غادرنا سمح الوجه .. سميح
غادر دار الفناء ، متوجهاً الى دار البقاء ، بجوار ربّ العباد
العلي العظيم ، تنفيذاً لقضاء الله وقدره المحتوم المحامي الأستاذ المُقدر / سميح
فهيم الحباشنة ( أبو يعرب ) .
بمغادرته ، غادرتنا الطيبة ، والسماحة ، والعفوية ، والدفء .
بمغادرة الأستاذ / سميح ، غادرنا الكرم ، والعفة ، ونقاء السريرة ، وعِفة اللسان ،
وطيب المعشر .
غادرنا أبا يعرب الحبيب ، الصديق الصدوق ، الهاديء ، الرزين ،
الأصيل ، الذي يحترف إحترام الرأي الآخر ، ويقدِّس إحترام الإختلاف .
لله درُّك يا صديقي يا أبا يعرب ، أنا أشهد أنك كنت سمح الوجه
، طَلْقَ المُحيّا ، بهيّ ، متسامح ( بتغبى فيك الزلِّة ) كما يُقال . لقد كنت يا
أبا يعرب عروبياً هادئاً ، مبتسماً ، رزيناً ، متفاعلاً ، بهي الطلّة ، وسيم
الطلعة ، قبل أن يصيبك ما أصابك .
كان يقول لي ويكرر دوماً : (( إبن عمي أبو خالد دير بالك من
اليهودي ( برميل ولا ويش إسمه ) هظول الصهاينة غدارين )) . ويقصد
الصحفي الصهيوني وكاتب العمود الرئيسي في صحيفة هآرتس الصهيونية / تسيفي برئيل ،
عندما كتب عني مقالاً ، منتقداً كتاباتي ، ومشككاً في بعض معلوماتي التي أكشف بها
غدر الأعداء ومنهم الصهاينة .
تعرفت على أبي / يعرب في الكرك عام ١٩٧٨ ، عندما أتيت
في إجازة ، من الإمارات الحبيبة ، مستقلاً سيارتي الخاصة براً . حيث كنت في مسقط
رأسي ، ومصدر فخري ، في الكرك الحبيبة ، المدينة الأبية ، مُنجِبة الأحرار
رجالاً ونساءاً . وكان جالساً على كرسي أمام أحد المحلات ، وعندما إستقليت سيارتي
، لفت إنتباهي رجلاً يجلس على كرسي ، أمام أحد المحلات ، وكان يحدِّقُ فيّ
وفي سيارتي أكثر من اللازم ، وكانت سيارتي تحمل لوحة أرقام أبوظبي الحبيبة . ولفت
نظري أن هناك شبهاً بينه وبين أحد أصدقائي . فاوقفت السيارة ونزلت حتى
أُسلِّمَ عليه . فسلّمت عليه ، وعرّفته بنفسي وقلت له أنا / عوض الملاحمة ،
وهو يهم بالوقوف من على كرسيه قال : والنعم ، لكن ملاحمة وأشقر ، كيف صارت
؟ قلت له كيف : قال : نعم أشقر ومن الملاحمة ، كيف ؟ وسيارتك نمرة خليجية :
لويه ؟ ضحكت وقلت له أنا خوالي الضمور / فخذ العقول ، قال والنعم ، منوه خالك
اللزم ، قلت له : خالي اللزم أخو أُمي الشيخ / عبدالحليم سليمان العقول ( ابو عوض
) ، وإبن عمّ أمي : الشيخ / عبدالمجيد بن حسن ( ابو ماجد ) ، وأخوه / عطالله ( ابو
مخلد ) ، ومن أبناء عمّ أُمي الحاج / زعل أبو الدكتور / عبدالله الضمور . قال خلص
، خلص بعرفهم كلهم . والله والنعم وفعلاً كلهم شقر . أما لوحة السيارة فهي
لوحة أبوظبي لأنني أعمل هناك .
قلت له تسمحلي دوري أنا أسألك الآن . قال تفضل : قلت له أنا
بشبه عليك ، شو درجة القرابة بينك وبين المهندس / سمير فهيم الحباشنة ؟ قال : إذا
ليك ثار خُذه ، وأنا مكتف إيديّ . قلت الله يكفينا شر الشر . قال : والله يا لاقي
خير إنه أخوي . قال منين بتعرفه ؟ رددت وقلت : بأننا كنا زملاء في جامعة بغداد .
قال : يه شو بغداد أخوي سمير درس في جامعة حلب . قلت له : وبعد ما إتسفر من حلب ،
من وين إتخرج ؟ مش من جامعة بغداد ؟ قال بامزح معاك يا إبن عمي . وقال : جيرت الله
عليك معازيبك اليوم ، وبصعوبة تخلصت من جدّيته في دعوته .
وإنقطعنا لأكثر من ( ٣٠ ) عاماً ، لم التقيه ، الى أن
تشرفت بالإنتساب الى / الجمعية الأردنية للعلوم والثقافة . وفي أحد الأيام
أتى معالي المهندس / سمير الحباشنة ، وقال لي أستاذ / عوض بتعرف هالشاب
الحلو : أخوي سميح أبو يعرب . فتذكرت لقاءنا الأول . لكن ما آلمني أنه كان يسير
بمساعدة عصاً . ولاحظت ان شيئاً من وسامته قد تغير . فسألته شايف أمورك مش طبيعيه
إبن العم ، أبو يعرب ؟ هل تعرضت لحادث سير او ما شابه ؟ قال : والله يا إبن عمي
عين ( طستني ) أي أصابتني ، وعانيت منها ما عانيت . قال : يعني انت قارنت
ولاحظت الفرق ؟ قلت له نعم ، كان شكلك في شبابك وقبل ان يصيبك ما أصابك ، أكثر
وسامة ، وكنت بهيّ الوجه ، طلتك كلها عنفوان ووسامة ولباسك كان أنيقاً جداً . قال
: هذا ما حصل يا إبن عمي .
كان سميح سمح الوجه . كان سميح يعشق أمثالنا الشعبية ،
وأقولنا المأثورة . وكان طَلْق الوجه ، بشوشاً ، متمسكاً بلهجته الكركية ،
وكان يحفظ كمَّاً كبيراً من الأمثال والنكات الشعبية .
صديقي مهيب الطَلّة ، الوقور ، الأستاذ / سميح ، رحمك ربي
وأحسن اليك وأسكنك فسيح جناته .
راجياً ان أُقدِّم خالص عزائي وعظيم مواساتي ، الى زميل
الدراسة ، ورفيق العمر ، والفكر معالي المهندس / سمير فهيم الحباشنة ( ابو الفهد ) .
كما يشرفني ان أتوجه الى أبناء العمومة قبيلة الحباشنة
الأصيلة الأبية ، وكافة عشائر الحباشنة الكرام بأصدق العزاء ، وأعمق المواساة ،
مؤكداً لهم ان مُصابهم أصابنا ، وعظيم فَقْدِهم آلمنا ، أحسن الله عزائكم ، وإنا
لله وإنا اليه راجعون .
الحزين على فقد رجلٍ نبيل مهذب / عوض ضيف الله الملاحمة .

























