خطاب الملك في الأمم المتحدة.. عندما يتحول الانتباه إلى رسالة سياسية
بقلم: د. عبدالرحمن
الهندي
لم يكن خطاب جلالة
الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية
والثمانين خطاباً تقليدياً يعيد سرد المواقف الأردنية المعروفة، بل بدا أقرب إلى
رسالة سياسية متكاملة، أراد من خلالها وضع المجتمع الدولي أمام أسئلة لم يعد من
الممكن تأجيلها.
اللافت أن جلالة الملك
بدأ من فكرة تبدو بعيدة عن السياسة: الانتباه.
تحدث عن تراجع مدة
انتباه الإنسان أمام الشاشات، لكنه سرعان ما نقل الفكرة إلى المجال السياسي، ليطرح
سؤالاً أعمق: ماذا يحدث عندما يصبح العالم معتاداً على الأزمات إلى درجة يفقد معها
القدرة على الانتباه إليها؟
هنا تبدأ أهمية الخطاب.
فالملك أراد القول إن
المشكلة لم تعد فقط في وقوع الحروب والأزمات، وإنما في أن العالم أصبح ينتقل من
أزمة إلى أخرى، حتى تتحول المأساة السابقة إلى خبر قديم قبل أن تنتهي.
وهذا ما ينطبق بصورة
واضحة على القضية الفلسطينية.
فالخطاب لم يتعامل مع
ما يحدث في غزة والضفة الغربية كأحداث منفصلة، وإنما ربط بين التدمير في غزة،
والاستيطان ومصادرة الأراضي والتهجير في الضفة الغربية، باعتبارها مسارات تؤثر في
مستقبل الدولة الفلسطينية.
والرسالة هنا واضحة:
إدارة الصراع ليست حلاً للصراع.
لقد مر أكثر من عقدين
منذ طرح مبادرة السلام العربية عام 2002، التي عرضت التطبيع مع إسرائيل مقابل
السلام وإقامة الدولة الفلسطينية. والملك أعاد التذكير بأن المنطقة لم تكن تفتقر
إلى المبادرات والبحث عن السلام، وإنما ظلت المشكلة في غياب القدرة على تحويل هذه
المبادرات إلى واقع سياسي.
ومن أكثر النقاط التي
تستحق التوقف عندها في الخطاب، انتقال الملك من فلسطين إلى سوريا.
فالأردن لا ينظر إلى
التطورات في الجنوب السوري باعتبارها ملفاً سورياً بعيداً عن مصالحه، بل يربطها
مباشرة بالأمن الوطني الأردني، وخصوصاً أمن الحدود والمياه.
وهنا جاءت رسالة شديدة
الوضوح: أي تهديد للحدود الشمالية الأردنية أو للأمن المائي هو تهديد للأمن الوطني
الأردني.
هذه ليست عبارة
دبلوماسية عابرة؛ إنها تحديد واضح لما يعتبره الأردن خطوطاً مرتبطة بأمنه الوطني.
لكن الخطاب لم يكن خطاب
مواجهة فقط.
على العكس، حرص الملك
على التأكيد أن الأردن سيبقى دولة تؤمن بالدبلوماسية والحوار، وتعمل مع الجميع من
أجل السلام، وتقوم بدورها في مواجهة الإرهاب والتهريب والأزمات الإنسانية، وتحافظ
على الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.
وهنا تظهر معادلة مهمة
في السياسة الأردنية:
الدبلوماسية ليست
ضعفاً، والهدوء لا يعني غياب القدرة على حماية المصالح الوطنية.
وهذه الرسالة موجهة في
الوقت نفسه إلى الداخل والخارج.
إلى الداخل: الأردن
يعرف حجم التحديات المحيطة به، لكنه لا يريد أن يتحول إلى جزء من دائرة الصراع.
وإلى الخارج: الأردن
دولة يمكن التعاون معها، لكنه يتوقع في المقابل أن تؤخذ مصالحه وأمنه الوطني على
محمل الجد.
أما الرسالة الأوسع،
فقد كانت موجهة إلى النظام الدولي نفسه.
الملك لم يكتفِ بالسؤال
عن أسباب استمرار الأزمة، وإنما طرح سؤالاً أكثر إحراجاً: إذا كان المجتمع الدولي
يمتلك أدوات الضغط والعقوبات والعزل الدبلوماسي في أزمات أخرى، فلماذا تبقى
القرارات المتعلقة بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي في كثير من الأحيان دون تنفيذ
فعلي؟
وهنا تصبح القضية أكبر
من فلسطين.
إنها قضية الثقة
بالقانون الدولي.
فإذا شعر العالم بأن
القانون يطبق على طرف ولا يطبق على طرف آخر، فإن المشكلة لا تبقى في حدود الصراع
الفلسطيني الإسرائيلي، بل تمتد إلى الثقة بالمؤسسات الدولية نفسها.
ومن هنا أرى أن أقوى ما
في خطاب الملك لم يكن العبارة الأكثر حدة، وإنما الفكرة التي تقف خلف الخطاب كله:
العالم لا يستطيع أن
يظل يتعامل مع الأزمات بمنطق النسيان.
فالظلم الذي لا تتم
معالجته لا يختفي، وإنما ينتقل من جيل إلى آخر، والصراع الذي لا يجد حلاً سيعود
بأشكال أكثر خطورة.
ولهذا جاءت نهاية
الخطاب منسجمة تماماً مع بدايته: الانتباه.
بدأ الملك بالسؤال عما
نختار أن ننتبه إليه، وانتهى برسالة مفادها أن الظلم يحتاج إلى انتباه مستمر، وأن
مستقبل العالم لا يتشكل فقط بما نفعله، وإنما أيضاً بما نختار أن نتجاهله.
وفي تقديري، هذه هي الرسالة
الأعمق في الخطاب.
لم يكن الملك يتحدث فقط
عن غزة، ولا عن الضفة، ولا عن سوريا، ولا حتى عن الأردن وحده.
كان يقول للمجتمع
الدولي:
إذا أردتم الحفاظ على
السلام، فلا تديروا الأزمات إلى ما لا نهاية. وإذا أردتم الحفاظ على القانون
الدولي، فلا تجعلوا تطبيقه انتقائياً. وإذا أردتم حماية المنطقة، فلا تنتظروا حتى
يصبح ما يحدث اليوم واقعاً يصعب تغييره غداً.
إن قوة الخطاب جاءت من
جمع هذه الملفات في إطار واحد: فلسطين، أمن المنطقة، أمن الأردن، القانون الدولي،
ومستقبل النظام العالمي.
ولهذا، فإن قراءة
الخطاب باعتباره مجرد خطاب أردني داعم لفلسطين لا تكفي.
إنه، في جوهره، دعوة
إلى إعادة الاعتبار لفكرة أن السياسة الدولية يجب أن تكون قادرة على الفعل، لا
الاكتفاء بالمراقبة والتعبير عن القلق.

























