المسؤول .. بذيء القول
عوض ضيف الله الملاحمة
ما بال بعض المسؤولين
في الأردن الحبيب ، ماذا حلّ بهم ، وقد اصبحوا ترندات سيئة ، يحترفون
بذيء القول !؟ بمعدل إسبوعي ، يخرج علينا على الأقل مسؤول واحد ، إن لم يكن أكثر ،
يخرج علينا بتصريح — بعيداً عن التلميح — يتطاول فيه على الشعب الذي هو
السبب غير المباشر في وصوله للموقع المتقدم الذي يشغله ، ويتعامل مع الشعب بتعالٍ
، وغطرسةٍ ، وتجبر ، بل وبإستهزاء ، وإستخفاف أحياناً .
لتعلموا ان تبجحكم
بسطوة القانون ، خطأ ، بل جهل معيب . لأن القانون الذي يعتبره البعض منكم سيفاً
مسلطاً على رقاب الشعب ، (( يفترض )) ان الشعب هو الذي أقرّه بواسطة مجلس نوابه
لضبط شؤون الوطن ، لأن الشعب مصدر السلطات ، وعليه فالشعب مصدر القانون الذي
تعتبرونه مصدر قوتكم وتعاليكم.
عند تناول هذا الموضوع
، لا بد من التطرق الى ثلاثة محاور هي : المحور الأول :— نظرة المسؤول لنفسه
. والمحور الثاني :— نظرة المسؤول للمتلقي ( الشعب ) . والمحور الثالث : — نظرة
الشعب لهكذا مسؤولين.
من المؤكد ان نظرة
المسؤول لنفسه ولشخصه ، وأسلوب حياته ، ومستوى قيمه وأخلاقه ، وإختيار الفاظه ،
تعكس شخصيته ، ومستوى تفكيره ، والأهم سبر أغوار قيمه ، اذا كانت (( رفيعة او
وضيعة )) . فإذا كان المسؤول راقٍ في سلوكه والفاظة وتعاملاته التفصيلية اليومية ،
فلا يتلفظ الا بالطيب من القول . أما إذا كان المسؤول من الذين تعودوا على إستخدام
بذيء القول ، ويستخدمها باستمرار ، وأصبحت سِمة من سمات شخصيته السيئة ، فلا غرابة
في ان تسير الكلمات والألفاظ البذيئة على لسانه بانسيابية دون تردد او تفكير نتيجة
التعود عليها . وهنا ينطبق عليه المثل القائل : (( كل إناءٍ بما فيه ينضح )) . وهذا
يعني : ان الإنسان يُظهِر دائماً ما يختزنه في داخله من أخلاق ، وأفكار ، وطِباع ،
وقيم ، والفاظ ، وتعامل من خلال أقواله وأفعاله . (( ومثل هكذا شخص سيء يفترض ان
لا يرتقِي مناصب عليا ، ولا ُيشغل مواقع متقدمة لأنه ليس أهلاً لها )) .
((والمؤكد ان الشعب يحتقر ، ويزدري ، وينبذ هكذا
نماذج وضيعة من المسؤولين ))
.
كيفية تعامل الإنسان مع
الآخرين ، هو إنعكاس لداخله . فما يخفيه الإنسان في نفسه ، يظهر على لسانه
وتصرفاته ، مهما حاول إخفاء ذلك ، او الظهور بغير الواقع . فإذا امتلأ قلب المرء خيراً
، وتسامحاً ، ولطفاً ظهر ذلك جلياً على الفاظه وتعاملاته مع الآخرين . وإذا امتلأ
حقداً وسفاهة ، وسوءاً ظهر ذلك في الفاظه وتعاملاته مع الآخرين بوضوح .
هناك فرق واضح ،
وإنحدار بيِّن بين المسؤولين بالإمس وبعض المسؤولين اليوم . بالأمس — اي قبل نحو
عقدين من الزمن — كان المسؤول الأردني يتصف بأرقى وأنبل الصفات . حيث كان المسؤول
لطيفاً ، مهذباً ، كيِّساً ، لبقاً ، حصيفاً ، بالتعبير الشعبي (( كان مالي مركزه
)) ، اي ان (( المركز يكبر به )) ، فتراه شخصاً عزيزاً ، راقياً ، محترماً ، ينبذ
بذيء القول ، ويترفع عن الترهات . كان يتسامى ، ويبتعد بنفسه عن توافه الأمور من
أقوال وأفعال . كان المسؤول يتميز برجاحة العقل ، والإتزان ، ويحترم الآخر ،
ويعتبر نفسه انه خادماً للمواطن ، ولا يهرِف بما لا يعرِف . بينما نجد البعض
من المسؤولين اليوم ، (( الذين يكبرون بالمركز )) ، يفهمون السلطة والصلاحيات التي
يخولهم بها الموقع الذي يشغلونه على انها سُلطة ، وسيطرة ، وانها سيف على رقاب
الآخرين.
سئمنا هذا النموذج
الغريب الرديء للمسؤول الأردني الذي يتطاول على الشعب ، ويهينه ، ويتعدى على كرامة
شعب بأكمله . فمنهم من نعت الشعب الأردني بالحمير ، ومنهم من أطلّ علينا
ليعرِّف الشعب بآليات إجراءات ستتخذ ، خرج علينا وكأنه قائد يعنِّف جنوده لإخفاقهم
في حرب خاضوها وخسروها . خرج علينا وهو يرعد ، ويزبد ، ويهدد ، ويتوعد ، دون أي
إحترام لشعبٍ بأكمله . وتوعد بفرض إجراءات عقابية وغرامات مالية على من لا يخضع
ويخنع لإجراءاته . وتعجّب الأردنيون كيف يخاطبهم بهذه العنجهية ، والتهديد ،
والوعيد ، ودخول بيوتهم دون إستئذان ، وتحميلهم غرامات مالية . فاشتعلت وسائل
التواصل الإجتماعي ضده ، متسائلين عما إستند اليه في تهديداته وإجراءاته تلك
؟وفوجئنا بإعتذاره في اليوم التالي . ماذا إستفدنا من الإعتذار بعد تطاولك على
شعبٍ بأكمله ، والنيل من كرامته ، وتحقيره .
موظف القطاع العام يجب
ان يتحلى بصفات وقيم ضرورية ليؤدي مهام وظيفته على أكمل وجه . ومن هذه الصفات على
سبيل المثال لا الحصر :— الأمانة ، النزاهة ، الإلتزام بالقوانين ، عدم تجاوز
الصلاحيات الممنوحة له ، و(( إحترام المواطنين )) . وهنا أتساءل : كيف يجرؤ موظف على
تعنيف ، وتهديد ، وتحقير شعبٍ يفترض انه من هذا الشعب واليه !؟
سبق ان خرج علينا أحد
المسؤولين ، وقال بالحرف الواحد : (( ستكون هناك رؤوس تُدحرج .. سنتعامل بكل شدّة
)) . وتساءلت : هل تعود جذور جيناته الى الحجاج بن يوسف الثقفي ؟ (( هَدّي يا بنيي
)) ، انت لا تعرف الأردني إذا مُسَّت كرامته .
كما سبق لأحد
الوزراء ان وجه كلامه للشعب الأردني ، وقال : (( اللي مش عاجبه يهاجر )) ،
وذلك بمناسبة إحتجاج الناس على رفع أسعار المحروقات .
والأفظع مما سبق ، ان
هناك فئة من كبار المسؤولين ، يُعتبرون أخطر من النوع الذي تطرقنا اليه اعلاه ،
حيث يستخفون بالشعب الأردني إستخفافاً مؤسفاً ، عندما (( ينفون المؤكد )) ،
((ويلوون عنق الحقيقة الفاقعة )) ، وهم يحترفون الكذب البواح . لا أدري كيف
يحترمون أنفسهم ، وهم يستخفون بأنفسهم قبل إستخفافهم بالناس ؟ وهم يعلمون ان الناس
يسبقوهم بالمعرفة ولديهم كل التفاصيل .
لا أدري ، لماذا يتجرأ
المسؤول الأردني على الشعب الأردني !؟ أعتقد انها ظاهرة ، نعم ظاهرة تستوجب
الدراسة.
بينما حدث في اليابان
ان قدمت شركة القطارات إعتذاراً للشعب الياباني لأن القطار إنطلق ( قبل ) موعده ب
( ٢٠ ) ثانية ، رغم ان أحداً لم يشتكِ.
للنموذجين الرديئين
اللذين لم يعهدهما الشعب الأردني العظيم أقول : أنتم بدون الشعب لا قيمة لكم ، فلا
تستسهلوا الإساءة اليه ، و التنمر عليه .
عند إنتقاء المسؤول يجب
ان تتوافر فيه بعض الصفات الضرورية ، كأن يتحلى بالكياسة ، واللباقة ، والحصافة ،
والفهم الصحيح لحدود مسؤولياته ، والأهم ان لا يغيب عن باله انه خادم للشعب .
من المؤكد ان هناك تردٍ
واضح في مستوى موظفي القطاع العام . وسوء الإختيار هذا ينعكس على المواطنين
تحقيراً ، وتهديداً ، وتجرؤاً ، وإهانة.
وأختم وأقول للنموذجين
السيئين من موظفي القطاع العام : — ان كُل إناءٍ بما فيه ينضح . كُن كيِّساً ،
حصيفاً ، لبقاً ، لطيفاً كما الذين سبقوك من مسؤولي الأمس . كما على موظف القطاع
العام ان يعلم ان نفي المؤكد غباءاً وسطحية وسذاجة . (( نفي المؤكد يَهدِم ولا
يَخدِم ))

























