تقدير موقف استراتيجي
الامن القومي العربي امام احتمالات التصعيد العسكري واعادة تشكيل التوازنات الامنية في الشرق الاوسط
اعداد عارف الهدمي
تدخل المنطقة مرحلة بالغة الخطورة تتجاوز فيها المواجهة
الامريكية الاسرائيلية مع ايران حدود الصراع العسكري والبرنامج النووي لتطال
مستقبل الامن القومي العربي وطبيعة التحالفات الاقليمية والسيطرة على الممرات
البحرية ومصادر الطاقة وحدود النفوذ الدولي في الشرق الاوسط
وتشير المعطيات المتاحة حتى الثامن والعشرين من تشرين الاول
الى ان المسار الدبلوماسي لم يصل الى تسوية ملزمة وان احتمالات تجدد التصعيد
العسكري لا تزال قائمة في ظل استمرار الخلاف بين واشنطن وطهران حول البرنامج
النووي والعقوبات والحصار البحري وضمانات الامن الاقليمي
وتكمن الخطورة الاستراتيجية في احتمال انتقال المنطقة من
مواجهة عسكرية مفتوحة الى ترتيبات سياسية وامنية جديدة تعيد توزيع النفوذ
والضمانات بين القوى الدولية والاقليمية دون مشاركة عربية تتناسب مع حجم المصالح العربية
المعرضة للخطر
وفي ابرز التطورات نقلت وكالة رويترز في الثامن والعشرين من
تشرين الاول عن مصادر مطلعة تقديم الوسطاء القطريين مقترحا جديدا يتضمن برنامجا من
سبعة ايام لبناء الثقة بين الولايات المتحدة وايران مع احتمال مشاركة عدة دول في
ضمان تنفيذ التفاهمات
غير ان مسؤولا ايرانيا كبيرا لم تكشف الوكالة هويته وصف
الافكار المطروحة بأنها غير مقبولة بينما اكد مصدر اخر استمرار دراسة المقترح
وتوقع الرد عليه قبل نهاية الاسبوع
وتكشف هذه المعطيات ان الخلاف لم يعد محصورا في مبدأ التفاوض
بل يشمل ترتيب الالتزامات المتبادلة اذ تطالب واشنطن بمعالجة الملف النووي منذ
بداية المفاوضات بينما تشترط طهران رفع الحصار عن موانئها وتخفيف العقوبات على
صادراتها النفطية قبل تقديم تنازلات جوهرية
وتشير هذه المواقف الى استمرار احتمالات التعثر دون ان تشكل
دليلا على انهيار الوساطة او صدور قرار نهائي باستئناف العمليات العسكرية
وفي تطور مواز عقد مسؤولون من السعودية وتركيا وباكستان
اجتماعات مع القيادة الايرانية في طهران يوم السادس والعشرين من تشرين الاول بهدف
احتواء التصعيد وفتح قنوات للتفاهم حول الامن الاقليمي واليمن ومضيق هرمز
وتكمن اهمية هذه الاجتماعات في انها تجمع اطرافا ترتبط
بتفاهمات دفاعية مشتركة مع ايران التي تمثل الطرف المقابل في الازمة وهو ما يفتح
المجال امام صياغة ترتيبات لعدم الاعتداء وضمانات امنية متبادلة
وقد نقلت رويترز عن مسؤولين باكستانيين معلومات عن مقترحات
لتشكيل شبكة اقليمية لعدم الاعتداء واحتمال مشاركة دول عربية واسلامية في ضمان اي
اتفاق مستقبلي
وهذه المعلومات لا تثبت وجود اتفاق نهائي لكنها تشير الى
اتجاه سياسي يستحق الاهتمام يتمثل في محاولة بناء منظومة امنية اقليمية جديدة قد
تتداخل مع الترتيبات العسكرية القائمة مع الولايات المتحدة
كما ان تقدم اتفاق الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا
وباكستان في الاجراءات البرلمانية التركية يمثل مؤشرا على اتجاه نحو توسيع
الشراكات الدفاعية الاقليمية مع ضرورة التمييز بين المصادقة النهائية على الاتفاق
وبين بدء تنفيذ التزاماته العسكرية
والدلالة الاستراتيجية هنا ان السعودية تسعى الى الجمع بين
تعزيز قدراتها الدفاعية وتوسيع شراكاتها الاقليمية والمحافظة على المسار
الدبلوماسي لمنع اتساع الحرب
ويشكل امن السعودية عنصرا مركزيا في تقدير الموقف العربي نظرا
لارتباطه المباشر باستقرار الخليج واسواق الطاقة والاقتصاد العربي والامن البحري
وقد ادت الهجمات والتهديدات الحوثية ضد المملكة الى رفع مستوى
المخاطر الاقليمية واظهار الترابط بين الساحة اليمنية والمواجهة مع ايران
غير ان تحديد المسؤولية السياسية والعسكرية عن كل هجوم يتطلب
ادلة مستقلة ولا يكفي فيه الاعتماد على اعلانات اطراف النزاع او افتراض وجود قرار
ايراني مباشر خلف كل تحرك حوثي
وتبرز في هذا السياق مسألة بالغة الحساسية تتعلق بمدى قدرة اي
تفاهم امريكي ايراني على الزام القوى المسلحة المرتبطة بطهران بوقف العمليات ضد
السعودية والملاحة الدولية
فالاتفاق الذي يوقف الضربات المباشرة بين واشنطن وطهران دون
معالجة التهديدات القادمة من اليمن قد ينقل مركز المواجهة بدلا من انهائها
اما مضيق هرمز وباب المندب فيمثلان نقطة الضعف الاستراتيجية
الاكثر حساسية بالنسبة للاقتصاد العربي
وتكشف التقارير المتعلقة بمقترحات اعادة فتح هرمز مقابل تخفيف
العقوبات ان حرية الملاحة اصبحت جزءا من المساومة السياسية بين الولايات المتحدة
وايران
كما ان استمرار التهديدات في باب المندب يفرض اعباء اضافية
على النقل البحري والتأمين وسلاسل الامداد ويؤثر بصورة مباشرة على مصالح السعودية
ومصر ودول البحر الاحمر
ولا تتوافر معطيات موثقة تثبت حدوث تغيير نهائي في السيطرة
على باب المندب لكن استمرار المخاطر البحرية يفرض التعامل مع امن المضيق باعتباره
جزءا من منظومة الامن القومي العربي وليس ملفا يمنيا منفصلا
وتزداد خطورة هذه المعادلة مع المعلومات التي نقلتها رويترز
عن مسؤولين امنيين ايرانيين بشأن وجود خطط مشروطة لاستهداف كابلات اتصالات بحرية
خليجية في حال تجدد الهجمات الامريكية الاسرائيلية
ولا تمثل هذه المعلومات تأكيدا لصدور قرار بالتنفيذ لكنها
تكشف عن احتمال اتساع مفهوم الاستهداف الاستراتيجي ليشمل البنية التحتية المدنية
والاقتصادية والرقمية
وهذا تطور يستوجب رفع مستوى الاهتمام بحماية شبكات الاتصالات
والطاقة والموانئ والمنشآت الحيوية واستمرارية الخدمات الاساسية باعتبارها عناصر
رئيسية في الامن الوطني والاقليمي
وفي الموقف المصري تكتسب التقارير المتعلقة بموافقة البرلمان
على تقديم دعم دفاعي للسعودية اهمية استراتيجية تتجاوز العلاقات الثنائية بين
البلدين
فأمن السعودية والخليج يرتبط مباشرة بأمن البحر الاحمر وقناة
السويس والمصالح الاقتصادية المصرية كما ان اي اضطراب واسع في باب المندب يحمل
انعكاسات مباشرة على حركة الملاحة والايرادات التجارية والاقتصاد المصري
ومع ذلك فإن الموافقة على الدعم الدفاعي لا تعني تلقائيا بدء
مشاركة عسكرية فعلية ولم تتوافر معلومات مؤكدة عن تنفيذ انتشار قتالي مصري جديد
وتشير هذه التطورات الى امكانية توسيع التنسيق الدفاعي العربي
بين السعودية ومصر ودول مجلس التعاون الخليجي بما يعزز الردع ويحمي المصالح
المشتركة دون الاندفاع نحو مواجهة اقليمية شاملة
وعلى المستوى الامريكي كشفت رويترز عن تقدير داخلي منسوب الى
وزارة الدفاع يشير الى تجاوز تكلفة الحرب على ايران سبعة واربعين مليار دولار
مقارنة بتقديرات سابقة اقل
وتعكس هذه المعلومات حجم الاستنزاف المالي والعسكري لكنها لا
تثبت بمفردها ان واشنطن قررت وقف الحرب او توسيعها
وفي المقابل تحدثت صحيفة وول ستريت جورنال عن تحذيرات امريكية
لدول خليجية بشأن احتمال تجدد حملة عسكرية مكثفة ضد ايران بعد انتخابات الكونغرس
الامريكي
وتظل هذه المعلومات منسوبة الى مصادر صحفية وليست اعلانا
رسميا عن قرار هجومي نهائي
غير ان اجتماع ارتفاع كلفة الحرب مع استمرار التحضير
لاحتمالات التصعيد يشير الى ان واشنطن تحافظ على الخيار العسكري بالتوازي مع
استخدام المسار الدبلوماسي والضغط الاقتصادي
وفي الجانب الاسرائيلي تتداخل الحسابات الامنية مع التطورات
السياسية الداخلية وتوازنات الحكومة المقبلة
ويظل احتمال سعي اسرائيل الى فرض شروط اكثر تشددا بشأن
البرنامج النووي الايراني قائما لكن ذلك لا يثبت وجود قرار جديد بشن هجوم واسع
وتكمن المخاطرة في احتمال اختلاف المصالح الامريكية
والاسرائيلية حول توقيت التسوية وشروطها بما قد يؤدي الى ضغوط اضافية على المسار
التفاوضي
اما ايران فتسعى الى تخفيف الحصار والعقوبات مع المحافظة على
عناصر قوتها العسكرية والسياسية والاقليمية
ومن المرجح ان تستمر في الجمع بين التفاوض والضغط غير المباشر
سعيا الى تحسين شروط التسوية
لكن استمرار التهديدات الموجهة الى دول الخليج او الممرات
البحرية سيضعف فرص بناء الثقة ويزيد من احتمالات انتقال المواجهة الى ساحات عربية
جديدة
وفي هذا السياق تبرز مقترحات اقامة ترتيبات اقليمية لعدم
الاعتداء وتقليص الاعتماد على الوجود العسكري الاجنبي
وهذه المقترحات تستحق الدراسة من منظور المصالح العربية لا من
منظور قبولها او رفضها بصورة مسبقة
فأي نظام امني جديد يجب ان يستند الى احترام السيادة وعدم
التدخل وحرية الملاحة وضمان عدم استخدام الجماعات المسلحة للضغط على الدول ووجود
آليات واضحة للتحقق من الالتزامات ومعالجة الخروقات
ولا تتوافر وثائق تثبت وجود اتفاق سري شامل لاعادة تقسيم
النفوذ في المنطقة لكن تعدد المبادرات والضمانات المقترحة وتداخل الملفات النووية
والبحرية والدفاعية يشير الى احتمال نشوء ترتيبات جديدة قد تؤثر في استقلال القرار
العربي
وعليه فإن الخطر لا يكمن في التفاوض نفسه بل في احتمال ان
تترتب عليه التزامات استراتيجية تمس المصالح العربية دون مشاركة عربية فاعلة في
تحديدها
اما الصين وروسيا والاتحاد الاوروبي فتظل مواقفها مرتبطة
بتوازنات القوة الدولية وامن الطاقة واستقرار الاسواق ومستقبل البرنامج النووي
الايراني
ولا تتوافر في المعطيات التي جرت مراجعتها قرارات جديدة لهذه
القوى تغير بصورة حاسمة تقدير الموقف لكن استمرار التنافس الدولي يجعل من الضروري
المحافظة على تعدد الشراكات العربية وعدم الارتهان الى طرف خارجي واحد
وبناء على مجمل المؤشرات فإن السيناريو الارجح في المدى
القريب هو استمرار المساومة السياسية والضغط العسكري والاقتصادي دون الوصول السريع
الى تسوية نهائية
ويأتي بعده احتمال نجاح الوساطات في انتزاع اتفاق مرحلي يشمل
تخفيف القيود الاقتصادية وضمانات الملاحة وخطوات متبادلة في الملف النووي
اما السيناريو الاكثر خطورة فيتمثل في انهيار المفاوضات وتجدد
عمليات عسكرية واسعة ضد ايران وما قد يتبعها من ردود تستهدف المصالح الامريكية
والاسرائيلية او البنية الاقتصادية والممرات البحرية في المنطقة
وتتمثل المؤشرات الحاسمة التي قد تغير هذا التقدير في صدور رد
ايراني رسمي على المقترح القطري واعلان تفاهم ملزم بشأن هرمز وظهور قرار امريكي او
اسرائيلي مؤكد باستئناف الهجمات وحدوث تغير فعلي في التهديدات الموجهة الى
السعودية والملاحة وبدء تنفيذ ترتيبات دفاعية اقليمية جديدة
اما على مستوى الامن القومي العربي فإن الاولويات
الاستراتيجية تتمثل في تعزيز التكامل الدفاعي بين السعودية ومصر ودول الخليج
وتطوير الانذار المبكر وحماية الممرات البحرية والمنشآت النفطية وشبكات الاتصالات
والبنية التحتية الحيوية وتنسيق المواقف السياسية لضمان مشاركة عربية مؤثرة في اي
تسوية اقليمية
كما تبرز ضرورة وضع تصور عربي واضح لطبيعة الضمانات المطلوبة
من ايران والولايات المتحدة وبقية القوى المعنية بحيث لا يتحول وقف الحرب الى مجرد
اعادة توزيع لمصادر التهديد
والتقدير النهائي ان المنطقة تواجه احتمالين متلازمين يتمثل الاول
في خطر تجدد الحرب واتساعها ويتمثل الثاني في خطر الوصول الى تسوية تعيد تشكيل
التوازنات الامنية والاقتصادية دون ضمان المصالح العربية
والاحتمال الثاني لا يقل اهمية عن الاول لان نتائج التفاهمات
السياسية قد تستمر سنوات طويلة بعد توقف العمليات العسكرية
ان الخطر الاستراتيجي الاكبر على الامة العربية لا يكمن في
احتمال اندلاع حرب اقليمية جديدة فحسب بل في احتمال انتهاء هذه الحرب بتفاهمات
تعيد تشكيل موازين القوة والنفوذ على حساب الامن القومي العربي
ولذلك
فإن امتلاك مشروع عربي مستقل لحماية السيادة والمصالح والممرات البحرية لم يعد
خيارا سياسيا مؤجلا بل ضرورة استراتيجية تفرضها طبيعة المرحلة وتحولاتها


















