شريط الأخبار
تجارة الأردن: سوق الأجهزة الكهربائية يشهد منافسة قوية وتطورات متسارعة الدولار عند أعلى مستوى في شهرين وسط مخاوف التضخم الملك في مواجهة النظام الدولي بيزشكيان من نيويورك: إيران لا تتراجع عن برنامجها النووي أو مضيق هرمز انخفاض أسعار الذهب محليا إلى 86.80 دينارا للغرام ايران انتصرت… وأمريكا انهزمت الخطاب الملكي: "اليقظة الاردنية" في مواجهة "قِصَرِ الانتباه الدولي" المياه: ضبط اعتداءات جنوب عمان.. وحفارة بئر مخالف بالصفاوي ضبط معمل غير مرخص لتصنيع مستحضرات دوائية داخل منزل في عمّان 10 سفن سلع عبرت مضيق هرمز أمس إعلان نتائج القبول الموحد برسائل نصية مساء وإتاحتها عبر سند "الإسلامية المسيحية" تشيد بخطاب الملك: حمل إلى الأمم المتحدة صوت فلسطين ومعاناة شعبها جولة جديدة من المفاوضات الإيرانية الأمريكية تستمر ساعتين عبر قطر محافظ "المركزي": نريد الأردن منصةً لتطوير التكنولوجيا المالية وتصديرها للمنطقة تعديلات واسعة على مشروع قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب".. ونشرها رسميا الكنيست يمنع القائمة العربية من الترشح للانتخابات الاسرائيلية المقبلة الملك يهنئ خادم الحرمين الشريفين باليوم الوطني لبلاده الصفدي باجتماع أممي: على الجميع العمل من أجل مستقبل أطفال فلسطين استراحة المحارب.. الملك وولي العهد بين اجتماعين لماذا ترفض واشنطن دخول عباس؟ وتسمح لـ "بزشكيان"؟

الخطاب الملكي: "اليقظة الاردنية" في مواجهة "قِصَرِ الانتباه الدولي"

الخطاب الملكي: اليقظة الاردنية في مواجهة قِصَرِ الانتباه الدولي


المحامي لؤي عمايرة

 

الـ47 ثانية التي بدأ بها جلالة الملك عبدالله الثاني خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بالاشارة إليها أكثر من مجرد مدخل ذكي إلى خطاب سياسي. الرقم يختصر تحولا أعمق في البيئة الدولية: الانتباه نفسه، وفقا للوصف الملكي، أصبح موردا جيوسياسيا، ومن يملك القدرة على توجيهه واستدامته يملك جزءاً من القدرة على تشكيل جدول الأعمال الدولي. فمدة بقاء قضية ما تحت نظر العالم باتت تؤثر في مقدار الضغط الدبلوماسي الذي يمكن أن يتولد حولها، وفي قدرة المجتمع الدولي على الانتقال من المشاهدة إلى الفعل. الإشارة إلى الـ47 ثانية رسالة تنبيه ملكية اولى حول ما يحدث للقضايا التي تطول أكثر من قدرة العالم على متابعتها: تتغير العناوين بينما تستمر الوقائع في صناعة ما سيأتي.

 

يقرأ جلالة الملك الأزمات مساراتٍ تنتج وقائع جديدة.. غزة ليست حرباً تنتهي بانتهاء التغطية، والضفة الغربية ليست ملفاً موازياً للحرب، وسوريا ليست ساحة إقليمية بعيدة عن الحساب الأردني. ثمة علاقة بين الحرب، والتهجير، والاستيطان، وتغيير الجغرافيا، واختبار حدود القانون الدولي، ثم انتقال هذه الوقائع إلى ساحات أخرى

 

وهنا تحديداً يصبح الزمن عنصراً في السياسة، فالوقائع التي لا تواجه في لحظتها تكتسب مع الوقت قوة الأمر الواقع. وما يبدأ كإجراء مؤقت يمكن أن يتحول إلى ترتيبات سياسية وجغرافية دائمة. لذلك كان السؤال الملكي عن القانون الدولي أعمق من المطالبة بتطبيق قرار هنا أو عقوبة هناك؛ إنه سؤال عن قدرة النظام الدولي على إنتاج الردع. فحين تعرف مسبقاً أن خرق القواعد لن يترتب عليه ثمن، تصبح القاعدة موجودة من الناحية القانونية، لكنها تفقد جزءاً من قدرتها السياسية على ضبط السلوك. وهذه، في جوهرها، أزمة ثقة بالنظام الدولي نفسه.

 

وتتبلور الفكرة الأردنية الأهم في الخطاب: الدبلوماسية ليست سياسة انتظار. فالخطاب إذ يقرأ  "وقائع" الجنوب السوري باعتباره مساحة اختبار للنظام الإقليمي: توغلات صهيونية، وتحركات التوسع الجغرافي، والسعي لفرض وقائع جديدة حول مصادر المياه وكلها مؤشرات على مسار سياسي يتجاوز حدود الجغرافيا السورية ومساحة تماس مباشر مع امننا الوطني، يضع جلالته التعريف الأردني للمسألة حاسماً: أي تهديد للحدود الشمالية أو للأمن المائي هو تهديد للأمن القومي الأردني

 

تعريفٌ يضع الأردن داخل مساحة حركة واسعة: الحوار مع الجميع، العمل من أجل السلام، الانفتاح على الشركاء، والمشاركة في إدارة أزمات المنطقة. لكنه في الوقت نفسه يعرف مسبقا الدوائر التي لا تدخل في نطاق المساومة السياسية: الحدود، المياه، والأمن الوطني. ولهذا تأتي عبارة "الدبلوماسية لا ينبغي أن تُفهم ضعفا" في موقع بالغ الدلالة؛ فهي ترسم حدوداً بين مرونة الوسيلة وثبات المصلحة.

 

ومن هذه الزاوية يمكن قراءة مفهوم "الدولة الراشدة" بوصفه مفتاحا كامنا في الموقف الأردني: الدولة التي لا تنتظر اكتمال الخطر حتى تعرّفه. تقرأ اتجاهات الإقليم، وتراقب تراكم الوقائع، وتفصل بين الأزمة التي تحتاج إدارة مؤقتة والتحول الذي قد يعيد تشكيل البيئة الأمنية لعقود. وهذا تحديداً ما يفعله الخطاب حين يضع الماء إلى جانب الحدود، وحين ينقل الجنوب السوري من خانة "التطور الإقليمي" إلى خانة المصلحة الوطنية المباشرة.

 

خطاب نيويورك أوسع من موقف تجاه الحرب في غزة أو السياسات الصهيونية في الضفة وسوريا. إنه يقدم تصوراً لدور الأردن في إقليم مضطرب: دولة يقظة تتحرك دبلوماسياً داخل الأزمة، لكنها لا تسمح للأزمة بأن تعيد تعريف حدود أمنها أو مصالحها.

 

وفي قلب هذه اليقظة، يبقى الموقف الأردني من القضية الفلسطينية ثابتاً في خطوطه الحاسمة.. واضحاً في رفض أي مسار يفضي إلى اقتلاع شعبنا العربي الفلسطيني من أرضه وفي التمسك بحقوقه المشروعة وقيام دولته المستقلة. ثبات لا يحتمل الالتباس حين يتعلق الأمر بالوطن البديل وبفلسطين والقدس وحق تقرير المصير.

 

ولذلك كانت الـ47 ثانية في بداية الخطاب عتبة لرسالة أخرى في نهايته. العالم مطالب بأن يستعيد قدرته على الانتباه المستدام، والأردن معني بأن يمارس هذا الانتباه على نحو استراتيجي تجاه محيطه. فحين تتراجع عين العالم عن قضية، قد تستمر الوقائع في صناعة المستقبل. وحين تراقب الدولة الوقائع من هذه الزاوية، يصبح التحرك المبكر جزءاً من حماية السيادة.

 

الرسالة الأردنية شديدة الوضوح: مساحة الدبلوماسية واسعة، ومساحة الحركة مفتوحة، لكن الأمن الوطني له حدوده. وما يمس الحدود أو المياه أو المصالح الحيوية للأردن لن يُترك للزمن كي يحوله إلى أمر واقع. فاليقظة الاردنية مبدأ ثابت يدرك "مسؤولية الانتباه" و"مسؤولية الفعل"، وقد قالها جلالته بالخط العريض: "لن يشيح الأردن بنظره؛ سنحمي أمننا، ومياهنا، ومصالح شعبنا".