شريط الأخبار
"وول ستريت جورنال": إسرائيل استهدفت خط إمداد روسي إيراني في بحر قزوين لأول مرة الأردن يرفض تمديد إقامة دبلوماسي إيراني وفاة ثلاثة أطفال اثر حادث غرق في منطقة الكريمة بمحافظة إربد الحكومة للمواطنين: مخزون الطاقة والسلع الاساسية مطمئن ولا تستمتعوا للشائعات مسؤول إيراني: الرد على المقترح الأمريكي ليس إيجابيًا، لكننا ما زلنا ندرسه وقف تصدير البندورة والخيار لخفض اسعارها "الفوسفات" تؤكد استمرارية سلاسل الإمداد والإنتاج بكفاءة عالية وزير الخارجية: لا قواعد عسكرية اجنبية في الاردن الصفدي: فصائل عراقية استهدفت الاردن باعتداءات العيسوي: الملك يقود الأردن بثبات في مواجهة التحديات ويرسخ نهجاً سيادياً يحمي الاستقرار ويعزز مسبرة التحديث الشامل أكسيوس: إيران تشك بمساعي ترامب لمحادثات السلام وانها "خدعة أخرى" المياه: تواصل حملاتها لضبط اعتداءات المياه في الزرقاء تجارة الأردن": المواد الغذائية متوفرة بالسوق المحلية وبكميات واشنطن بوست: صواريخ إيران تخترق الدفاعات الإسرائيلية واهتزاز الثقة بالصواريخ الاعتراضية الجيش: استهداف أراضي المملكة بـ5 صواريخ ومسيرة خلال الــ24 ساعة الماضية طقس العرب يحذر: انخفاض جوي يقترب وحالة من عدم الاستقرار اليوم في الأردن الخط الحديدي الحجازي يحذر: تجنبوا عبور الجسور خلال المنخفض الجوي وزارة البيئة تطلق حملة واسعة لتعزيز النظافة في إربد خلال عطلة عيد الفطر كلية الهندسة تتوج بلقب النسخة الثانية من مسابقة "بنك المعلومات" في جامعة عمان العربية ارتفاع أسعار الذهب محليًا 2.9 دينار للغرام

في زمن الحرب، تبدأ المسؤولية العربية من ضبط النفس

في زمن الحرب، تبدأ المسؤولية العربية من ضبط النفس

 


 

بقلم: المهندس نبيل إبراهيم حدّاد*

في هذه المرحلة من الحرب، من الحكمة أن يمتنع العرب عن تبادل الاتهامات لمجرد اختلاف قراءاتهم لما يجري. فليس كل اختلاف خيانة، وليس كل موقف متحفظ ضعفًا، وليس كل تصريح محسوب دليلًا على التراجع أو الاستسلام. ففي لحظات الخطر، لا تبدد الأمم الجادة طاقتها في الخصومات الداخلية، بينما العدو الحقيقي يراقب، ويحسب، وينتظر أن يستفيد من كل شقاق.

والمشكلة في الأصل ليست في أولئك الذين يعرفون القليل ولا يضيفون إلى الفضاء العام إلا مزيدًا من الضجيج. فهذه الأصوات كانت موجودة دائمًا، وغالبًا لا تقدم سوى التشويش. إنها توسع الفجوة بين المواطنين العاديين، وتثير الانفعال بلا فهم، وتخلط بين رد الفعل والانحياز وبين التحليل الرصين. وأثرها، وإن كان مضرًا، يبقى محدودًا نسبيًا.

لكن الخطر الأكبر يأتي من فئة أخرى: فئة تقدم نفسها على أنها من الكتّاب أو المتحدثين أو المحللين، ثم تعمد إلى إحياء قضايا قديمة وخلافية، وزجّها في قلب الأزمة الراهنة. وقد رأينا ذلك لا ضد دول الخليج فحسب، بل ضد الأردن أيضًا. ورأينا من يعيد فتح ملفات حساسة، ويبعث جدالات موروثة، بل ويذهب إلى حد ربط النكبة الفلسطينية بأصول شخص أو عائلة. وهذا ليس تحليلًا جادًا، ولا كتابة مسؤولة، بل تهور سياسي يتخفى في ثوب التعليق والرأي.

فالكاتب الحكيم لا يؤجج التوتر، بل يعمل على احتوائه. ودوره أن يخفف من السالب لا أن يضاعفه، وأن يجعل من المحايد أمرًا بنّاءً لا أن يحوله إلى مصدر جديد للعداء. وهو يدرك أن الكلمة في زمن الحرب ليست لعبة، وأن إساءة استخدامها قد تفتت المجتمع من داخله. إن واجب الكاتب المسؤول ليس أن يصب الزيت على كل خلاف، بل أن يحمي التماسك الاجتماعي، ويصون الوضوح، ويرفع مستوى الوعي العام.

وتزداد أهمية ذلك في بيئتنا الحالية، حيث حوّل بعض العرب الهاربين قنوات اليوتيوب والمنصات المشابهة إلى ساحات للتحريض والبلبلة. فهم يخلطون أجزاء من الوقائع بطبقات من الانحياز الشخصي، ويقدمون الرأي على أنه حقيقة، ويسوقون الارتباك على أنه بصيرة سياسية. والمواطن العادي، المثقل أصلًا بالخوف والقلق والانفعال، يصبح أكثر عرضة للتأثر بهذا التشويه المصنوع. وما يُقدَّم أحيانًا على أنه "جرأة في قول الحقيقة” لا يكون في كثير من الأحيان إلا تحيزًا ملبسًا بلغة درامية.

والخطر هنا ليس فكريًا فقط، بل استراتيجي أيضًا. فالعدو الحقيقي والمكشوف يستفيد إلى أبعد الحدود من هذا السلوك. ولا يوجد خصم خارجي ينزعج من الفوضى العربية الداخلية، بل على العكس، هو يرحب بها، بل ويبحث عنها. إنه يريد رأيًا عامًا مشتتًا، وخطابًا ممزقًا، وبيئة مسمومة، واضطرابات محلية تنشأ من الداخل لا تُفرض من الخارج. وعندما يستدعي البعض الخلافات القديمة في خضم مواجهة إقليمية خطيرة، فقد يتوهمون أنهم يكشفون الحقيقة، بينما هم في الواقع يخدمون القوى التي تريد إضعاف المجتمعات العربية من الداخل.

لقد علمنا التاريخ، كما علمتنا الاستراتيجية، أن التفتت الداخلي هو أحد أرخص الانتصارات التي يمكن أن يحققها العدو. ولهذا يبقى فكر سون تزو صالحًا للاستحضار حتى اليوم. فجوهر منطقه لا يقتصر على كيفية خوض الحرب، بل يشمل أيضًا كيفية تجنب خدمة العدو بفوضاك الذاتية. ومن منظور سون تزو، فإن تبادل الاتهامات، وإحياء الأحقاد الداخلية، وخلط الشائعة بالرأي في زمن الحرب، كلها أشكال من الإضرار الاستراتيجي بالنفس. فعندما يسود التشويش، يضطرب الحكم، وتضعف المعنويات، وتتبدد الطاقة بعيدًا عن الخطر الرئيسي. ومن هذا المنظور، فإن المعلّق أو الكاتب الذي يؤجج الانقسام داخل معسكره، إنما يتنازل عن ميزة استراتيجية من دون قتال. أما المسلك الأجدر بالحكمة فهو العكس تمامًا: حفظ النظام الداخلي، وضبط اللغة، وعزل الخلافات الثانوية، وتثبيت انتباه الرأي العام على العدو الحقيقي.

وهذا المعنى نفسه يفسر لماذا لا يجوز الحكم على الحكومات بعقلية الانفعال الشعبي أو حماسة الشعارات. فمن يكون في موقع الحكم لا يملك ترف رد الفعل العاطفي. إنه يحمل عبء الدولة. وكل خطوة يخطوها، وكل كلمة يقولها، وكل إشارة يرسلها، وكل قرار يتخذه، لا بد أن يُوزن على مستويات متعددة: الأمن، والدبلوماسية، والاقتصاد، والتماسك الاجتماعي، والتوازن العسكري، والمصلحة الوطنية بعيدة المدى. والخطأ في الحياة الخاصة قد يكون مؤسفًا، أما الخطأ في موقع الحكم فقد يتحول إلى كارثة وطنية. ولهذا فإن الناضجين يقاربون سلوك الدولة في زمن الحرب بالرصانة لا بالشعارات، لأن الحكم تحت الضغط ليس استعراضًا، بل مسؤولية.

كما ينبغي أن ندرك أن استيعاب طرف عربي آخر، أو احتواء الخلاف بدل دفعه إلى التصعيد، لا يعني بالضرورة ضعفًا أو تنازلًا عن الثوابت، بل قد يكون في كثير من الأحيان دليل حكمة. والتجربة الأردنية نفسها تقدم درسًا مهمًا في هذا الباب. فقد أظهرت الدولة الأردنية، عبر سنوات طويلة، أن الحفاظ على التماسك الداخلي، وامتصاص التوتر، وتقديم الاستقرار الوطني على الانفعال العاطفي، يمكن أن يحمي البلاد من هزات أصابت غيرها. فعقلانية الدولة ليست تراجعًا عن الثوابت، بل كثيرًا ما تكون الوسيلة الأذكى لحمايتها. والثبات السياسي، حين يقترن بالتماسك الوطني، ليس تراجعًا، بل قوة منضبطة.

وهذا المعنى ينسحب على الواقع العربي الأوسع كذلك. فنحن نمر بمرحلة لا تحتمل ترف التفكك الخطابي. فالمواطن العربي لا يحتاج إلى مزيد من الصراخ، ولا إلى مزيد من الشكوك المتبادلة، ولا إلى مزيد من تصفية الحسابات التاريخية المقنعة بثوب التحليل. إنه يحتاج إلى وضوح، وإلى توازن، وإلى أصوات تدرك الفرق بين كشف الخطر وصناعته، وبين الخلاف المشروع والتحريض الهدام، وبين اليقظة الوطنية والتخريب الاجتماعي.

ولهذا، فالسؤال الصحيح ليس: لماذا يختلف العرب؟ فالاختلاف في التقدير وارد في السياسة، بل طبيعي. لكن السؤال الأهم هو: كيف يجب أن يُدار هذا الاختلاف في زمن الحرب؟ والجواب واضح: يُدار بضبط النفس، والانضباط، وسعة الأفق، وإدراك حجم الخطر الأكبر. قد يختلف العرب في التفسير، وفي الأسلوب، وفي القراءة السياسية، لكن لا يجوز أن يحولوا هذا الاختلاف إلى اتهام متبادل بينما العدو المشترك ما زال يعمل.

وفي مثل هذه اللحظات، يصبح على الكاتب الجاد واجب يتجاوز مجرد التعبير عن الرأي. عليه أن يساعد المجتمع على البقاء مستقيمًا تحت الضغط. عليه أن يهدئ حيث يهيّج الآخرون، وأن يوضح حيث يربك الآخرون، وأن يحمي التماسك حيث يسعى بعضهم إلى التصفيق عبر الاستفزاز. وهذا ليس تخليًا عن الرأي، بل ارتقاء بالمسؤولية.

في هذه المرحلة من الحرب، تبدأ المسؤولية العربية من قاعدة واحدة: ألا نُعين العدو على أنفسنا بتفريق مجتمعاتنا من الداخل.

 

 

·      مستشار في الهندسة والصناعة وإدارة المشاريع