شريط الأخبار
الاردن يدين استمرار اعتداءات الحوثي على السعودية ضبط محلول عدسات لاصقة مخالف في الاسواق .. وتحذير من استخدامه من الأسرة إلى الجامعة: كيف نصنع مواطناً واعياً وقادراً على المشاركة السياسية؟ البوتاس العربية" تعزز سلاسل توريدها في شمال غرب أوروبا بتوقيع اتفاقية استراتيجية مع "Euroports" البلجيكية زين واتحاد الرياضات الإلكترونية يختتمان النسخة الثانية من بطولة الجامعات السيناريوهات الراهنة أمام آيزنكوت واحتمال كل منها ومخرج "العفو" الأخير الطراونة والعبابنة: ضرورة مراجعة شاملة على المستويات كافة لمحاربة الفكر المتطرف ملتقى الهيئات الثقافية الأردنية ينظم ندوة لمواجهة الإرهاب ويجدد انطلاقته اتفاق "الأطباء" وشركات التأمين على إعادة استقبال المؤمنين وإعادة اعتماد الأطباء السردية السياسية للرئيس دونالد ترمب مكافحة المخدرات: القبض على٢٨ تاجراً ومروجاً وضبط كميات كبيرة من المواد المخدرة تقدير موقف: الحرب على إيران والانتخابات الإسرائيلية بين ضغط النار واحتمالات تفكك التحالفات مؤتمر مسيحي جريء الأردن ... عصي على الإرهاب ...منعة جبهته الداخلية ..اساس ؟ أمن الدولة تستمع لشهود العيان بقضية كنيسة حمود.. والمتهمون خمسة تمرين وطني الثلاثاء للوقوف على اختبار إجراءات السلامة العامة اختيار 9 الاف مكلف جديد لخدمة العلم عبر القرعة الرسمية.. وإعادة تفعيل المنصة للاستعلام عن المكلفين الأشغال: إغلاق تحويلة جسر الرامة مع كل حالة جوية .. و23 بلاغا في يومين الفلك يحدد أول أيام رمضان .. و3 ظواهر تحسم الجدل مبكراً التربية تعلن برنامج امتحانات تكميلية التوجيهي

التنشئة السياسية والحزبية بوصفها مدخلاً لبناء مجتمع ديمقراطي ومسؤول

من الأسرة إلى الجامعة: كيف نصنع مواطناً واعياً وقادراً على المشاركة السياسية؟

من الأسرة إلى الجامعة: كيف نصنع مواطناً واعياً وقادراً على المشاركة السياسية؟



النائب د علي الطراونه

دكتوره علوم سياسه

لا يتشكل الوعي السياسي لدى الإنسان بصورة تلقائية، ولا يبدأ مع بلوغه السن القانونية للمشاركة في الانتخابات أو الانتساب إلى الأحزاب السياسية، بل هو نتاج عملية تربوية واجتماعية وتراكمية تبدأ منذ السنوات الأولى من حياته، وتتطور مع انتقاله من الأسرة إلى المدرسة، ثم إلى الجامعة، وصولاً إلى انخراطه في الحياة العامة ومؤسسات المجتمع.

 

ومن هذا المنطلق، فإن بناء مجتمع يمتلك وعياً سياسياً وقدرة على المشاركة الديمقراطية لا يرتبط فقط بوجود أحزاب سياسية أو مؤسسات دستورية أو قوانين تنظم الحياة العامة، وإنما يرتبط أيضاً بمدى قدرة المجتمع على إعداد أفراده معرفياً وثقافياً وسلوكياً لفهم السياسة، واستيعاب طبيعة العمل الحزبي، وإدراك الحقوق والواجبات، وممارسة المواطنة بمسؤولية.

 

إن التنشئة السياسية ليست عملية تلقين لمواقف أو توجهات سياسية محددة، وليست وسيلة لتوجيه الأفراد نحو حزب أو تيار بعينه، وإنما هي عملية بناء للقدرات الفكرية والنقدية التي تمكّن الفرد من فهم الشأن العام، وتحليل السياسات والبرامج، والتمييز بين الخطاب السياسي والممارسة العملية، وتكوين موقف مستقل يستند إلى المعرفة والحجة والاختيار الحر.

 

وفي هذا السياق، تبرز ثلاث مؤسسات رئيسية تتحمل مسؤولية متكاملة في تشكيل الوعي السياسي للفرد، وهي: الأسرة، والمدرسة، والجامعة.

 

أولاً: الأسرة.. البداية الأولى لتكوين الوعي السياسي

 

تمثل الأسرة المؤسسة الاجتماعية الأولى التي يتفاعل معها الإنسان، وفيها تتشكل اللبنات الأساسية لشخصيته وقيمه واتجاهاته وسلوكه تجاه الآخرين والمجتمع.

 

ومن هنا، فإن دور الأسرة في التنشئة السياسية لا ينبغي أن يقتصر على نقل بعض المواقف أو الآراء السياسية إلى الأبناء، بل يجب أن يتجاوز ذلك إلى بناء ثقافة الحوار، واحترام الاختلاف، وقبول الرأي الآخر، وتعزيز الشعور بالمسؤولية تجاه القضايا العامة.

 

إن وجود مساحة للنقاش داخل الأسرة حول القضايا الوطنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية يسهم في تعويد الأبناء على الاهتمام بالشأن العام، وفهم طبيعة التحديات التي تواجه المجتمع والدولة. كما أن إشراكهم في هذه النقاشات، بما يتناسب مع أعمارهم ومستويات إدراكهم، يساعدهم على طرح الأسئلة وتكوين الآراء والتعبير عنها دون خوف أو تردد.

 

ومن المهم أيضاً أن يدرك الوالدان أن القدوة العملية أكثر تأثيراً من الخطاب النظري؛ فاحترام الاختلاف داخل الأسرة، والابتعاد عن التعصب، والاستماع إلى وجهات النظر المختلفة، والالتزام بالقانون، واحترام حقوق الآخرين، كلها ممارسات تشكل لدى الأبناء تصوراً عملياً عن معنى الديمقراطية والمواطنة.

 

وبالتالي، فإن الأسرة التي تؤسس لعلاقة قائمة على الحوار والمشاركة واحترام الرأي الآخر، تضع الأساس الأول لشخصية قادرة على التعامل مع الحياة السياسية والحزبية بصورة واعية ومتوازنة.

 

ثانياً: المدرسة.. من التربية الوطنية إلى الثقافة السياسية

 

إذا كانت الأسرة تضع الأساس الأول للوعي السياسي، فإن المدرسة تمثل المؤسسة التي تنقل هذا الوعي من الإطار العائلي المحدود إلى الإطار المجتمعي والمؤسسي الأوسع.

 

فالمدرسة ليست مجرد مكان لاكتساب المعارف والمهارات الأكاديمية، بل هي بيئة اجتماعية يتعلم فيها الطالب معنى النظام، والانضباط، والحقوق، والواجبات، والعمل الجماعي، واحترام القواعد، والتعامل مع الاختلاف.

 

ومن الضروري أن تتضمن المناهج الدراسية، بصورة منهجية ومتدرجة، موضوعات تتعلق بالتربية المدنية والثقافة السياسية، بحيث تتناسب مع المراحل العمرية والعقلية للطلبة. ويشمل ذلك التعريف بمفاهيم الدولة والدستور، والمواطنة، وسيادة القانون، والسلطات العامة، والحقوق والحريات، والمشاركة المجتمعية، والانتخابات، والتعددية السياسية والحزبية.

 

ولا ينبغي أن تبقى هذه المفاهيم حبيسة الكتب والمناهج، بل يجب ترجمتها إلى ممارسات وأنشطة تعليمية تفاعلية.

 

فعلى سبيل المثال، يمكن تنظيم انتخابات طلابية تحاكي العمليات الانتخابية، وإنشاء مجالس للطلبة تتيح لهم المشاركة في مناقشة القضايا المدرسية، وتنظيم مناظرات حول موضوعات عامة، وإقامة جلسات حوارية تحفز التفكير النقدي وتدرب الطلبة على تقديم الحجج واحترام وجهات النظر المختلفة.

 

كما يمكن توظيف الأنشطة اللامنهجية في تعريف الطلبة بأهمية العمل التطوعي والمبادرات المجتمعية والمشاركة في خدمة المجتمع.

 

ومن الضروري في هذا المجال التأكيد على استقلالية العملية التعليمية عن التوظيف الحزبي أو الأيديولوجي؛ فالمدرسة مطالبة بتقديم المعرفة السياسية بصورة موضوعية ومتوازنة، وليس بتوجيه الطلبة نحو انتماءات أو خيارات سياسية مسبقة.

 

فالغاية الأساسية هي تخريج طالب يعرف حقوقه وواجباته، ويدرك طبيعة النظام السياسي الذي يعيش في ظله، ويمتلك القدرة على التفكير والتحليل والمشاركة، لا مجرد طالب يحفظ مجموعة من التعريفات والمصطلحات السياسية.

 

ثالثاً: الجامعة.. الانتقال من المعرفة السياسية إلى الممارسة والمشاركة

 

تمثل المرحلة الجامعية مرحلة متقدمة في مسار التنشئة السياسية، إذ ينتقل الطالب خلالها من اكتساب المفاهيم الأساسية إلى القدرة على تحليل القضايا العامة وفهم السياسات والبرامج والتوجهات السياسية المختلفة.

 

وفي هذه المرحلة، ينبغي ألا يقتصر دور الجامعة على تقديم المعرفة الأكاديمية، بل يجب أن يمتد إلى توفير بيئة جامعية تسمح بممارسة الحوار السياسي المسؤول، وتعزز ثقافة التعددية، وتدعم المشاركة في الحياة العامة.

 

ومن أبرز متطلبات ذلك تطوير المساقات الأكاديمية المرتبطة بالعلوم السياسية، والإدارة العامة، والقانون الدستوري، والنظم الديمقراطية، والسياسات العامة، وحقوق الإنسان، إلى جانب إدماج مفاهيم المشاركة السياسية والعمل الحزبي في البرامج التعليمية ذات الصلة.

 

كما أن الأنشطة الجامعية تشكل مساحة مهمة للتطبيق العملي؛ إذ يمكن للجامعات تنظيم الندوات والمؤتمرات والمناظرات والحوارات المفتوحة التي تستضيف أكاديميين ومتخصصين وممثلين عن مؤسسات الدولة والأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني.

 

ومن المهم أيضاً إتاحة الفرصة للطلبة للتعرف على البرامج الحزبية والتوجهات الفكرية والسياسية المختلفة، وفهم آليات عمل الأحزاب، وأدوارها في الحياة الديمقراطية، وكيفية إعداد البرامج السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ودورها في تشكيل الحكومات والرقابة على أدائها، وفقاً للنظام الدستوري المعمول به.

 

ويمكن تحقيق ذلك من خلال شراكات مؤسسية منضبطة بين الجامعات والجهات الحكومية المختصة والأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني، بما يتيح للطلبة فرص التدريب والمشاركة في البرامج التوعوية والحوارات السياسية، مع ضمان تكافؤ الفرص وعدم احتكار أي جهة للمساحات الجامعية.

 

كذلك، فإن دعم اتحادات الطلبة والمجالس الطلابية، وتطوير آليات انتخابها وإدارتها، يمثل تدريباً عملياً على الممارسة الديمقراطية، ويمنح الطلبة فرصة حقيقية لتعلم التمثيل والمساءلة والتفاوض وإدارة الاختلاف.

 

فالجامعة التي تتيح للطالب ممارسة الحوار والمشاركة واتخاذ القرار، لا تكتفي بإعداده لسوق العمل، بل تسهم أيضاً في إعداده ليكون فاعلاً في الحياة العامة وقادراً على تحمل مسؤولياته الوطنية والمجتمعية.

 

رابعاً: التكامل بين الأسرة والمدرسة والجامعة.. مسؤولية مشتركة لا أدوار منفصلة

 

على الرغم من اختلاف طبيعة الأدوار التي تؤديها الأسرة والمدرسة والجامعة، فإن نجاح عملية التنشئة السياسية يتطلب وجود تكامل حقيقي بينها، بحيث تشكل هذه المؤسسات منظومة متصلة ومتدرجة في بناء وعي الفرد.

 

فلا يمكن للأسرة أن تؤسس ثقافة الحوار إذا كانت المدرسة لا تتيح للطالب التعبير عن رأيه، كما لا يمكن للجامعة أن تحقق مشاركة سياسية واعية إذا وصل إليها الطالب دون امتلاك الحد الأدنى من المعرفة المدنية والسياسية.

 

ومن هنا، تبرز الحاجة إلى رؤية وطنية متكاملة للتربية المدنية والسياسية، تقوم على تحديد الأدوار والمسؤوليات، وتطوير المناهج والأنشطة، وتوفير برامج تدريبية للمعلمين وأعضاء الهيئات التدريسية، وإيجاد آليات تعاون بين المؤسسات التعليمية والجهات المعنية بالشأن السياسي.

 

كما ينبغي أن تتضمن هذه الرؤية مؤشرات واضحة لقياس أثر برامج التنشئة السياسية، مثل مستوى معرفة الطلبة بحقوقهم الدستورية، وقدرتهم على فهم المؤسسات العامة، ومهاراتهم في الحوار والتفكير النقدي، ومدى مشاركتهم في الأنشطة الطلابية والمجتمعية.

 

فنجاح التنشئة السياسية لا يقاس بعدد المحاضرات والندوات التي تنظمها المؤسسات، وإنما بمدى انعكاسها على سلوك الأفراد، وقدرتهم على اتخاذ مواقف مستقلة، والمشاركة في الشأن العام، واحترام القانون، وممارسة الاختلاف بصورة ديمقراطية.

 

خامساً: نحو ثقافة حزبية قائمة على البرامج لا الأشخاص

 

من القضايا المهمة التي ينبغي أن تحظى باهتمام خاص في مسار التنشئة السياسية، الانتقال من الثقافة السياسية القائمة على الأشخاص والشعارات والانطباعات إلى ثقافة حزبية تقوم على البرامج والأفكار والسياسات العامة.

 

فالمشاركة الحزبية الواعية لا تعني مجرد الانتساب إلى حزب سياسي، وإنما تعني فهم هويته الفكرية، والاطلاع على برنامجه، ومناقشة مقترحاته، وتقييم مواقفه، والمساهمة في تطوير رؤيته السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

 

وهذا يتطلب تعريف الأجيال الجديدة بالعمل الحزبي باعتباره أحد أشكال المشاركة المنظمة في الحياة العامة، وباعتباره إطاراً لتجميع الأفكار والمصالح والتوجهات وتحويلها إلى برامج وسياسات قابلة للنقاش والتنفيذ والمساءلة.

 

كما يتطلب تعزيز القدرة على التمييز بين الولاء الحزبي والولاء للمصلحة العامة؛ فالانتماء السياسي لا ينبغي أن يلغي استقلالية الفرد الفكرية، ولا أن يحول دون نقد الممارسات الحزبية أو مراجعة البرامج والسياسات.

 

ومن المهم أن تتعلم الأجيال الجديدة أن التعددية السياسية لا تعني الانقسام المجتمعي، وأن الاختلاف في الرؤى والبرامج لا يتعارض مع الانتماء الوطني، بل يمكن أن يشكل أساساً للتنافس الديمقراطي وتطوير الأداء العام.

 

 وفي النهاية نجد إن بناء مجتمع أكثر وعياً ومسؤولية لا يبدأ من صناديق الاقتراع، بل يبدأ من البيت، ويتعزز في المدرسة، وينضج في الجامعة، ثم يترجم إلى مشاركة فاعلة في مؤسسات الدولة والحياة السياسية والحزبية.

 

فالتنشئة السياسية ليست مسؤولية مؤسسة واحدة، ولا مهمة موسمية ترتبط بالانتخابات أو بمراحل الإصلاح السياسي، وإنما هي عملية مستمرة تتطلب تخطيطاً مؤسسياً وإرادة مجتمعية وسياسات تعليمية وتربوية واضحة.

 

وإذا كانت الدولة تسعى إلى توسيع المشاركة السياسية وتعزيز الحياة الحزبية وترسيخ الممارسة الديمقراطية، فإن الاستثمار في وعي الأجيال الجديدة يجب أن يكون جزءاً أصيلاً من مشروعها الإصلاحي، من خلال تطوير التعليم، وتعزيز الثقافة المدنية، وتوفير مساحات آمنة ومتوازنة للحوار والمشاركة، وترسيخ الثقة بين المواطن والمؤسسات.

 

ومن هنا، فإن الهدف الحقيقي من التنشئة السياسية لا ينبغي أن يقتصر على تشجيع الشباب على الانتساب إلى الأحزاب أو الانخراط في العمل السياسي، بل يجب أن يتجاوز ذلك إلى بناء شخصية سياسية مستقلة وواعية، قادرة على فهم الواقع وتحليل السياسات وتقييم البرامج واتخاذ المواقف على أساس المعرفة والقناعة.

 

فالمطلوب ليس أن نُنشّئ جيلاً ينتمي إلى أحزاب سياسية فحسب، بل أن نُنشّئ جيلاً يفهم السياسة قبل أن يمارسها، ويعرف حقوقه قبل أن يطالب بها، ويدرك مسؤولياته قبل أن يتولى مواقع التأثير وصناعة القرار.

 

إن هذا هو جوهر التنشئة السياسية السليمة؛ أن ننتقل من مجرد توسيع المشاركة السياسية إلى الارتقاء بنوعيتها، ومن تشجيع الانتماء الحزبي إلى ترسيخ الوعي الحزبي، ومن التعامل مع الديمقراطية باعتبارها إجراءات انتخابية إلى ممارستها باعتبارها ثقافة وسلوكاً ومسؤولية يومية.

 

فالديمقراطية لا تُبنى بالقوانين والمؤسسات وحدها، وإنما تحتاج إلى مواطنين يمتلكون الوعي والمعرفة والثقافة والممارسة التي تجعل من هذه القوانين والمؤسسات واقعاً حياً في المجتمع.