شريط الأخبار
مؤسسة الضمان "بطلّت" وتراجعت سريعا عن استطلاع راي المواطنين بتعديلاتها لمن يجرؤ! معهد بحوث الأمن القومي (INSS) : النظام العالمي الجديد وتأثيراته على إسرائيل الضمان الاجتماعي في الأردن: نظام قائم على الثقة لا أداة للتعديل جمعية السلم المجتمعي تحذر من اقرار تعديلات "الضمان" وزيادة الاحتقان الشعبي "تجارة الأردن": كمية كبيرة من زيت الزيتون ستدخل السوق المحلية خلال اسبوع الشيخ يعلن إنشاء مكتب ارتباط خاص بغزة يقوده رئيس وزراء السلطة تقديرات استراتيجية : هل الحرب قادمة؟ أفغانستان: حكومة طالبان تشرع ضرب الزوجات والأطفال في قانون جنائي جديد مسؤول أردني لنيويورك تايمز: الوجود العسكري الأمريكي يأتي في إطار اتفاقيات دفاعية *الأردن يدين تصريحات السفير الأميركي لدى إسرائيل ويؤكد تمسكه بحل الدولتين الاستهلاكية المدنية توقف بيع زيت الزيتون بسبب الازدحامات .. وتعلق ارتفاع أسعار الذهب محليا إلى 103.60 دنانير للغرام السفير الأميركي بتل أبيب: من حق إسرائيل امتلاك الأردن ودول عربية السبت .. أجواء مشمسة ولطيفة في أغلب المناطق وانخفاض ملموس الأحد مندوبًا عن الملك .. ولي العهد يرعى انطلاق المجالس العلمية الهاشمية قانون الضمان لا يمسّ أرقامًا في جداول بل يمسّ استقرار أسرٍ وثقة مجتمعٍ "القدس الدولية": الاحتلال يشن حملة صامتة لتغيير الوضع التاريخي ابالأقصى والهيمنة على وظائف الأوقاف الإسلامية الأردنية نيويورك تايمز": نتنياهو يخدع ترامب ويهود الولايات المتحدة ويضر بمصالح واشنطن في الإقليم القبض على "ازعرين" اعتديا على معاق داخل مقبرة في إربد

لمن يجرؤ!

لمن يجرؤ!

كتبت: تمارا خزوز

 

انسحاب الأقليات من المجال العام… هل هو خيارٌ عقلاني، أم تردّدٌ محسوب، أم استسلامٌ صريح أمام هيمنة الأغلبية الغوغائية؟ وكيف سيكون شكل المجتمع حين يختار عقلاؤه الصمت؟

الأقلية التي أقصدها هنا ليست أقلية دينية أو عرقية أو طبقية، وليست نخبوية بالمعنى التقليدي، بل أقلية تحاول أن تقول ما لا يريد المزاج العام سماعه، وتتصادم مع المألوف. ويصبح الانقسام هنا ليس هوياتيًا، بل فكريًا وسلوكيًا.

والمفارقة أنه وفق هذا المنطق، قد يصبح من ينتمي إلى أقلية هوياتية جزءًا من الأغلبية المتغوِّلة حين يتبنى خطابها وأدواتها. فمن يُضّطهد بسبب هويته في مكان ما، قد يتحول إلى مُضّطهِد بسبب سلوكه وموقفه في مكان آخر.

في المقابل، لا تنتصر هذه الأغلبية لأنها تملك الحقيقة، بل لأنها تملك الأدوات: القدرة على التحشيد والتجييش، وصناعة الاتهام، وإثارة العواطف عبر اللعب الدائم على ثنائية المخاوف والأحلام. وبهذا المعنى، لا يعود المختلِف مجرد صاحب رأي، بل يتحول إلى مادةٍ للاستباحة. والأخطر أن هذه الأغلبية لا تحتاج إلى منظومة فكرية متماسكة؛ يكفيها أن تتفق على خصم واحد، أو فكرة واحدة، أو وسيط واحد، أو شرارة واحدة، لتتحول إلى كتلة عدوانية متجانسة.

وهل يوجد وسيطٌ أكثر مثالية لهذا التغوّل وهذه الهيمنة من منصات التواصل الاجتماعي؟ تلك المنصات التي كان من المفترض أن تُحدث تحوّلًا اجتماعيًا هائلًا، بوصفها شبكات للتواصل الفوري، ومساحات للاستقلال الذاتي للأفراد، ومجتمعًا للمعرفة والمعلومة. لكنها تحولت، سواء بفعل فاعل أو كنتيجة طبيعية لما تنضح به المجتمعات، إلى وسيط للتحشيد، ومنصة للاستقطاب، وبيئة للتطرف، ومصنع لخطاب الكراهية، وأداة للتضليل السياسي والإعلامي.

في هذا المناخ، لا تنسحب الأقليات لأنها تفتقر إلى خطابٍ عقلاني متماسك، بل لأنها تدرك أن امتلاك مثل هذا الخطاب يعني دفع ثمنٍ باهظ قد يصل إلى درجة الاستباحة، خاصةً أنها فشلت في بناء "حاضنة" تشبه حواضن الأغلبية المهيمنة. فالأغلبية ليست أقوى لأنها أذكى، بل لأنها أكثر تنظيمًا، وتلتقي غريزيًا على المشترك. أما الأقليات الفكرية فغالبًا ما تتحرك بشكل فردي، دون مشروع واضح، ودون قيادة، ودون خطاب موحد، ولهذا حين تُستباح لا تجد من يحميها.

وبصرف النظر عن شكل الانكفاء والانسحاب الذي تختاره الأقليات، وسواء صُنِّف بوصفه حكمةً وعقلانية، أو جُبنًا واستكانة، أو خيارًا بالخلاص الفردي، تبقى الحقيقة واحدة: أن ساحة تشكيل الرأي والوعي وإنتاج المعرفة وإعادة صياغة المفاهيم تُركت لأغلبيةٍ متغوّلة تملك القدرة على تحويل أي رأي مخالف إلى تهمة.

وهكذا لم يكن هذا الترك مجرد انسحاب، بل تفويضًا غير معلن للأغلبية كي تتوحش أكثر. أغلبية لا تكتفي بالرفض، بل تمارس الإلغاء: تنمّر، شيطنة، تخوين، تسفيه، تحريض، ومحاكمات لا تتوقف.

لم تكن معارك التحديث يومًا آمنة. فمنذ عصر النهضة العربية، خاضت النخب التنويرية معارك باهظة الكلفة لتجديد المناهج، وتحرير المرأة، وتنقيح التراث الديني: من طه حسين، إلى قاسم أمين، إلى محمد عبده وغيرهم. ثم جاءت بعدها معارك حقوقية وتحررية لا تقل شراسة، ارتبطت بحرية الرأي والتعبير، وقوانين الأحوال الشخصية، والدفاع عن الدولة في مواجهة الطائفية، وغيرها من المعارك التي امتدت إلى وقت قريب.

أما اليوم، وفي زمن يُفترض أنه أكثر انفتاحًا وتطورًا، تبدو الصورة قاتمة، والمعارك باهتة، والناس أقل استعدادًا لخوض معارك مشابهة، لا لأنها تفتقر إلى المعرفة، بل لأنها تخشى الكلفة، وتُدرك أن المجال العام لم يعد ساحة نقاش، بل ساحة إسقاط.

للأسف، من سيدفع الثمن هو الأقليات والدولة معًا؛ الأولى بتنازلاتها الفكرية والأخلاقية، وبعجزها عن الدفاع عن أسلوب حياتها وحقها في الاختلاف. والثانية لأن تغوّل الأغلبية الشعبوية لم يبقَ في حدود التشويش الرقمي، بل بدأ يؤثر في القرار العام. فأصبح القرار المؤسسي الذي يُفترض أن يُبنى على العلم والعقل يصطدم بحسابات أمنية وسياسية قائمة على مزاج الأغلبية. وهنا تصبح الدولة، بدل أن تكون ضامنًا للتوازن، أسيرة لمنطق "حساسية الوقت"، فتتحول الشعبوية إلى صانعة سياسات.

هنا لا يبقى سوى سؤال واحد: من يجرؤ على فتح هذه الجبهة؟

 

·       نقلا عن منصة "نقطة"