من جدران الكهوف إلى أقفاص المناهج: أين ضاع الإنسان؟
كتبت شيرين قسوس
ما الذي يبقى من الإنسان حين نعلّمه كيف يحفظ كل شيء،
وننسى أن نعلّمه كيف يفكر؟ حين نملأ رأسه بالمعلومات، ونترك روحه جائعة؟ حين
نطالبه بأن يجيب عن الأسئلة كلها، دون أن نمنحه شجاعة طرح سؤال واحد خارج حدود
المألوف؟
ربما لا يكون أخطر ما تفعله بعض أنظمة التعليم أنها
تُقصي الفن والموسيقى والفلسفة، بل أنها تقنع الإنسان، منذ طفولته، بأن هذه
الأشياء ترفٌ يمكن الاستغناء عنه. وكأن الرسم لا يطعم خبزًا، والموسيقى لا تبني
مستقبلًا، والفلسفة لا تُنتج وظيفة. وكأن قيمة الإنسان تُقاس بما يحفظه، لا بما
يفهمه، وبقدرته على تكرار الإجابة، لا بجرأته على مساءلة السؤال. لكن أي مستقبل
نبنيه حين نُخرج من المدرسة عقولًا تعرف كيف تنجح في الامتحان، ولا تعرف بالضرورة
كيف تواجه الحياة؟
قبل أن يكتب الإنسان أول كتاب، كان يرسم على جدران
الكهوف. وقبل أن يصوغ أفكاره في نظريات، كان ينقر الحجر ويصنع الإيقاع ويبحث عن
طريقة ليترك أثرًا يتجاوز لحظته العابرة. لم يكن الفن وليد فائض من الرفاهية، بل
كان واحدًا من أعمق تعبيرات الإنسان عن وجوده. كان يحاول أن يفهم ما يخيفه، وأن
يحتفظ بما يراه، وأن يمنح المجهول صورة، وأن يقول للعالم: أنا هنا، وأنا أرى، وأنا
أشعر. الفن لم يبدأ عندما انتهت حاجات الإنسان، بل نشأ في قلب حاجته إلى المعنى.
فالإنسان لا يكتفي بأن يبقى حيًا؛ إنه يريد أن يعرف
لماذا يعيش. يريد أن يفهم حزنه، وأن يمنح فرحه شكلًا، وأن يترك وراءه شيئًا يقول
إن وجوده لم يكن مجرد مرور صامت في هذا العالم. من هنا تأتي قوة الفن. إنه ليس
جدارًا نعلّق عليه اللوحات، ولا خلفية نملأ بها أوقات الفراغ، ولا نغمًا نضعه في
آخر قائمة الأولويات. إنه طريقة الإنسان في مواجهة ما تعجز اللغة أحيانًا عن
احتوائه. لوحة واحدة قد تفضح ظلمًا لا تستطيع مئات الخطب أن تصفه، ومقطوعة موسيقية
قد تفتح في الذاكرة بابًا أغلقناه منذ سنوات، ولحن قد يجعل الإنسان يشعر بأنه مفهوم،
ولو لم ينطق بكلمة.
الموسيقى لا تكتفي بملء الصمت؛ إنها تعيد تشكيل علاقتنا
به. إنها تُعلّمنا أن الإيقاع ليس تكرارًا آليًا، وأن الانسجام لا يعني التطابق،
وأن الاختلاف بين الأصوات قد يصنع جمالًا لا يستطيع الصوت المنفرد بلوغه. وفي عالم
يزداد ضجيجًا، تصبح القدرة على الإصغاء فعلًا إنسانيًا بالغ الأهمية. أن تسمع
نغمة، وأن تتوقف أمام إحساس، وأن تمنح مشاعر الآخرين فرصة للوصول إليك، كل ذلك
يوسع حدود الإنسان من الداخل. الموسيقى لا تجعلنا أكثر معرفة بالعالم بالضرورة،
لكنها قد تجعلنا أكثر حساسية تجاهه، وأكثر انتباهًا لما يجري فينا وحولنا.
أما الرسم، فهو ليس مجرد يد تحرك قلمًا فوق ورقة؛ إنه
عين تتعلم أن ترى. والفرق هائل بين أن تنظر إلى شيء وأن تراه حقًا. حين يرسم الطفل
شجرة، فهو لا يتعلم شكلها فحسب، بل يكتشف أنه يستطيع أن يختار كيف يقدمها، وما
الذي يلفت انتباهه فيها، وما الذي يريد أن يقوله من خلالها. وحين يرسم الإنسان
وجهًا حزينًا، فإنه لا ينقل ملامح فحسب، بل يقترب من سؤال أعمق: كيف يبدو الألم؟
وهل يمكن للون أن يقول ما لا تستطيع الكلمات قوله؟ الرسم يمنح الأشياء فرصة لأن
تُرى من جديد، ويمنح الإنسان فرصة لأن يكتشف أن رؤيته ليست نسخة مفروضة عليه من
العالم.
وهنا تحديدًا تلتقي الفلسفة بالفن، لا بوصفهما مجالين
متجاورين، بل بوصفهما تعبيرين عن حاجة واحدة: ألا يكتفي الإنسان بما يظهر أمامه.
الفلسفة تسأل عن الحقيقة والجمال والحرية والوجود، والفن يضعنا داخل هذه الأسئلة
دون أن يشترط أن يمنحنا إجابة نهائية. الفيلسوف قد يسأل: ما الجمال؟ والفنان قد
يخلق عملًا يجبرنا على إعادة النظر في كل ما اعتقدناه جميلًا. الفلسفة تفكك
المسلّمات، والفن يهزّها من الداخل. الفلسفة تطالب العقل بأن يستيقظ، والفن قد
يوقظ في الإنسان إحساسًا ظل نائمًا تحت ركام العادة.
ولنكن دقيقين: لم تنشأ الفنون كلها بوصفها نتيجة مباشرة
لفلسفة مكتوبة أو مدرسة فكرية محددة. فالفن أقدم من كثير من التقاليد الفلسفية
المعروفة، ونشأ من تداخل الخيال والطقوس والحاجة إلى التواصل والتعبير والتجربة.
لكن الفلسفة، إذا فهمناها بوصفها دهشة الإنسان ومحاولته الأولى لفهم وجوده، كانت
حاضرة في صميم هذه المسيرة. فمن يرسم حيوانًا على جدار كهف لا يترك أثرًا بصريًا
وحسب؛ إنه يتعامل مع الذاكرة والخوف والرغبة والواقع. ومن يختار شكلًا ولونًا
وإيقاعًا، فإنه يتخذ، بوعي أو بغير وعي، موقفًا من العالم. لهذا لا يمكن اختزال
الفن في مهارة تقنية؛ فخلف كل اختيار فني سؤال، وخلف كل تحول كبير في تاريخ الفن
رؤية تتغير للإنسان والوجود.
لقد تغيّر الرسم لأن الإنسان تغيّر. وحين تبدلت الأسئلة
التي يطرحها عن نفسه، تبدلت الطريقة التي ينظر بها إلى الجسد والطبيعة والمدينة
والسلطة والحقيقة. لم تعد اللوحة مجرد محاولة لنسخ الواقع، بل أصبحت أحيانًا
اعتراضًا عليه، أو تفكيكًا له، أو بحثًا عن حقيقة لا تظهر على سطح الأشياء. الفن
لا يعكس العالم دائمًا؛ أحيانًا يجبرنا على اكتشاف أننا كنا ننظر إليه بعين
مستعارة.
وهنا تكمن خطورة الفن الحقيقية: أنه لا يترك الإنسان
آمنًا داخل قوالبه. إنه يضع أمامه ما قد يفضّل ألا يراه، ويمنحه أحيانًا لغة
للاعتراض، ومساحة للخيال، وحقًا في أن يسأل: لماذا؟ ولماذا يجب أن تبقى الأشياء
كما هي؟ الفن الذي يستحق أن يُصغى إليه ليس بالضرورة الفن الذي يريحنا، بل قد يكون
ذلك الذي يزعج يقيننا، ويجعلنا نعيد التفكير في أنفسنا وفي الطريقة التي نعامل بها
الآخرين. وليس كل عمل فني ثوريًا أو ناقدًا، لكن قدرة الفن على فتح الاحتمالات
تجعل منه قوة ثقافية لا ينبغي التعامل معها باستخفاف.
أما الفلسفة، فليست مادة تُحشر في كتاب مدرسي ثم تُستدعى
في الامتحان لتُنسى بعده. إنها تدريب على مقاومة الكسل العقلي. أن تسأل عن السبب
بدل أن تكتفي بالنتيجة، وأن تميز بين الحقيقة والرأي، وأن تفهم أن اختلاف الإنسان
معك لا يجعله عدوًا، وأن تدرك أن الإجابة الجاهزة قد تكون أحيانًا بداية المشكلة
لا نهايتها. الطفل الذي يتعلم التفكير لا يصبح بالضرورة متمردًا على كل شيء، لكنه
يصبح أكثر قدرة على التمييز بين ما يؤمن به لأنه فهمه، وما يردده لأنه خاف أن يسأل
عنه.
فأي تعليم نريد؟ تعليمًا يصنع طالبًا بارعًا في تذكر ما
قيل له، أم تعليمًا يمنحه القدرة على اكتشاف ما لم يُقل له بعد؟ هل نريد أطفالًا
يخافون من الخطأ إلى درجة أنهم يتوقفون عن التجربة، أم أطفالًا يعرفون أن الإبداع
لا يولد من الإجابات المضمونة، بل من المحاولة والاكتشاف والفشل أيضًا؟ إن المدرسة
التي لا تترك للفن والفلسفة مكانًا حقيقيًا قد تنجح في نقل المعرفة، لكنها تخاطر
بإهمال جوانب أساسية من تكوين الإنسان. فالتعليم ليس تدريبًا على اجتياز الامتحان
فقط، بل إعداد لعقل سيواجه أسئلة لا توجد في أي ورقة اختبار، وقلب سيحتاج إلى فهم
الألم، وضمير سيُطلب منه يومًا أن يختار بين السهولة والصواب.
ولا يعني ذلك أن الفن والموسيقى والفلسفة بدائل عن
العلوم والرياضيات واللغات، أو أن التفكير الإبداعي وحده يكفي لبناء المجتمعات.
الإنسان يحتاج إلى المعرفة العلمية، والمهارات العملية، والقدرة على العمل
والإنتاج. لكنه يحتاج كذلك إلى الخيال الذي يفتح إمكانات جديدة، وإلى الحس الجمالي
الذي يثري علاقته بالعالم، وإلى التفكير النقدي الذي يحميه من التلقين والتعصب.
التعليم المتوازن لا يضع العقل في مواجهة الروح، بل يفهم أن كليهما جزء من الإنسان
الذي نريد أن نبنيه.
وفي الأردن، حيث نتحدث عن الإصلاح التعليمي وصناعة
المستقبل، لا بد أن نسأل أنفسنا بصدق: ماذا نريد من مدارسنا أن تمنح أبناءنا؟ هل
نريد جيلًا يحفظ ما يكفي ليجتاز الاختبار، أم جيلًا يستطيع أن يفهم مجتمعه، ويناقش
أفكاره، ويتخيل حلولًا لمشكلاته، ويؤمن بأن صوته وفكرته يستحقان الإصغاء؟ هل نريد
أن يكون الفن حصة يمكن إلغاؤها عند ازدحام الجدول، والموسيقى نشاطًا ثانويًا،
والفلسفة ترفًا مؤجلًا إلى الجامعة؟ أم نريد أن نبدأ من الطفولة في بناء علاقة
مختلفة مع المعرفة، علاقة لا تقوم على الخوف من السؤال، بل على الشغف به؟
ماذا لو تعلّم الطفل الأردني منذ سنواته الأولى أن يسأل
عن معنى العدل، وأن يرسم مدينته كما يحلم بها، وأن يستمع إلى الموسيقى بوصفها
تجربة إنسانية، وأن يناقش فكرة دون أن يُعاقب لمجرد أنه لم يكرر ما قيل له؟ ماذا
لو أصبح الصف مساحة للتفكير، لا مكانًا تُقاس فيه قيمة الطالب بقدرته على الحفظ
وحده؟ كيف سيكبر أبناؤنا حين نمنحهم حق السؤال، وحرية الخيال، وشجاعة التعبير؟
ماذا لو دخلت الفلسفة مناهجنا منذ المراحل المبكرة، وجلس
الفن والموسيقى إلى جانب العلوم والرياضيات؟ كيف سيكبر أبناؤنا: مفكرين يكتبون
أسئلتهم بأيديهم، أم باصمين ينتظرون من يكتب لهم الإجابات؟

























