ما قبل الانفجار… فلسطين في مواجهة حسابات نتنياهو الخطرة
قراءة في احتمالات التصعيد الإسرائيلي ومخاطر تفجير الجبهة الفلسطينية الداخلية
بقلم عارف الهدمي *
قبل اثني عشر يوما من
الانتخابات الإسرائيلية المقررة في السابع والعشرين من أكتوبر تتجمع مؤشرات سياسية
وعسكرية واقتصادية بالغة الخطورة تستوجب يقظة فلسطينية وعربية مبكرة تتجاوز متابعة
الأحداث إلى استشراف تداعياتها والاستعداد لمواجهتها
فبينما يواجه بنيامين
نتنياهو أزمة سياسية وقضائية متصاعدة تتعلق بمسؤوليته عن إخفاق السابع من أكتوبر
2023 وإدارة الحروب والخسائر الإسرائيلية تتزايد التهديدات العسكرية في الضفة
الغربية وتتوسع اعتداءات المستوطنين وتتسارع الإجراءات الرامية إلى تغيير الواقع
الجغرافي والسياسي للأراضي الفلسطينية
والسؤال الأخطر ليس فقط
ما إذا كان نتنياهو سيبقى في السلطة بل ما الذي قد يحدث قبل الانتخابات أو بعدها
وهل يمكن أن تتحول الضفة الغربية إلى ساحة مواجهة تؤدي إلى إضعاف السلطة
الفلسطينية وتفجير الوضع الداخلي وفرض واقع جديد يخدم مشاريع الضم والاستيطان
إن الخطر الاستراتيجي
يتمثل في احتمال تلاقي ثلاثة مسارات متزامنة هي التصعيد العسكري والعنف الاستيطاني
والضغط الاقتصادي والمؤسسي بما قد يؤدي إلى إنهاك المجتمع الفلسطيني وخلق ظروف
تسمح بتوسيع السيطرة الإسرائيلية المباشرة دون الحاجة إلى إعلان الضم الشامل
أولا نتنياهو بين
المحاسبة وحسابات الحرب
تتصاعد داخل إسرائيل
الاتهامات الموجهة إلى نتنياهو بشأن مسؤوليته السياسية عن إخفاق السابع من أكتوبر
وما تلاه من خسائر بشرية وعسكرية واستمرار المواجهات وتغليب اعتبارات بقائه في
الحكم على بعض فرص إنهائها
وقد اتهمه مسؤولون
سابقون وعائلات محتجزين بإخضاع قرارات الحرب والمفاوضات للحسابات السياسية
والائتلافية فيما يرفض نتنياهو هذه الاتهامات
وفي الرابع عشر من
أكتوبر تقدم رئيس الشاباك السابق رونين بار بدعوى تشهير ضد نتنياهو اتهمه فيها
بتجاهل تحذيرات سبقت الهجوم ومحاولة تحميل الأجهزة الأمنية مسؤولية الإخفاق
وتتزامن هذه التطورات
مع استمرار محاكمة نتنياهو في قضايا الفساد وبقاء مذكرة الاعتقال الصادرة بحقه عن
المحكمة الجنائية الدولية في نوفمبر 2024 بشأن اتهامات بجرائم حرب وجرائم ضد
الإنسانية لم يصدر فيها حكم نهائي بالإدانة
وفي ظل هذه الضغوط يبرز
تساؤل حول مدى تأثير اعتبارات البقاء السياسي في قرارات الحرب وإمكانية توظيف
التصعيد لإعادة ترتيب أولويات الرأي العام الإسرائيلي وصرف الاهتمام عن قضايا
المحاسبة
غير أن الأهم فلسطينيا
وعربيا لا يقتصر على تفسير نوايا نتنياهو بل يتعلق بقراءة النتائج المحتملة
لسياسات حكومته وتحركات اليمين المتطرف والمستوطنين والاستعداد لمواجهتها
ثانيا الضفة الغربية
ومقدمات الانفجار
في السادس من أكتوبر
هدد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بمواجهة واسعة مع أجهزة السلطة
الفلسطينية إذا وجهت سلاحها ضد إسرائيل وتحدث عن عمليات عسكرية قد تشمل المدن
والمخيمات الفلسطينية
واللافت أن صحيفة
جيروزاليم بوست نقلت عن مصادر في الجيش والشاباك عدم امتلاك معلومات محددة تشير
إلى استعداد تلك الأجهزة لتنفيذ هجوم من هذا النوع
وفي الثالث عشر من
أكتوبر زار نتنياهو منطقة التماس في شمال الضفة الغربية برفقة وزير الدفاع وقيادات
عسكرية وأكد استمرار السيطرة العسكرية الإسرائيلية والاستعداد لمواجهة احتمال
توجيه السلاح الفلسطيني ضد إسرائيل
وتأتي هذه التصريحات
بالتزامن مع تدريبات عسكرية وتوسع استيطاني وإجراءات حكومية لتعزيز السيطرة على
الأراضي الفلسطينية
وقد وثقت الأمم المتحدة
أكثر من 1600 اعتداء للمستوطنين منذ مطلع عام 2026 وحتى الرابع عشر من سبتمبر نتج
عنها إصابات فلسطينية أو أضرار بالممتلكات أو كلاهما كما حذرت من احتجاز إسرائيل
نحو ستة مليارات دولار أمريكي من أموال المقاصة الفلسطينية بما يهدد قدرة السلطة
على دفع الرواتب وتقديم الخدمات الأساسية
ويضاف إلى ذلك مشروع E1 الاستيطاني شرقي القدس الذي يهدد التواصل الجغرافي
الفلسطيني ويعمق تقطيع أوصال الضفة الغربية مع تحديد الخامس والعشرين من أكتوبر
موعدا لإغلاق تقديم العطاءات المتعلقة بتوسعة المشروع قبل الانتخابات الإسرائيلية
بيومين
إن اجتماع التهديد
العسكري والعنف الاستيطاني والخنق الاقتصادي لم يعد مجرد ضغوط منفصلة بل يمثل
عوامل متراكمة قد تؤدي إلى إضعاف المؤسسات الفلسطينية وخلق بيئة قابلة للانفجار
الداخلي
فالضفة الغربية واقعة
تحت الاحتلال منذ عام 1967 لكن الخطر المقبل يتمثل في إمكانية تقليص ما تبقى من
الصلاحيات الفلسطينية وتوسيع السيطرة الإسرائيلية المباشرة دون الحاجة إلى إعلان
رسمي بإنهاء السلطة الوطنية
ثالثا السيناريوهات
الثلاثة الأكثر خطورة
المسار الأول التصعيد
العسكري وتفجير الوضع الفلسطيني الداخلي
قد يتحول حادث مسلح
كبير أو مواجهة مع أجهزة السلطة الفلسطينية أو تصاعد اعتداءات المستوطنين أو توتر
الأوضاع في القدس والمقدسات إلى مبرر لتوسيع العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل
المدن والمخيمات الفلسطينية
وقد تستخدم هذه
التطورات لفرض انتشار عسكري طويل الأمد أو استهداف المؤسسات الفلسطينية وتقليص
صلاحياتها
وتزداد الخطورة إذا
تزامنت الأحداث مع حملات تحريض أو معلومات مضللة أو اتهامات متسرعة بشأن حوادث
غامضة بما يؤدي إلى تعميق الخلافات الفلسطينية واحتمال تحول الاحتقان إلى صدامات
داخلية
وهنا تكمن الخشية
الكبرى من أن تتحول المواجهة مع الاحتلال إلى أزمة فلسطينية داخلية تستنزف
المؤسسات الوطنية وتضعف الجبهة الداخلية بينما تتقدم مشاريع السيطرة والاستيطان
المسار الثاني إضعاف
السلطة وفرض الضم الفعلي
يمثل هذا المسار خطرا
استراتيجيا طويل الأمد لأنه قد يتحقق بصورة تدريجية دون حرب شاملة
فاستمرار احتجاز أموال
المقاصة وتعثر الرواتب والخدمات والتوسع الاستيطاني والسيطرة على الطرق والأراضي
والصلاحيات الإدارية يمكن أن يؤدي إلى شلل المؤسسات وإضعاف قدرتها على إدارة شؤون
المواطنين
وعندها تصبح إمكانية
فرض ترتيبات إسرائيلية جديدة أكثر اتساعا سواء من خلال الوجود العسكري المباشر أو
الإجراءات الإدارية والاستيطانية المتراكمة
وهذا المسار يستوجب
متابعة القرارات المتعلقة بالأرض والموارد والمعابر والمؤسسات باعتبارها جزءا من
الصراع على مستقبل الضفة الغربية وليس مجرد إجراءات منفصلة
المسار الثالث التصعيد
الإقليمي وتغيير المشهد الانتخابي
كشف موقع أكسيوس في
الثالث عشر من أكتوبر عن مباحثات تناولت احتمال تجدد العمليات العسكرية ضد إيران
ونقل تحذيرات من أن ردا إيرانيا واسعا قد يؤدي إلى طرح مسألة تأجيل الانتخابات
الإسرائيلية
وفي المقابل نفى البيت
الأبيض رواية المباحثات وأعلن نتنياهو عدم تأييده توجيه ضربة استباقية قبل
الانتخابات
ومن الناحية القانونية
يتطلب تأجيل الانتخابات ظروفا استثنائية تمنع إجراءها وموافقة ثمانين عضوا في
الكنيست ولا يستطيع رئيس الحكومة اتخاذ القرار منفردا
لكن أي مواجهة إقليمية
واسعة قد تغير الأولويات السياسية الداخلية وتنعكس على الأراضي الفلسطينية
والاستقرار الإقليمي
إن خطورة هذه
السيناريوهات تتضاعف إذا تفاعلت معا وأنتجت أزمة فلسطينية شاملة يصعب احتواؤها بعد
وقوعها
رابعا مؤشرات الإنذار
المبكر
إن التعامل مع هذه
الاحتمالات يقتضي مراقبة مجموعة من المؤشرات الواضحة أهمها تصاعد التهديدات
الإسرائيلية ضد الأجهزة الفلسطينية وتوسع الانتشار العسكري داخل المدن وارتفاع
اعتداءات المستوطنين وعمليات التهجير واتخاذ قرارات جديدة لتغيير الصلاحيات
الإدارية والسيطرة على الأراضي
ويضاف إلى ذلك تفاقم
أزمة المقاصة وتعطل الخدمات الأساسية وظهور أحداث غامضة تتزامن مع حملات تحريض أو
تضليل تهدد السلم الأهلي
كما يستوجب الأمر
متابعة أي إجراءات استثنائية تتعلق بالانتخابات الإسرائيلية أو توسيع العمليات
العسكرية الإقليمية وما قد يترتب عليها من انعكاسات على الضفة الغربية
إن اجتماع عدة مؤشرات
خلال فترة قصيرة يستدعي تقييما عاجلا وتحركا فلسطينيا وعربيا استباقيا
فالإنذار المبكر لا
تكمن قيمته في توقع الحدث وحده بل في امتلاك القدرة على منع وقوعه أو الحد من
آثاره
خامسا الموقف الأمريكي
والأوروبي والعربي
تواصل الولايات المتحدة
دعمها الاستراتيجي لإسرائيل رغم وجود تباينات بشأن بعض الخيارات العسكرية وترتيبات
المنطقة وتبقى واشنطن الطرف الدولي الأكثر تأثيرا في القرارات الإسرائيلية الكبرى
أما أوروبا فتؤكد رفض
الاستيطان والضم وتقويض حل الدولتين وقد اتجهت بعض الحكومات الأوروبية إلى اتخاذ
إجراءات ضد الأنشطة المرتبطة بالاستيطان فيما تتفاوت المواقف بشأن فرض عقوبات أوسع
وعلى المستوى الدولي
تبقى إجراءات المحكمة الجنائية الدولية ومواقف الأمم المتحدة من الاحتلال
والاستيطان أدوات مهمة للمساءلة والضغط السياسي والقانوني
وعربيا تؤكد البيانات
المشتركة رفض التهجير والضم والاستيطان والمساس بالحقوق الوطنية الفلسطينية
وقد جاءت التحذيرات
الأردنية المنشورة في صحيفة الإندبندنت يوم الرابع عشر من أكتوبر لتلفت الانتباه
إلى مخاطر دفع الضفة الغربية نحو الانفجار وتقويض السلطة الفلسطينية وفرض الضم
الفعلي بما يهدد الاستقرار الإقليمي
غير أن خطورة المرحلة
تفرض الانتقال من بيانات الإدانة إلى موقف دبلوماسي عربي موحد يمتلك خطة تحرك
واضحة مع واشنطن والعواصم الأوروبية والأمم المتحدة والمؤسسات الدولية المعنية
فالمطلوب منع الانفجار
قبل وقوعه لا الاكتفاء بإدانة نتائجه
سادسا ما المطلوب
فلسطينيا وعربيا
فلسطينيا
تفرض المرحلة تحصين
الجبهة الداخلية وتوحيد القرار الوطني تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية وحماية
المؤسسات ومنع أي صدام داخلي يمكن استغلاله لتوسيع التدخل الإسرائيلي
ومن الضروري تشكيل إطار
وطني مشترك للمتابعة والتقدير خلال اثنتين وسبعين ساعة يضم الجهات الرسمية والقوى
الوطنية والمؤسسات الحقوقية والمختصين للتحقق من المعلومات وتوثيق الانتهاكات
ومتابعة الحوادث الغامضة وإصدار تقديرات دورية موثقة
كما ينبغي إعداد خطة
طوارئ تضمن استمرار الخدمات الصحية والتعليمية والبلدية وحماية المواطنين
وممتلكاتهم وتعزيز الصمود الشعبي السلمي والمنظم
والأهم إطلاق حوار وطني
عاجل يعزز الثقة بالمؤسسات ويمنع تحويل الخلافات السياسية إلى مواجهات داخلية
تستنزف المجتمع الفلسطيني
وعربيا
المطلوب بلورة موقف
دبلوماسي عربي موحد يتجاوز التحذير إلى تحرك سياسي وقانوني واقتصادي منظم لوقف الاستيطان
والضم والإفراج عن أموال المقاصة ودعم المؤسسات الفلسطينية ومنع التهجير والتغيير
القسري للواقع القائم
ويقتضي ذلك تكثيف
الاتصالات مع الأطراف الدولية المؤثرة وتفعيل الآليات القانونية وتنسيق المواقف
لضمان حماية المدنيين ومنع تقويض المؤسسات الفلسطينية
فحماية استقرار الضفة
الغربية ووحدة المجتمع الفلسطيني ليست مسؤولية فلسطينية وحدها بل تمثل ضرورة
لحماية الأمن والاستقرار في المنطقة
سابعا الخلاصة قبل فوات
الأوان
إن أخطر ما تواجهه
القضية الفلسطينية ليس احتمال اندلاع حرب جديدة أو تأجيل الانتخابات الإسرائيلية
فحسب بل إمكانية تلاقي الضغوط العسكرية والاستيطانية والاقتصادية بصورة تؤدي إلى
تفجير الوضع الفلسطيني الداخلي وإضعاف المؤسسات الوطنية وتهيئة الظروف لفرض واقع
سياسي وجغرافي جديد
وقد تتغير الحكومة
الإسرائيلية بعد السابع والعشرين من أكتوبر أو تستمر لكن الوقائع التي تفرض على
الأرض الفلسطينية قد تبقى لسنوات طويلة
فإذا كان نتنياهو يخوض
معركة تتعلق بمستقبل حكمه فإن الشعب الفلسطيني يواجه تحديا يتعلق بمستقبل وطنه
ووحدته وحقوقه الوطنية
ولذلك فإن المسؤولية
الوطنية والقومية تقتضي ألا ننتظر ما قد يفعله نتنياهو أو اليمين المتطرف أو
المستوطنون بل أن نمتلك المبادرة السياسية ونحصن الجبهة الداخلية ونمنع الانجرار
إلى مواجهات غير محسوبة يفرض الآخرون توقيتها وشروطها
إن أخطر ما يمكن أن
يحدث ليس المواجهة العسكرية وحدها بل أن تتحول الأزمات الفلسطينية الداخلية إلى
فرصة لتوسيع الاحتلال وفرض الضم وتقويض المشروع الوطني الفلسطيني
إننا أمام مرحلة تستدعي
اليقظة لا الهلع والمبادرة لا الانتظار والوحدة لا الانقسام
فالقوة الحقيقية لا
تقاس بحدة الخطابات ولا بكثرة التحذيرات بل بالقدرة على حماية الشعب والمؤسسات
والأرض ومنع وقوع الخطر قبل أن يتحول إلى واقع
وهذا هو جوهر المسؤولية
الوطنية أن نقرأ ما قبل الانفجار وأن نعمل على منعه لا أن نكتفي بتفسير أسبابه بعد
فوات الأوان
* كاتب وباحث استراتيجي فلسطيني






















