الحرب على ايران، الكرامة والفلسفة : افكار للنقاش (٣)
د حيدر البستنجي
العقل المؤدلج مقيد
بطبيعته بمنظومة أفكار مسبقة تمنعه من رؤية الواقع بموضوعية، حيث يختلط الواقع
بالأحلام والأوهام والرغبات ، مما يشله عن النقد والتحليل الحر. هذا العقل يجمد
"الثوابت" ويحجر "المتحولات"، مقدماً الهوى على الحقيقة. لا
يعمل العقل المؤدلج عادة بكامل طاقته، فالأفكار الجاهزة والمعلبة تؤثر
على حرية الفكر بدرجات متفاوتة، فما بالك بنظام كامل يقوم على غيبيات الصبر
التاريخي ، ولاية الفقيه وانتظار عودة المهدي الذي سيخرج من السرداب ..! ربما ورثت
ايران الملالي بعضا من دهاء الفرس التاريخي وحكمتهم ، و كذلك دبلوماسية
الصبر الدؤوب المنسوجة كالسجاد الإيراني الفاخر ،مع عداء عقائدي للغرب
واعتداد بالنفس ، شعب شاب يفوق المئة مليون وبلاد شاسعة وغنية ولكنها بالرغم
عن كل الهبات الطبيعية ستقف عاجزة امام الجبروت الأمريكي الذي عزلها عن اذرعها
وامتداداتها وقطع اذرعها واحدا واحدا وتركها وحيدة تواجه خيارات محدودة إما
التنازل او الحرب.
يرى العالم الإقتصادي
والمؤرخ الإيراني محمد كاتوزيان أن الإيراني بطبعه معارض شرس لحكوماته عبر
التاريخ، لكنه لا يملك بديلاً عنها وعند الخطر يلتف على حكومته مهما كان
معارضاً وينفي امكانية حدوث انقلاب مجتمعي اثناء العدوان و بالرغم من
ان الإيرانيون من أكثر شعوب المنطقة "تغرّباً" (نسبه إلى الهوى الغربي )
إذ تشير الإحصائيات إلى أنهم أكثر شعب ينظر للولايات المتحدة بنظرة إيجابية رغم
الحصار الطويل،بالرغم من ذلك فالإيراني كائن فخور بتاريخه، بتراثه
ولغته ايضا ولديه شعور وطني هائل ، فهو يرى نفسه وريث أقدم إمبراطورية في العالم،
وينظر إلى بلده باعتبارها مركز الكون، أو كما يسمونها "قبلي عالم" .
يحفظ الإيراني العادي قصص الملاحم الفارسية القديمة ويرددها بفخر
ولا تكاد تتحدث مع إيراني إلا ورماك بأبيات من الشعر القديم و حتى سائق
الأجرة قد يسمعك نصاً من قصيدة "الشاهنامه"، وهي ملحمة أسطورية
تمجد قصص الأكاسرة والساسانيين قبل الإسلام.
السلطات الإيرانية تدرك
أن نموذجها الشيعي المتشدد لم يتعمق داخل المجتمع الإيراني كما تريد، لذلك لجأت
منذ مدة إلى بعث الشعور القومي الإيراني وربطه بالدفاع عن الوطن واعادة الاعتبار
لتجربة مصدق في تحدي الشاه والغرب معا دفاعا عن المصالح القومية الإيرانية.
كانت لحظة الحقيقة بعد صدمة حرب الإثني عشر يوما قبل شهور واكتشاف الفجوة
الهائلة بين القدرات الفعلية واللفظية بين قدرات الغرب التكنولوجية الهائلة
وهشاشة الدفاعات الجوية ومحدودية القدرة على الرد عبر الأذرع الهشة ، نعم
تملك ايران قدرة هائلة على الصمود نظراً لإتساعها الجغرافي والبشري وعمقها الحضاري
ولكن ذلك يتحقق فقط بالإلتفاف الشعبي حول القيادة ، وهو ما دفع المرشد
السابق ، إلى العودة في خطابه خلال حرب 2025 مع إسرائيل، إلى نشيد خاص جدا
يعود إلى فترة الأربعينيات، يحمل عنوان "يا إيران". يقول هذا النشيد:
"يا إيران، أيتها الأرض المرصعة بالجواهر.. يا من ترابك منبع كل
الفضائل.. و يا عدوي، إن كنتَ صخرًا، فأنا من حديد روحي فداءٌ لتراب وطني
الطاهر" نشيد قومي بامتياز دون اي غلاف ديني او عقائدي، في
محاولة ل جمع الشعب الإيراني حول "القومية التوحيدية" التي تجمع بين
إيران ما قبل الإسلام وإيران ما بعد الإسلام، في ازاحة تدريجية وان لم تكتمل بعد
عن إيران الثورة الإسلامية المصدرة للخارج كما كانت طوال أكثر من 40 عاما.هذه
الإزاحة غير المكتملة بسبب ظروف الحرب وجدت لها صدى في الشارع الإيراني كما خلقت
ايضا تيارات معارضة من الحرس القديم في حالة من الاستقطاب غير المحسوم بعد وترتبط
بشكل كبير بمراجعات مهمة مثل فكرة تصدير الثورة وخلق الأذرع الموالية
واللعب على وتر التشيع التاريخي والتي ثبت فشلها وعم قدرتها على الدفاع عند
الحاجة وما بعد الحرب الحالية ليس كما قبله والأيام حبلى بالتغيير ولا غالب إلا
الله (يتبع

























