة تقديرية، والمنصب ليس شهادة وفاء لمسيرة سياسية
طويلة. إنه مسؤولية تحتاج إلى شخص قادر على مواكبة المرحلة المقبلة، لا مجرد
مكافأة رمزية على ما قدمه في المراحل السابقة.
لهذا فإن القضية ليست
قضية عمر فقط، وليست قضية اسم فقط، وليست قضية خبرة فقط. القضية هي اجتماع هذه
العناصر كلها في قرار واحد، ثم تقديم القرار للرأي العام وكأنه أمر طبيعي لا يحتاج
إلى تفسير. عندما يكون الاختيار لشخص في السابعة والثمانين لمنصب قيادي في مؤسسة
يفترض أن تقود المستقبل، فإن العمر يصبح جزءاً من النقاش، كما تصبح حداثة الخبرة
والرؤية والقدرة على مواكبة المرحلة جزءاً من النقاش.
الجامعة الأردنية ليست
متحفاً للقيادات السابقة، وليست محطة أخيرة في مسيرة المسؤولين الذين خدموا
الدولة. هي مؤسسة يفترض أن تكون في مقدمة حركة الأردن نحو المستقبل. وإذا كانت
الدولة جادة في تجديد الإدارة وتمكين الأجيال الجديدة، فعليها أن تثبت ذلك في
اختياراتها، لا في شعاراتها.
احترام الماضي لا يعني
أن نسلم له مفاتيح المستقبل. وتقدير الخبرة لا يعني أن نغض الطرف عن العمر أو عن
ملاءمة الشخص للمرحلة. والوفاء لرجالات الدولة لا ينبغي أن يكون على حساب حق
المؤسسات في أن تختار من هو الأقدر والأكثر استعداداً للمستقبل.
الجامعة الأردنية تستحق
قيادة تنظر إلى الأمام، وتملك أدوات المرحلة المقبلة، وتترك مساحة حقيقية للأجيال
الجديدة. أما إعادة استدعاء شخصيات سياسية من جيل مضى إلى مواقع يفترض أن تقود
مؤسسات المستقبل، فهي ليست تجديداً للنخب، مهما حاولنا تغليفها بعبارات الخبرة
والوفاء والتقدير.
فهل نستطيع ان نقول له
مبروك معاليك منها للاعلى ؟!!

























