شريط الأخبار
بتوجيهات ملكية .. العيسوي يطمئن على صحة مصابي حادث نويبع ايران تصعد: سنعلن عن منطقة محظورة خارج مضيق هرمز مسؤول قطري: حرب إيران أظهرت أن التحالف الاستراتيجي مع أمريكا غير كاف ذوقان عبيدات: بأي أمّية يحتفلون؟ مقتل جندي اسرائيلي مصاب "بصدمة حرب" برصاص الشرطة بعد أن اطلق عليهم النار التعداد السكاني في عصر الحكومة الرقمية: لماذا نطرق كل الأبواب؟ القدس في فكر الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد إيران تحذر كوريا الجنوبية من الانضمام لعمليات هرمز هل يمكن أن نكون نحن من يكشف للعدو ما عجز عن الوصول إليه؟ وفيات الإثنين 7-9-2026 إطلاق 6 خدمات إلكترونية لتنمية أموال الأوقاف و12 خدمة جديدة قريبا الصفدي يشارك باجتماع جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري حين تتقدم المصالح على مشروع التحرر "معاريف": شيء كبير يُطبخ حول إسرائيل بنك الاتحاد يقدّم رعايته لأربعة أيام مفتوحة مجانية ضمن مبادرة "متحفنا للكل" وفاة طفل غرقا بقناة الملك عبد الله الملكية لشؤون القدس: الأعياد اليهودية تتحول إلى موسم للتضييق والتهويد 112 قضية والقبض على 193 بقضايا تجارة وترويج وتعاطي الكريستال جنوب سوريا والأردن: هل يجري إعداد الجغرافيا لما بعد التهجير؟ تدحرج التطبيع مع الكيان يقوده الشيباني: تحركات مقلقة تتسبب بـ"انسلاخ" سوريا عن عمقها القومي

حين تتقدم المصالح على مشروع التحرر

حين تتقدم المصالح على مشروع التحرر


كتب: جودت مناع

 

يُعد السلوك الاجتماعي أحد أهم العوامل التي تسهم في بناء حركات التحرر الوطني وتعزيز قدرتها على الصمود والاستمرار. فوفقاً لعلم الاجتماع السياسي، لا تقوم المشاريع الوطنية على الشعارات وحدها، بل على منظومة من القيم والسلوكيات التي تعزز التضامن الاجتماعي وتحافظ على الذاكرة الجماعية وتوجّه الأفراد نحو أهداف مشتركة. غير أن المجتمع الفلسطيني شهد خلال العقدين الأخيرين تحولات عميقة أصابت هذا السلوك الوطني وأثرت في بنيته ووظيفته، الأمر الذي يفرض مراجعة نقدية لمسار العمل الوطني ومآلاته.

 

لقد تعرضت العلاقات الوطنية والتنظيمية إلى حالة من الاضطراب المستمر، ليس داخل تنظيم بعينه، بل كظاهرة عامة امتدت إلى مجمل الحياة السياسية الفلسطينية. وتجلت هذه الأزمة في محاولات تهميش رموز النضال الفلسطيني أو إقصائهم من الوعي الجمعي، سواء من استشهدوا دفاعاً عن الوطن أو من يقبعون في سجون المستعمرة الإسرائيلية. ويشكل هذا السلوك مساساً مباشراً بالذاكرة الوطنية التي تعد، وفقاً لعالم الاجتماع الفرنسي موريس هالبفاكس، الركيزة الأساسية لاستمرار هوية الجماعات والشعوب.

 

كما أن تعميق الخلافات التنظيمية وإبقاء حالة الانقسام قائمة يضعف مناعة المجتمع الفلسطيني ويمنح الاحتلال أفضلية سياسية واستراتيجية. فالتنافس الطبيعي بين القوى السياسية يتحول إلى خطر عندما يصبح بديلاً عن التوافق على الثوابت الوطنية، وعندما تُستنزف الطاقات في الصراعات الداخلية بدلاً من توجيهها نحو مواجهة المشروع الاستعماري.

 

وفي الوقت الذي يواجه فيه الشعب الفلسطيني حرباً مفتوحة على وجوده وأرضه وحقوقه، انشغلت قطاعات من النخبة السياسية بقضايا السلطة والمواقع التنظيمية والانتخابات الداخلية والظهور بهيبة المنتصر. وهنا تتجلى مفارقة مؤلمة؛ إذ يجري التنافس على مواقع فقدت جزءاً كبيراً من قدرتها الفعلية تحت وطأة الاحتلال، بينما تتعرض مقومات الوجود الفلسطيني للتآكل اليومي في الأرض والإنسان والمؤسسات.

 

ومن منظور سوسيولوجي، فإن أي قيادة تفقد صلتها بالأولويات الحقيقية للمجتمع تدخل في حالة من الانفصال عن واقعها الاجتماعي، فتتحول أهدافها من خدمة المشروع الوطني إلى المحافظة على البنية التي تضمن استمرار نفوذها. وعندما يصبح الحفاظ على المواقع والمكتسبات بديلاً عن حماية المشروع الوطني، تتراجع الشرعية المعنوية مهما استمرت الشرعية التنظيمية أو الإجرائية.

 

إن تضييق دائرة المشاركة في صناعة القرار الوطني وحصر العمل الكفاحي في أطر محدودة يفضي إلى نتيجتين خطيرتين: الأولى، اتساع الفجوة بين القيادة والقاعدة الشعبية؛ والثانية، تآكل الثقة بالمؤسسات الوطنية وقدرتها على تمثيل تطلعات الشعب. وفي الحالتين تتعرض القضية الفلسطينية لخسارة استراتيجية لا تقل خطورة عن الخسائر الميدانية.

 

إن الحاجة اليوم ليست إلى مزيد من الخطابات أو الشعارات أو المظاهر الخادعة، بل إلى مراجعة وطنية شاملة تعيد الاعتبار للإنسان الفلسطيني وللذاكرة الوطنية ولأولوية مقاومة الاحتلال. فالمشروع الوطني لا يُصان بالمناصب ولا بالمحاصصات، وإنما بقدرته على توحيد المجتمع حول أهدافه الكبرى. وكما قال الأفوه الأودي: «لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم، ولا سراة إذا جهالهم سادوا». وهي حكمة تختصر حقيقة أن قوة أي مشروع وطني تبدأ من حسن قيادته وعدالة بوصلته وارتباطه بمصالح شعبه لا بمصالح القائمين عليه.

 

"جودت مناع كاتب صحفي فلسطيني، أستاذ الصحافة ومدرب الإعلام في عدد من الجامعات، تخرج من المعهد الدولي للصحافة في برلين وجامعة ليدز في بريطانيا. عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين والاتحاد الدولي للصحفيين. وعضو في اتحاد الصحفيين البريطانيين. ورابطة الكتاب الأردنيين. عمل أيضاً بي بي سي - لندن، وام بي سي - لندن، ووكالة الصحافة الفرنسية.