النائب علي الطراونة: خطاب العرش.. الأردن بين تحديات الإقليم واستحقاقات الداخل
د علي الطراونة
لم يكن خطاب العرش
السامي الذي ألقاه جلالة الملك عبدالله الثاني في افتتاح الدورة العادية الثالثة
لمجلس الأمة العشرين مجرد تقليد دستوري لافتتاح دورة برلمانية جديدة، بل جاء
حاملاً مجموعة من الرسائل السياسية والوطنية والاستراتيجية التي تعكس أولويات
الدولة الأردنية في مرحلة تتسم بتعقيدات إقليمية وتحديات داخلية، وتضع في الوقت
ذاته ملامح العلاقة المطلوبة بين مؤسسات الدولة والمواطن، وبين متطلبات الأمن
والاستقرار واستحقاقات التنمية والتحديث.
فمنذ مستهل الخطاب، بدا
واضحاً أن حماية الدولة وأمنها ووحدتها الوطنية تتقدم سلم الأولويات، خصوصاً في
ضوء الأحداث الإرهابية التي أشار إليها جلالة الملك، وما حملته من اعتداء على أمن
الوطن واستقراره. وجاء التأكيد على أن الأردن سيبقى عصياً على كل معتدٍ، وأنه لن
يسمح للإرهابيين بالمساس بأمنه ووحدته، ليبعث برسالة حاسمة مفادها أن الدولة
الأردنية تمتلك الإرادة والقدرة على حماية أمنها الوطني، وأن مواجهة الإرهاب ليست
مسؤولية الأجهزة الأمنية والعسكرية وحدها، بل مسؤولية وطنية ومجتمعية تتطلب تماسك
الجبهة الداخلية وارتفاع مستوى الوعي والحكمة في التعامل مع التحديات.
وفي هذا السياق، حملت
الإشارة إلى شهداء الكرك وتضحيات الجيش العربي والأجهزة الأمنية دلالات تتجاوز
التعبير عن التقدير والوفاء؛ فهي تؤكد المكانة المركزية للمؤسسات العسكرية
والأمنية في حماية الدولة وصون استقرارها، وتعيد التذكير بأن أمن الأردنيين
وطمأنينتهم يستندان إلى تضحيات رجال وضعوا أرواحهم دفاعاً عن الوطن. كما أن تأكيد
جلالة الملك أن قوة الأردن تكمن في شعبه، وأن رهانه سيبقى على وعي الأردني وحكمته
وإخلاصه، يعكس إدراكاً لأهمية الجبهة الداخلية باعتبارها الركيزة الأساسية في
مواجهة التحديات، وأن قوة الدولة لا تقاس فقط بقدراتها المؤسسية والعسكرية، وإنما
أيضاً بمدى تماسك مجتمعها وثقته بمؤسساته.
ومن الرسائل اللافتة في
الخطاب تأكيد استمرارية الموقف الأردني تجاه القضايا العربية، وفي مقدمتها القضية
الفلسطينية، باعتبارها قضية مركزية لا تنفصل عن أمن المنطقة واستقرارها. فقول
جلالة الملك إنه لا سبيل للأمن والاستقرار في المنطقة دون تلبية حق الشعب الفلسطيني
في أرضه، يحمل تأكيداً واضحاً على أن معالجة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لا يمكن
أن تقوم على تجاهل الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني أو فرض الوقائع بالقوة. كما أن
الإشارة إلى استمرار الكارثة الإنسانية في غزة والاعتداءات في الضفة الغربية
والقدس، والتحذير من الأطماع التوسعية الإسرائيلية، تعكس قراءة أردنية لمخاطر
استمرار الصراع وانعكاساته على مستقبل المنطقة بأسرها.
وتكتسب الإشارة إلى
استمرارية هذا الموقف، كما كان في عهد الملك الحسين بن طلال وسيكون في عهد ولي
العهد، أهمية سياسية ورمزية خاصة؛ فهي تؤكد أن الدفاع عن القضايا العربية، وفي
مقدمتها فلسطين، يمثل أحد ثوابت السياسة الأردنية، وليس موقفاً عابراً تحكمه
الظروف أو المتغيرات. كما تعكس تمسك الأردن بدوره التاريخي والسياسي في الدفاع عن
الحقوق الفلسطينية، وصون المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، ورفض أي تصورات أو
حلول تنتقص من حقوق الشعب الفلسطيني أو تمس المصالح الوطنية الأردنية.
وعلى الصعيد الداخلي،
منح الخطاب مجلس الأمة موقعاً مهماً في معادلة التحديث السياسي، عندما أكد أن
الأمة مصدر السلطات، وأن المجلس ركن أساس في الحياة السياسية، وأن دوره ينبغي أن
يتجاوز الوظيفة التشريعية إلى ممارسة الرقابة على الأداء الحكومي والتعبير عن
المصلحة العامة. وهي رسالة تحمل دلالات واضحة بشأن طبيعة الدور المنتظر من المؤسسة
البرلمانية، في ظل الحاجة إلى تطوير الحياة السياسية وتعزيز الثقة بين المواطن
ومؤسسات الدولة.
ولعل من أكثر العبارات
دلالة في هذا الجانب تأكيد جلالة الملك أن الأردنيين لا ينظرون إلى ما يصدر عن
مجلس الأمة من قوانين فحسب، بل إلى ما يصدر عنه من سلوك وخطاب. فهذه العبارة تضع
الأداء النيابي أمام معيار أوسع من مجرد إنجاز التشريعات، لتشمل مستوى الخطاب
السياسي، واحترام المؤسسة الدستورية، والقدرة على إدارة الاختلاف بصورة مسؤولة.
فالاختلاف في الرأي، كما أكد الملك، يمثل مصدر قوة ما دامت مصلحة الأردن هي
الغاية، وهو ما يعكس أهمية التعددية السياسية والحوار البرلماني، بعيداً عن
الشخصنة والاستعراض والمصالح الضيقة.
وفي المقابل، حمل الخطاب
رسالة مباشرة إلى الحكومة بضرورة الانتقال من مرحلة التخطيط والإعلان عن البرامج
إلى مرحلة الإنجاز والتنفيذ. فدعوة جلالة الملك إلى تسريع إنجاز المشاريع
الاقتصادية الكبرى تعكس أهمية عامل الوقت في تحقيق أهداف التحديث الاقتصادي،
وضرورة إزالة العقبات التي قد تعترض تنفيذ المشاريع الوطنية. فالمشاريع الكبرى لا
تكتسب قيمتها بمجرد الإعلان عنها، وإنما بما تحققه من قيمة مضافة للاقتصاد الوطني،
وما توفره من فرص عمل، وما تسهم به في تحسين مستوى معيشة المواطنين وتعزيز قدرة
الاقتصاد على مواجهة التحديات.
وفي هذا الإطار، تبدو
العبارة التي أكد فيها جلالة الملك أن مصلحة الأردني يجب أن تكون في صلب كل قرار
لا على هامشه، من أبرز العبارات التي تختصر البعد الاجتماعي والاقتصادي للخطاب.
فهي تنقل مفهوم التنمية من الإطار النظري المرتبط بمؤشرات النمو والاستثمار
والمشاريع، إلى الإطار العملي الذي يقاس بمدى انعكاس السياسات على حياة المواطنين
اليومية. فالتنمية الحقيقية، وفقاً لما أكده الخطاب، هي التي يلمس المواطن أثرها
في معيشته وفرصه وتعليمه وعلاجه ومستقبل أبنائه.
وهذا التوجه يضع أمام
الحكومة مسؤولية ترجمة برامج التحديث الاقتصادي إلى نتائج ملموسة، بحيث لا يبقى
النمو الاقتصادي منفصلاً عن معالجة البطالة وتحسين الدخول وتطوير الخدمات العامة
وتوسيع فرص الاستثمار والعمل. كما يؤكد أن نجاح السياسات الاقتصادية لا ينبغي أن
يقاس بحجم المشاريع المعلنة وحدها، بل بقدرتها على إحداث تحسن حقيقي في الظروف
المعيشية وتعزيز الثقة بقدرة المؤسسات على الاستجابة لاحتياجات المجتمع.
وفي سياق الأولويات
الاستراتيجية، أفرد جلالة الملك للأمن المائي مساحة واضحة في الخطاب، مؤكداً أنه
أولوية وطنية لا تقبل المساومة، وموجهاً الحكومة إلى الاستمرار في تنفيذ مشاريع
الأمن المائي ووضع الخطط الاستباقية لحماية الموارد وضمان استدامتها وحقوق الأجيال
القادمة. وتحمل هذه الرسالة أهمية خاصة بالنظر إلى ارتباط المياه بالأمن الغذائي
والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والنمو السكاني، فضلاً عن كونها أحد أبرز
التحديات الاستراتيجية التي تواجه الأردن. ومن هنا، فإن التعامل مع الأمن المائي
لم يعد مسألة خدمية مرتبطة بتوفير المياه للمواطنين فحسب، بل أصبح جزءاً من مفهوم
الأمن الوطني الشامل، ويتطلب تخطيطاً طويل الأمد وتنويعاً لمصادر المياه ورفع
كفاءة إدارتها وحمايتها.
ومن الملفات التي حمل
الخطاب بشأنها رسائل واضحة، ملف الإدارة العامة وسيادة القانون. فقد أكد جلالة
الملك أن الوظيفة العامة ليست تشريفاً يرفع صاحبها عن العمل وخدمة الناس، وأنه لا
حصانة لمن يسيء استخدام منصبه، أياً كان موقعه أو نفوذه. وهي رسالة تعيد التأكيد
على أن المسؤولية العامة تكليف وليست امتيازاً، وأن قيمة المنصب تقاس بمقدار ما
يقدمه شاغله من خدمة وإنجاز، لا بما يمنحه من مكانة أو نفوذ. كما أن التأكيد على
أن القانون لا يعرف اسماً أو منصباً أو نفوذاً يضع مبدأ المساواة أمام القانون
والمساءلة دون استثناء في صلب متطلبات الإصلاح الإداري وتعزيز الثقة بالمؤسسات.
ولا يقل أهمية عن ذلك
ما تضمنه الخطاب بشأن حق المواطنين في التداول بالشأن العام، باعتباره حقاً
مشروعاً يصونه الدستور ويحميه. فهذه الرسالة تؤكد أن المشاركة في النقاش العام
وإبداء الرأي في القضايا الوطنية ليست حكراً على المؤسسات الرسمية، وإنما تمثل
جزءاً من الحياة السياسية والمجتمعية. كما أن تأكيد رحابة صدر الدولة تجاه الرأي
المخلص والمسؤول يعكس أهمية الحوار والاختلاف في بناء مجتمع قادر على التعامل مع
التحديات، شريطة احترام القانون والابتعاد عن الإساءة والتجريح.
وعند قراءة الخطاب
بمجمله، يمكن ملاحظة أنه يقوم على معادلة مترابطة تجمع بين حماية الدولة وتعزيز
منعتها الداخلية، وصون ثوابتها العربية، وتطوير مؤسساتها السياسية والإدارية،
وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية. فالأمن والاستقرار يشكلان قاعدة أساسية
للتنمية، والجبهة الداخلية المتماسكة تمنح الأردن القدرة على التعامل مع التحديات
الإقليمية، فيما تمثل المؤسسات الفاعلة وسيادة القانون شرطاً لتعزيز الثقة وتحقيق
الإصلاح.
كما أن الخطاب يضع مجلس
الأمة والحكومة أمام مسؤوليات متكاملة؛ فالحكومة مطالبة بالتنفيذ والإنجاز وتحسين
الخدمات، والبرلمان مطالب بالتشريع والرقابة والمساءلة، فيما يبقى المواطن محور
السياسات العامة وغايتها الأساسية. ومن هنا، فإن نجاح هذه الدورة البرلمانية لن
يقاس فقط بما ستشهده من تشريعات أو مناقشات، وإنما بمدى قدرتها على تحويل
الأولويات التي أكدها الخطاب إلى نتائج ملموسة يشعر بها الأردنيون.
إن الرسالة الأعمق التي
يمكن استخلاصها من خطاب العرش تتمثل في أن قوة الأردن لا تنحصر في قدرته على
مواجهة التحديات الأمنية والسياسية، بل تتجسد أيضاً في قدرته على تجديد مؤسساته،
وتعزيز سيادة القانون، وتحقيق التنمية، وحماية الموارد الوطنية، وتوفير حياة كريمة
لمواطنيه. فالدولة القوية هي التي تستطيع حماية أمنها ومصالحها، وفي الوقت ذاته
تستجيب لتطلعات شعبها وتمنحه الثقة بالمستقبل.
وفي المحصلة، فإن خطاب
العرش يضع عنواناً واضحاً للمرحلة المقبلة: تحصين الدولة والجبهة الداخلية،
والتمسك بالثوابت الوطنية والعربية، وتسريع مسارات التحديث، وربط الإنجاز الحكومي
بمصلحة المواطن. ويبقى التحدي الأهم هو ترجمة هذه الرسائل والتوجيهات إلى سياسات
عملية وبرامج قابلة للقياس والمساءلة، بحيث لا تبقى مضامين الخطاب في إطار
التوجهات والمواقف، بل تتحول إلى إنجازات حقيقية تنعكس على حياة الأردنيين ومستقبل
وطنهم.





















