الغويري .. الغيور على وطنه
عوض ضيف الله الملاحمة
الأوطان مكرّمة ، لا
تُنبذ ، ولا تُنسى ، ولا تُهمّش ، ولا تُهان . الأوطان مقدّسة ، الأوطان كرامتها
كما كرامة الإنسان . الأوطان أغلى من الإنسان لأن الإنسان يضحي بحياته
دفاعاً عنها . الأوطان هي والروح صنوان لا يفترقان ، ولا يختلفان ، ولا تتنازل روح
الرجل المنتمي عن تقديس وطنه.
الإنسان المنتمي لوطنه
حقاً ، وطنه يسكنه ، ويرافقه كأنفاسه ، ويلتصق به كما ظِلّه ، ويخاله يسكن بين
أهدابه ، ويراه بين ناظريه في حلّه وترحاله .
زار جلالة الملك
عبدالله دولة فيتنام في شهر ٢٠٢٥/١١ ، وتركزت الزيارة في العاصمة ( هانوي ) .
وكانت زيارة تاريخية بمعنى الكلمة ، لأنها أول زيارة لعاهل أردني . والتقى
جلالة الملك خلالها كبار المسؤولين الفيتناميين . وحضر جلالته الجلسة الإفتتاحية
لملتقى الأعمال الأردني.
كما زار وفد نيابي
أردني فيتنام في شهر ٢٠٢٦/٢ . وجاءت الزيارة تلبية لدعوة رسمية من رئيس الجمعية
الوطنية الفيتنامية ( البرلمان ) . والتقى الوفد خلال الزيارة بكبار المسؤولين
الفيتناميين ، وسفراء البعثات الدبلوماسية العربية المعتمدين لدى فيتنام . وتناولت
المباحثات سبل تعزيز العلاقات الثنائية والتشريعية بين البلدين ، الى جانب بحث فرص
التعاون الإستثماري والإقتصادي . وتعتبر هذه الزيارة أول تبادل للوفود بين قادة
الهيئات التشريعية في البلدين منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما عام ١٩٨٠ .
وكان من ضمن الجولة
زيارة الوفد البرلماني الأردني برئاسة معالي / مازن القاضي ، رئيس مجلس النواب ،
رئيس الوفد ، لمتحف التاريخ العسكري الفيتنامي . وهنا يكمن الهدف من مقالي
هذا.
كان سعادة النائب /
محمد سلامة الغويري ، من ضمن أعضاء الوفد . وعندما دخلوا الى متحف التاريخ العسكري
الفيتنامي ، لاحظ سعادة النائب / الغويري ، وجود خارطة للعالم ، ومكتوب
عليها أسماء الدول ، فتفحص الخارطة باحثاً عن إسم وطنه الحبيب الأردن العزيز
العظيم ، لكنه فوجيء بعدم وجود إسم الأردن . فشعر بشيء من القهر ، والغُبن ،
متسائلاً ومستغرباً . فما كان منه ، وبفضل بداهته ، وذكائه ، وحسن تصرفه ، وتفكيره
التلقائي إلا ان نزع العلم الأردني المثبت على ياقة بذلته بدبوس ، وثبّته
على مكان الأردن على الخارطة ، وساعده على ذلك كون جسم الخارطة مصنوع من الفلين .
إلتفت معظم الحضور الى
الحركة الذكية التي قام بها سعادة النائب / محمد سلامة الغويري ، التي عكست سرعة
بديهته ، وحُسن تصرفه ، وغيرته على وطنه ، وإن تغييب إسم وطنه قد أصابه بالأسى
والألم ، وتم التقاط هذه الحركة الذكية من قبل التلفزيون الفيتنامي ، والتلفزيون
الأردني المرافق للوفد.
تَصرُّف سعادة النائب /
محمد سلامة الغويري لفت إنتباه بعض الحضور من الفيتناميين ، وشّد إنتباههم ، في
حركته الذكية ، وسرعة بديهته حيث ثبّت وجود الأردن على خارطة العالم ، بحركة
دبلوماسية لبقة ، وأنا واثق من ان الفيتناميين سيعالجون الخطأ ، وسيضيفون إسم
الأردن بشكل أكيد ، لأنهم حتى لو نسيوا ذلك سيذكرهم علم الأردن ( المغروز ) على
الخارطة.
جربت الحنين والإشتياق
للوطن لعقود طويلة . وسأسرد قصة حصلت معي شخصياً :— في ثمانينات القرن
الماضي غِبت عن وطني الحبيب عامين كاملين ويزيد . وكنت كلي شوق للحظة الوصول
، وأثناء الرحلة ، قُلت للركاب الذين حولي في الطائرة ، انني أشتم رائحة
تراب الأردن ، ولديّ شعور ان الطائرة دخلت الأجواء الأردنية . فلم يكترثوا
لما قُلت ، وشعرت انهم اعتبروها مبالغة . وصدف ان أحد الركاب المجاورين الذين
سمعوا ما أقول ، وربما ان حُبّ الإستطلاع لديه عالٍ جداً ، فما كان منه الا ان ذهب
الى قُمرة القيادة وسأل الطيار : أين نحن الآن ؟ فأخبره الطيار باننا دخلنا
الأجواء الأردنية ، فانشده ، وأخبر الجميع بأعلى صوته ، وقال : لست مُصدقاً للآن ،
وقال لي : أنت شخص غريب ، وبالتأكيد انت تعشق الأردن . ( عِلماً انه في وقتها لا
توجد شاشات داخل الطائرة كما لا توجد خدمة إظهار مسار الطائرة ، كما الآن .
أحياناً ، نخطيء ،
ونعتبر حدثاً مثل الذي حصل مع سعادة النائب / محمد سلامة الغويري ، حدثاً عادياً ،
وربما نعتبره بسيطاً . وهذا الخطأ اعتبره خطأين مركبين : خطأ تجاه الوطن ، وخطأ
تجاه المواطن.
نعم أعتبره خطأ تجاه
الوطن ، وكأننا لا نغار عليه ، ولا يعنينا ، ولا يهمنا حضور إسم وطننا بين أقطار
العالم ، وبمعنى آخر كأن غياب وطننا وحضوره بين دول العالم سيّان . وننسى ان للوطن
حضور بين الأوطان ، كما حضور الشخص بين الناس ، وهل يُحب أحداً ان يُهمّش او
يُغيَّب بين الناس ؟
كما أعتبره خطأً تجاه
المواطن ، وهنا يمثله المواطن الأردني الغيور سعادة النائب/ محمد سلامة الغويري .
الذي صَعُب عليه ، وآلمه غياب وطنه بين أقطار العالم ، وأحسّ وكأن في ذلك تهميش ،
وتغييب لوطنه الأردن العظيم.
لم يسرني ، بل سائني
تجاهل ما حصل مع سعادة النائب / محمد سلامة الغويري ، حيث لم يحظَ بلفتة ذكية
تتساوى ، وتتسق ، وتتكامل مع ذكائه وحُسن تصرفه .
يستحق سعادة النائب /
محمد سلامة الغويري لفتة تكريم من دولة / جعفر حسان ، رئيس الوزراء ، (( أقَلُّها
)) ان يدعوه لتناول فنجان قهوة في رئاسة الوزراء ، ويثني عليه ، او ان يشكره أمام
زملائه النواب في بداية إحدى الجلسات ، وقبل بدأ الجلسة الرسمية ، تكريماً له ،
وتكريماً للوطن الذي أثار غيرته بعدم وجود إسمه بين دول العالم ، حيث أبى الا ان
يكون وطنه حاضراً في حضرة الأوطان.
علينا ان نلتفت (
لرمزية ) الحدث . ولابد من المقارنة حتى نستشعر رمزية الحدث ، فمثلاً : هل يمكننا
ان لا نعبأ في ( عَلم الأردن ) ، ونقول انه ليس أكثر من قطعة قِماش ؟ ونُسقِط
رمزيته ؟ عندها يمكننا القول : ان الوطن ليس أكثر من حفنة تراب .
هناك قولٌ مأثور يعبِّر
عن عظمة الوطن ، يقول : (( لا تَحقِرنَ من الوطنِ شيئاً ، فكلُ جُزءٍ منه غالٍ
وعزيز )).
كل ما يتعلق في الوطن
يكون مهماً وعظيماً عِظم الوطن . وأختم ببيتٍ لأمير الشعراء / أحمد شوقي ، حيث
يقول :—
وطني لو شُغِلتُ
بالخلدِ عنه / نازعتني إليهِ في الخُلدِ نفسي .
























