هذا الكاوبوي القادم من الشمال الذي أراد حبس الريح
د. لينا الطبال
يقولون ان القوة في البدء كانت فكرة، ثم
صارت عضلات، ثم حولها دونالد ترامب الى بلطجة وقحة… تحكي الأسطورة عن رجل اشقر
الشعر كان يملك مطحنة، وبدل أن ينتظر هبوب الريح للعمل، قرر أن يمتلك الريح نفسها.
بنى حول المطحنة أسوارا عالية، وأصدر مرسوما يمنع الهواء من الهبوب إلا بإذن منه.
في النهاية مات الزرع، وجاع الناس، وظلّ صاحبنا فوق أسواره ينتظر رياحا لن تأتي
أبدا.. لأن الريح، ببساطة، لا يُمكن اعتقالها.
الهواء كان هادئا في كاراكاس لكن
الرائحة فاضحة، فبعض اشكال الهيمنة لا تحتاج إلى رياح كي تنتشر.. هي تلوّث المكان
وتبقى عالقة فيه. يومها صرخ هوغو تشافيز بقرف على منبر الأمم المتحدة: "ما زالت
رائحة الكبريت هنا! ” صرخته هذه بوجه إمبراطورية أينما حلت تترك ورائها الرماد
والبارود و الكبريت…
نعم، اميركا التي تحتكر الهواء، لا
تخلّف إلا الخراب.. هكذا تعمل الإمبراطوريات: تخنق وتعتقل ثم تُعلن أن ما يحدث هو
حرية… امريكا هي الوحش الداشر المبتسم، يدها دائما تفتش في جيوب الفقراء…
ثم جاءنا دونالد ترامب. المقاول الذي لا
وقت لديه لمناورات احتكار الهواء الدبلوماسية المملة. هو يريد الصفقة. وبمنطق
سمسار العقارات… قرر أن فنزويلا هي منجم ذهب يسكنه أناس مزعجون.
خرق ترامب كل قواعد اللعبة. أسقط ورقة
التوت عن النظام العالمي وقرر فجأة أن نيكولاس مادورو هو مطلوب للعدالة. هكذا
ببساطة! حوّل السياسة الدولية الى "وسترن” و ملصق "مطلوب حيا أو ميتا.. والمكافأة
15 مليون دولار.. 40 مليون دولار”… لا يهم ! .
حاولت الامبرطورية خنق النظام في
فنزويلا بـ "قانون قيصر” اللاتيني، صادرت بموجبها أصول الدولة المودعة في لندن،
وجمدت حساباتها في نيويورك، ثم انتظرت أن يسقط نظام مادورو، كما تسقط ثمرة
الغوانابانا في فنزويلا عند نضوجها.
واليوم تحاول إقناع العالم بأن مشكلة
فنزويلا تختصر في شخص مادورو. لكن جوهر الخلاف أعمق من ذلك. المشكلة أن فنزويلا
ترفض أن تؤدي دور محطة وقود مجانية، وأن تضع ثروتها النفطية في خدمة المصالح
الأميركية بلا شروط ولا سيادة.
يسخرون من طوابير الخبز في كاراكاس!
متناسين أنهم هم من حاصروا لقمة عيش الفنزويليين، وأقاموا حولها شبكة من العقوبات.
يتحدثون عن حقوق الإنسان! فيما تمنع قراراتهم وصول الدواء والغذاء إلى المدنيين،
وتركوا أطفال كاراكاس بلا علاج. ثم يسمي ترامب هذا الخنق الاقتصادي على أنه دفاع
عن القيم والحري!.
استهداف مادورو يقدم ضمن سياسة تقوم على
تأديب الدول التي تخرج عن الإرادة الأميركية: أي سلطة ترفض الانصياع ستُعامل ككيان
خارج عن القانون، وسيُلاحق قادتها كما لو كانوا مجرمين، بغض النظر عن شرعيتهم
الداخلية أو حجم التأييد الشعبي الذي يحظون به… الشرعية تُقاس فقط بخطوط الطاعة
السياسية والاقتصادية المفروضة من الخارج.
في النهاية، قد يملك الكاوبوي الأقمار
الصناعية، وحاملات الطائرات، ومفاتيح البنوك الدولية، لكنه يفتقد لشيء واحد: كرامة
الجوعى، هذه الشعوب التي لا ترهبها التهديدات لأنه لم يعد لديها ما تخسره، فنبض
الشعوب يا سادة لا يخضع للـ "سويفت”!
فنزويلا اليوم هي مختبر لإرادة الشعوب
التي ما زالت قادرة على الوقوف في وجه منطق السوق العاري. هنا لا يدور الصراع حول
مادورو أو اسمه… السؤال أبسط وأخطر: من يقرر مصير بلد يملك ما يشتهيه
الأقوياء؟
من يملك الحق في خنق شعب كامل ليختبر
نتيجة سياسية؟ أسئلة لا تُطرح كثيرا، لأنها تقود إلى إجابة غير مريحة !
أجل، حين يواصل الناس المشي، الأكل،
الغضب، والحياة، رغم كل شيء… تسقط القوة.
القوة تكره هذا النوع من الصمود. تفضل
الانهيار السريع، النهاية السهلة. لكن الشعوب عنيدة. لا تموت في التوقيت المطلوب..
وربما في هذا التأخير، في هذا الإصرار غير الرومانسي، يبدأ الخلل الأول في آلة لا
تعرف إلا كيف تضغط…
في كاراكاس، كما في أماكن أخرى، تحاول
الإمبراطورية أن تثبت أن القوة كافية، لكن رائحة الكبريت لا تختفي بسهولة. هي
تلاحق من يستخدم القوة المفرطة.
شافيز، موراليس غوستافو فرانسيسكو،
وحركات القاعدة الشعبية لم يهزموا الأسد بالقوّة، انما بفضح اللعبة، وبكسر الوهم
القائل إن القفص أبدي.. وقد قالها تشي غيفارا بوضوح: لنحلم قليلا… يجب خلق الكثير
من فيتنام حتى تشتت الامبريالية قواها.
القوة اليوم تملك شعراََ اشقرا وبطناََ
منتفخاََ.. تمشي. تضحك. تظن نفسها خالدة. لكن هذا هو الخطأ دائما. عندما تثق
بنفسها أكثر من اللازم، تبلغ الذروة وتبدأ نهايتها.. الذروة هي حافة الانهيار.
تعثّر صغير.ثم آخر… والباقي نعرفه. لا يوجد إلا الانزلاق… الباقي سقوط طويل…
التاريخ مليء بهذه اللحظات، لكنها لا تُرى إلا بعد فوات الأوان.…
الشعوب العربية ليست أقل وعيا. ولا أقل
شجاعة. لكنها مدعوة إلى النظر خارج القفص. إلى تجارب انتزعت الخوف من صدور الناس …
آن للشعوب العربية أن تصحو اليوم وليس
غدا. الآن!.. من شوراع وازقة طرابلس الى ازقة وشوارع كاراكاس التي تشبهها أكثر مما
يُقال.. إلى أبعد مدينة عربية على الهامش، القصة واحدة.
في أفينيدا بوليفار وفي أحياء كاتيا
وبيتاري في كاراكاس، أسماء بعيدة لكنها هنا في طرابلس أيضا، في القبة وباب التبانة
والزاهرية والسويقة لكن بلهجة أخرى.. هناك حصار. عقوبات. إهمال. تجويع. وقتل بارد…
ما يجري لا يمكن تسميته انه فشل لادارة
او لحكومة، الفقر هنا سياسة. سلاح يُستخدم لكسر الإرادة، لتجفيف الغضب، ولإقناع
الناس أن لا بديل لديهم… هم يقنعون الناس ان الفقر هو قدر عليهم الايمان به والسير
نحو الموت بفقر وبذلّ…
لكن الفقر لم يكن يوما ما قدر. ولا لعنة
سماوية. لا يا أصدقاء…الفقر هو قرار! هو سياسة قذرة في الواقع.. هو سلاح بارد، لا
يترك دما على الأرض، لكنه يترككم فارغين. يريدونكم أن تعتادوا. أن تقولوا هذا
نصيبنا. وهذا أخطر ما في الأمر…
على شعب طرابلس، وعلى الشعوب العربية
كلها، أن تنظر إلى هذا المد في كاراكاس، وفي شوارع العالم. لا لتقلده، لكن لتفهمه!
أن تسير في ركبه ضد مشروع الإمبريالية، وضد التطبيع الذي يُقدم لكم كحل وهو في
الحقيقة حصار آخر. وتجويع آخر. وقتل بطيء لأطفالكم. وتجفيف لموائدكم. وتفقير منظم
لمستقبلكم.
الفرق لا تصنعه الأنظمة وحدها، ولا يسقط
من السماء. تصنعه الشعوب أيضا. حين تتوقف عن انتظار الإذن… أيها الشعوب انتم
الرياح الذي لا يستطيع المُستعمر حبسها! !
هذا المقال ليس عن معجزات تسقط من
السماء… ولا لإعطائكم دروسا رومانسية، او توزيع أحلام وردية صالحة للاستهلاك
السريع… هذا المقال لا يعدكم بالخلاص، ولا يبيعكم السعادة في علبة أنيقة ملفوفة
بشريط احمر. هذا المقال يذكر فقط بحقيقة بسيطة… آن للشعوب العربية أن تصحو. ليس
لأن الفجر جميل، لكن لأن النوم صار مؤذيا.. ومهينا.
من يتأخر في الاستيقاظ، يعيش عمره كاملا
داخل حلم لا يخصّه، ثم يستيقظ متأخرا… في زنزانة الواقع.
اكاديمية و باحثة – باريس














