شريط الأخبار
مؤسسة الضمان "بطلّت" وتراجعت سريعا عن استطلاع راي المواطنين بتعديلاتها لمن يجرؤ! معهد بحوث الأمن القومي (INSS) : النظام العالمي الجديد وتأثيراته على إسرائيل الضمان الاجتماعي في الأردن: نظام قائم على الثقة لا أداة للتعديل جمعية السلم المجتمعي تحذر من اقرار تعديلات "الضمان" وزيادة الاحتقان الشعبي "تجارة الأردن": كمية كبيرة من زيت الزيتون ستدخل السوق المحلية خلال اسبوع الشيخ يعلن إنشاء مكتب ارتباط خاص بغزة يقوده رئيس وزراء السلطة تقديرات استراتيجية : هل الحرب قادمة؟ أفغانستان: حكومة طالبان تشرع ضرب الزوجات والأطفال في قانون جنائي جديد مسؤول أردني لنيويورك تايمز: الوجود العسكري الأمريكي يأتي في إطار اتفاقيات دفاعية *الأردن يدين تصريحات السفير الأميركي لدى إسرائيل ويؤكد تمسكه بحل الدولتين الاستهلاكية المدنية توقف بيع زيت الزيتون بسبب الازدحامات .. وتعلق ارتفاع أسعار الذهب محليا إلى 103.60 دنانير للغرام السفير الأميركي بتل أبيب: من حق إسرائيل امتلاك الأردن ودول عربية السبت .. أجواء مشمسة ولطيفة في أغلب المناطق وانخفاض ملموس الأحد مندوبًا عن الملك .. ولي العهد يرعى انطلاق المجالس العلمية الهاشمية قانون الضمان لا يمسّ أرقامًا في جداول بل يمسّ استقرار أسرٍ وثقة مجتمعٍ "القدس الدولية": الاحتلال يشن حملة صامتة لتغيير الوضع التاريخي ابالأقصى والهيمنة على وظائف الأوقاف الإسلامية الأردنية نيويورك تايمز": نتنياهو يخدع ترامب ويهود الولايات المتحدة ويضر بمصالح واشنطن في الإقليم القبض على "ازعرين" اعتديا على معاق داخل مقبرة في إربد

الضمان الاجتماعي في الأردن: نظام قائم على الثقة لا أداة للتعديل

الضمان الاجتماعي في الأردن: نظام قائم على الثقة لا أداة للتعديل

 


 

 

بقلم: المهندس نبيل إبراهيم حداد

 

في ظل النقاشات الأخيرة حول التعديلات المقترحة على نظام الضمان الاجتماعي في الأردن، هناك مبدأ جوهري يوشك أن يتم تجاهله: إن نظام الضمان الاجتماعي ليس مجرد برنامج حكومي، بل هو إطار تعاقدي قائم على الثقة بين المشتركين والمؤسسة التي تحفظ حقوقهم.

في جوهره، يمثل نظام الضمان الاجتماعي التزامًا ماليًا وقانونيًا طويل الأمد. فالمشتركون من موظفين وأصحاب عمل وأفراد يدفعون اشتراكات من دخلهم على مدى عقود، انطلاقًا من توقع واضح: أن حقوقهم ومنافعهم واستحقاقاتهم ستُحفظ وفق النظام الذي التحقوا به. هذه العلاقة ليست تقديرية، بل هي اتفاق ضمني يعززه القانون وتدعمه الثقة.

 

طبيعة العقد في الضمان الاجتماعي

على خلاف آليات التمويل العام القائمة على الضرائب، فإن اشتراكات الضمان الاجتماعي لا تُعد إيرادات حكومية بالمعنى التقليدي، بل هي حقوق مؤجلة، مكتسبة، ومتراكمة ومحمية. كل اشتراك يعكس وعدًا: بأنه عند التقاعد أو العجز أو تحقق شروط الاستحقاق، سيحصل المشترك على منافع محسوبة وفق إطار معروف ومستقر.

إن أي تعديل أحادي الجانب على هذا الإطار خاصة إذا مسّ الحقوق المتراكمة أو غيّر آليات الاستحقاق يثير إشكاليات قانونية وأخلاقية عميقة، لأنه يعني تغيير شروط الاتفاق بعد أن يكون أحد الأطراف قد أوفى بجزء كبير من التزاماته.

وهذا ليس مجرد نقاش تقني، بل هو مسألة مصداقية مؤسسية.

 

دور الحكومة: حامٍ لا مالك

بموجب القانون الأردني، يجب أن يُفهم دور الحكومة تجاه مؤسسة الضمان الاجتماعي على أنه دور تنظيمي وحمائي، وليس دور المالك أو صاحب القرار الأحادي. فالأموال في هذا النظام تعود للمشتركين، والحكومة مسؤولة عن ضمان الحوكمة، والشفافية، والسلامة الاكتوارية، وحماية الأموال من سوء الإدارة لا عن إعادة تعريف قواعد النظام وفق اعتبارات مالية أو سياسية.

وعندما تبدأ الحكومات بالتعامل مع أموال الضمان الاجتماعي كامتداد للمالية العامة، فإن ذلك يخلق سابقة خطيرة، تمحو الحدود بين الأموال المحمية للمشتركين والموارد التي تتحكم بها الدولة، مما يهدد أساس النظام ذاته.

 

تجاوز مؤسسي خطير في مسار التعديلات

يُضاف إلى ذلك إشكال جوهري في آلية طرح التعديلات نفسها. فمؤسسة الضمان الاجتماعي، بحكم طبيعتها القانونية، لا تملك الصلاحية لإحالة تعديلات على قانون الضمان إلى مجلس النواب بشكل مباشر أو غير مباشر باعتبارها جهة صاحبة مصلحة تنفيذية وليست جهة تشريعية.

إن ما يجري من تمرير التعديلات عبر المؤسسة يثير تساؤلات جدية حول سلامة المسار المؤسسي، ويعكس في نظر كثيرين محاولة حكومية للالتفاف على الطبيعة التعاقدية للنظام، وتمرير تعديلات تمس حقوق المشتركين من خلال قنوات تبدو فنية أو إجرائية، لكنها في جوهرها تحمل أبعادًا سياسية وتشريعية.

هذا النهج، إن صح، لا يُضعف فقط مصداقية المؤسسة، بل يضعها في موقع يتعارض مع دورها الأساسي كجهة حامية لحقوق المشتركين، لا كأداة لتمرير سياسات تمس هذه الحقوق.

 

التعديلات بأثر رجعي

إن تعديل أنظمة الضمان الاجتماعي ليس أمرًا مرفوضًا من حيث المبدأ فالتطوير ضروري لضمان الاستدامة. لكن الإشكالية تكمن في كيفية تطبيق هذه التعديلات.

فالتعديلات المستقبلية التي تُطبق على المشتركين الجدد أو على الاشتراكات المستقبلية يمكن تبريرها ضمن سياسة واضحة وشفافة. أما التعديلات بأثر رجعي التي تمس المشتركين الحاليين وحقوقهم المتراكمة، فهي تمثل خرقًا للثقة.

وهذا يترتب عليه آثار بعيدة المدى:

تآكل الثقة: يبدأ المشتركون بالتشكيك في استقرار حقوقهم طويلة الأمد

انخفاض الالتزام: قد يسعى الأفراد وأصحاب العمل لتقليل تعرضهم لنظام غير مستقر

تشوه اقتصادي: تصبح خطط التقاعد والاستثمار طويلة الأجل غير واضحة أو مضمونة

وبذلك يتحول النظام من شبكة أمان مستقرة إلى أداة سياسات متغيرة.

 

الأبعاد القانونية والحوكميّة

من منظور الحوكمة وإدارة المخاطر، فإن تعديل شروط الضمان الاجتماعي بأثر رجعي يُدخل مخاطر نظامية على مستوى الدولة، لأنه يمس مبادئ أساسية مثل:

اليقين القانوني

حماية الحقوق المكتسبة

استقلالية المؤسسات

إن أي نظام ضمان اجتماعي فعّال يجب أن يتمتع بدرجة عالية من الحماية من الضغوط السياسية قصيرة الأجل، وأن يُدار بمنطق الأمانة تجاه المشتركين، لا بمنطق التحكم الإداري المرتبط بالاعتبارات المالية.

 

دعوة إلى الانضباط واحترام النظام

يمر الأردن بمرحلة تتسم بضغوط اقتصادية قد تدفع بعض صناع القرار للبحث عن مرونة في الأنظمة القائمة. لكن في مثل هذه اللحظات، يكون الانضباط في الحوكمة هو الأكثر أهمية.

يجب التعامل مع نظام الضمان الاجتماعي كمؤسسة محمية، قائمة على عقد اجتماعي واضح. وأي إصلاح يجب أن يلتزم بالمبادئ التالية:

1. عدم المساس بالحقوق المكتسبة بأثر رجعي

2. الشفافية الكاملة وإشراك أصحاب المصلحة

3. الاستناد إلى دراسات اكتوارية ومراجعات مستقلة

4. الفصل الواضح بين أموال الضمان والمالية العامة للدولة

5. الالتزام بالمسار الدستوري السليم في أي تعديل تشريعي دون الالتفاف عبر الجهات التنفيذية

وأي تجاوز لهذه المبادئ يهدد ليس فقط النظام، بل ثقافة الثقة بين المواطن والمؤسسات.

 

الخاتمة

إن نظام الضمان الاجتماعي في الأردن ليس مجرد آلية مالية، بل هو ركيزة من ركائز الاستقرار الاجتماعي والثقة بين الأجيال. والتعامل معه خارج إطار مبادئه الأساسية يضعف هذه الركيزة. واجب الحكومة ليس إعادة تشكيل النظام وفق الحاجة، بل حمايته بأمانة وشفافية وضمن حدود القانون. فحماية الضمان الاجتماعي هي في جوهرها حماية للثقة، والكرامة، ومصداقية الدولة.