شريط الأخبار
"الأونروا".. إجراءات داخلية غير مسبوقة تثير غضب اللاجئين الفلسطينيين الاحتلال والمقاومة اللبنانية على حافة الهاوية: نتنياهو حصلنا على ضوء امريكي اخضر للهجوم على لبنان ملص يطالب النائب طهبوب والوزير البكار بحوار منتج الولايات المتحدة تقرصن ناقلة نفط روسية في الأطلسي ارتفاع أسعار الدخان في الأردن بين 10 الى 20 قرشا الملك وولي العهد يعزيان بوفاة علي ابو الراغب تزايد شكاوى ارتفاع فواتير الكهرباء.. والحكومة تحمل الطقس المسؤولية اصابة 11 اردنيا بحافلة نقل معتمرين بالسعودية المسلماني : فصل الإدارة التنفيذية عن المجالس المنتخبة.. مخاطر تهدد الديمقراطية المحلية الحاج توفيق: القمة الأردنية الأوروبية تعزز الثقة بالاقتصاد الوطني اكسيوس: واشنطن تقترح مكتب ارتباط سوري اسرائيلي امريكي في الاردن.. ومنطقة اقتصادية منزوعة السلاح على الحدود القيادة اليمنية تسقط عضوية الزبيدي “الهارب” لارتكابه “الخيانة العظمى" ترامب يعلن انه سيقرصن 50 مليون برميل نفط فنزويلي مقتل 3 فلسطينيين بجريمة مروعة في شفا عمرو "الارصاد": اجواء مستقرة حتى الجمعة ودخول منخفض جوي ماطر وبارد جدا اعتقال مطلق النار على شخصين في معان مندوبًا عن الملك .. الفراية يشارك في قداس الميلاد للطوائف المسيحية بالتقويم الشرقي إعلان "تفاهمات أمنية ودبلوماسية" بين حكومة الشرع وإسرائيل وخلية اتصال للتنسيق بينهما اصابة شخصين بعيارات نارية في معان.. وفرار الجاني عاجل. السفير الامريكي بزيارة عشيرة الدعجة

حين تُولد فكرة المدن قبل أن تصبح مشروعاً حضريا" فعليا"

حين تُولد فكرة المدن قبل أن تصبح مشروعاً حضريا فعليا


 

بقلم/ م. زيد خالد المعايطة – 

باحث في الاقتصاد والسياسات السلوكية

 

تولد المدن الكبرى غالباً كفكرة قبل أن تولد كمكان، وكحلم يسبق قيام المنشأت، وتوقعات قبل أن تفتح الطرق والشوارع، فعلى الورق تبدو مشاريع المدن الجديدة استجابة منطقية لمشكلات حقيقية مثل الاكتظاظ وارتفاع أسعار السكن وتمركز النشاط الاقتصادي، ولكن التحدي الحقيقي لا يبدأ مع المخططات ولا ينتهي عند اكتمال البنية التحتية، بل يظهر في المسافة بين الفكرة كما تُقدَّم، والمكان عندما يجهز للاستخدام وهل يطابق حاجات ورغبات المستخدمين.

المشاريع الحضرية الضخمة ولا سيما تلك القائمة على استثمارات القطاع الخاص، تجمع أطرافاً مختلفة، من مستثمرين ومطورين وشركات تنفيذ والاهم الاهالي والمشترين في دائرة مصالح مشتركة، مع ان لكل طرف منهم حساباته الخاصة، لكن يفرض التوقيت المشترك على الجميع التريث الحذر قبل الحركة، هذا السلوك لا يعكس ضعف المشروع بل يعكس طبيعة القرارات الجماعية حين تُطرح في مرحلة مبكرة، حيث تصبح الحاجة للتمهل المسبق جزءاً طبيعياً من المشهد الأول لأي مدينة جديدة.

في هذا السياق، لا تكون المسألة مسألة مال أو تخطيط بقدر ما تكون قضية ارتباط بالمكان، فالمدن لا تُقاس فقط بما تعد به، بل بما تسمح للناس أن يتخيلوه لأنفسهم داخلها، فالإنسان لا يتعامل مع المدينة كمخطط هندسي، بل كمسرح لحياته اليومية، وحين تُقدَّم المدينة كتصور مكتمل قبل أن تتشكل تجربتها، تبقى مقنعة على مستوى الفكرة، لكنها بعيدة على مستوى الشعور، فوفقا" لهذا تتشكل حالة الإحساس بالمكان، وهي لا تعني رفض المشروع، بل تعني أن المدينة لم تدخل بعد نطاق الحياة المتخيلة للناس.

تظهر هذه الفجوة بأشكال مختلفة لدى كل فئة معنية، فبالنسبة للمستثمر، قد تبقى المدينة مشروعاً كبيراً بلا سياق مألوف يربط القرار بالواقع العملي، وبالنسبة للمطوّر، تبقى العلاقة بين البناء والحياة غير مكتملة ما دامت الإشارات الاجتماعية مؤجلة، أما الأسر المنتفعة فترى فكرة مدينة جميلة لكنها لا تزال عاجزة عن تخيّل تفاصيل الحياة اليومية فيها، ومسارات أطفالها، وإيقاع أيامها فيها، وفي هذه اللحظة، لا يكون التريث رفضاً، بل انتظاراً لأن يصبح المكان قابلاً للإحساس قبل أن يصبح التزاماً.

تضييق فجوة الإحساس بالمكان لا يتحقق عبر الحملات الدعائية، بل عبر طريقة تصميم المشروع نفسه لبناء نماذج الاستثمار بحيث تُقرّب القرار من الواقع العملي، يصبح الدخول إلى المشروع تدريجياً بدلاً من أن يكون التزاماً كاملاً منذ البداية ويُترجم هذا التدرّج عملياً عبر منح حقوق استخدام طويلة الأمد بدلاً من البيع المباشر، أو عبر ربط المدفوعات بمراحل التشغيل الفعلي، ما يسهّل دخول المستثمرين إلى المشروع ويزيد جاذبيته، لأن نماذج التمويل المتدرجة تقلل كلفة القرار الأولي وتوزع المخاطر على مراحل، ومع اعتماد تطوير مرحلي واضح وقابل للتعديل، يصبح تشغيل الأرض والخدمات قابلاً للتتبع والتقييم في كل مرحلة، بدلاً من الاعتماد على افتراضات نظرية حول الأداء المستقبلي.

 

أما بما يتعلق بتعزيز ارتباط الاسر المنتفعة فان ذلك يعتمد على القدرة على تكوين صورة واضحة عن تفاصيل العيش اليومية، من مواقع المدارس والخدمات إلى طبيعة الأحياء فهذا الوضوح يساعد الأسر على تقييم المدينة كخيار واقعي للعيش، لا كفكرة مؤجلة، كما أن إتاحة إبداء الرأي للفئات التي يُفترض أن تستخدم المدينة قبل تثبيت بعض الخيارات المرتبطة بنمط العيش تجعل هذه الخيارات أقرب إلى الاستخدام الفعلي، ومع التطوير التدريجي يتحول المكان من تصور مخطط إلى واقع يُختبر، ويصبح الإحساس بالمكان ناتجاً عن الاستخدام الفعلي لا افتراضاً يسبق التجربة.

تُظهر تجارب عالمية مختلفة كيف يعمل هذا النهج عملياً، ففي بدايات دبي لم تُقدَّم المدينة كمشهد مكتمل أو كنموذج نهائي للحياة، بل كبيئة مفتوحة للتشكّل والتجربة، حيث سمحت مرونة الأطر التنظيمية وتعدد نماذج الشراكة للمستثمرين والمقيمين بالتأثير في ملامح المكان عبر الاستخدام الفعلي لا عبر الانتظار، فكان المكان يتغير استجابة لما يُستخدم لا لما يُخطط له فقط، وعلى مسار مختلف اختارت منطقة أوريستاد في كوبنهاغن التطوير التدريجي، وإبقاء الفضاءات العامة قابلة للتعديل وفق أنماط الاستخدام التي ظهرت مع الوقت، إذ لم تُفرض الهوية مسبقاً بل تشكّلت مع العيش اليومي، مما جعل الإحساس بالمكان يتكوّن بالتوازي مع نمو المدينة لا بعد اكتمالها عمرانياً.

الخلاصة أن مشاريع انشاء المدن تنجح عندما تُدار كتطوير تدريجي قابل للتقييم، لا كمنتج مكتمل يُطلب القبول به منذ البداية، وتقليص فجوة الإحساس بالمكان عبر نماذج استثمار مرنة وربط التخطيط بالاستخدام الفعلي، مما يجعل قرارات الاستثمار والسكن أكثر واقعية، ويعزز فرص استدامة المدن على المدى الطويل، فالمدينة التي تنمو مع الناس لا أمامهم، تصبح أكثر رسوخاً وأطول عمراً.