الحلقة الخامسة في سلسلة استدعاء التاريخ السياسي والتوثيق الوطني
وثيقة العزّ الباقية: يوم انحنى الغُزاة أمام بنادق الجيش العربي في القدس عام ١٩٤٨
بقلم د. أحمد زياد أبو غنيمة
تمهيد: تأتي هذه السطور
لتكون الحلقة الخامسة في سلسلة استدعاء التاريخ السياسي والتوثيق الوطني، وهو جهدٌ
دؤوب نواصل من خلاله نفض الغبار عن صفحات مجدنا الناصعة، وإعادة تقديمها للأجيال
برؤية تجمع بين أصالة المنهج وحداثة التناول؛ صوناً للهوية الوطنية الأردنية،
وترسيخاً لبطولات جيشنا العربي المصطفوي على ثرى فلسطين المباركة.
****
من صفحات المجد المشرقة
التي خلدها التاريخ بمداد من نور، والتي لا تزال تنبض فخراً في عروق كل أردني
وعربي شريف، تبرز تلك اللحظة الفارقة في الثامن والعشرين من أيار لعام ١٩٤٨.
هناك، حيث تعانقت أرواح
الشهداء مع مآذن القدس العتيقة وأجراس كنائسها، كانت أسوار المدينة المقدسة شاهدةً
على بطولة استثنائية سطرها أبناء الجيش العربي الأردني، وتحديداً أبطال
"الكتيبة السادسة" بقيادة القائد الفذ، البطل عبدالله التل.
****
بعد معارك ضارية وملاحم
بطولية، ضيّق النشامى الخناق على عصابات "الهاجاناه" الصهيونية المتحصنة
في الحي اليهودي داخل البلدة القديمة. وأمام بأس البنادق الأردنية، وصمود الرجال
الذين أقسموا ألا تدنس مقدساتهم، لم يجد الغزاة بُداً من رفع راية الاستسلام
البيضاء، صاغرين أمام الإرادة العربية.
وهنا، تجلت عظمة
الانتصار في تلك الوثيقة التاريخية الفريدة، والتي تُعد بحق أول وثيقة استسلام
رسمية مكتوبة للصهاينة في التاريخ الحديث. لقد وقّع قائد الهاجاناه "موشيه
روزنك" مهزوماً على شروط الاستسلام التي أملاها عليه المنتصر، القائد عبدالله
التل.
****
تلك الوثيقة لم تكن
مجرد إعلان نصر عسكري، بل كانت "وثيقة شرف" عكست أخلاق الجندي الأردني؛
فبينما كانت العصابات الصهيونية ترتكب أبشع المجازر، كان سيف الجيش العربي سيفاً
للحق والعدل، يحمي الشيوخ والنساء والأطفال ويؤمن خروجهم، تجسيداً لأصالة العسكرية
العربية الإسلامية.
****
"الفروسية العربية لا تموت: القائد عبد الله التل"
وإيماناً منا بأن
الذاكرة الوطنية هي الحصن الأول، ولأننا ندرك أهمية بناء جسر وجداني يربط أبناءنا
بتاريخهم المشرف، فقد قمت بتحويل هذه الملحمة الخالدة - قبل سنوات - إلى عمل أدبي
مصوّر موجه للفتيان يحمل عنوان "الفروسية العربية لا تموت: القائد عبد الله
التل"
.
إن تحويل هذا التاريخ
السياسي والتوثيقي إلى قالب "القصص المصورة" بسيناريو وحوار مشوقين،
يهدف بالأساس إلى غرس قيم البطولة والاعتزاز في نفوس أجيالنا الصاعدة.
****
نريد لفتياننا أن يروا
بأم أعينهم كيف ذاد الأجداد عن حمى القدس، وليعرفوا أن ثرى فلسطين قد جُبل بدماء
أردنية طاهرة، ولتظل تضحيات "أبطال الجيش العربي" حيةً تنبض في وعيهم،
ومصدراً ملهماً للفخر والاعتزاز جيلاً بعد جيل.
رحم الله شهداءنا
الأبرار، وحفظ الله الأردن وطناً للحق والبطولة.






















