المنطقة الآمنة المزعومة: من أحلام التوسع إلى الاعتراف بالفشل
كتب: جودت مناع *
يُعاود رئيس وزراء
المستعمرة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو التلويح بفكرة ما يُسمّى "المنطقة
الأمنية" على الحدود اللبنانية، وهي فكرة قديمة ارتبطت تاريخياً بمشاريع
الاحتلال والتوسع أكثر مما ارتبطت بالأمن والاستقرار.
تعود جذور هذه السياسة
إلى اجتياح لبنان عام 1982، حين أبقى الاحتلال سيطرته على شريط واسع من الجنوب
اللبناني تحت مسمى "الحزام الأمني"، مستعيناً بقوات محلية موالية له.
وقد استمر هذا الواقع سنوات طويلة قبل أن يضطر الاحتلال إلى الانسحاب عام 2000 تحت
ضغط المقاومة اللبنانية، في اعتراف عملي بفشل مشروع المنطقة العازلة في تحقيق أهدافه
الأمنية والعسكرية.
ومن الناحية القانونية،
لا تستند فكرة إنشاء منطقة أمنية داخل أراضي دولة ذات سيادة إلى أي أساس مشروع في
القانون الدولي. فميثاق الأمم المتحدة يحظر الاستيلاء على أراضي الغير بالقوة أو
فرض ترتيبات دائمة عليها خارج إطار الاتفاقات الدولية المعترف بها. ولهذا لم يحظَ
"الحزام الأمني" السابق ولا "الجدار الطيب" بأي شرعية دولية،
بل اعتُبر شكلاً من أشكال الاحتلال الذي انتهى دون أن يحقق الأمن الذي ادّعاه
قادته.
كما أن المتغيرات
العسكرية خلال العقود الأخيرة جعلت هذه الفكرة أقل جدوى من أي وقت مضى. ففي
ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي كانت المواجهات تعتمد بدرجة كبيرة على التحركات
البرية المباشرة، أما اليوم فقد تغيرت طبيعة الحروب بفعل الصواريخ الدقيقة
والطائرات المسيّرة ووسائل القتال بعيدة المدى، الأمر الذي يجعل السيطرة على بضعة
كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية عاجزة عن توفير الأمن الذي يدّعيه قادة الاحتلال
في المستعمرة.
والأهم من ذلك أن
العودة إلى الحديث عن "منطقة آمنة" تكشف تراجعاً واضحاً في سقف الأهداف
التي رُفعت خلال الحروب الأخيرة. فقد قدّم نتنياهو وحلفاؤه تلك الحروب باعتبارها
فرصة لإعادة تشكيل الواقع الإقليمي وفرض ترتيبات استراتيجية جديدة تمنح الاحتلال
هيمنة أوسع في المنطقة. غير أن الانتقال من خطاب يتحدث عن تغيير موازين القوى في
الشرق العربي إلى المطالبة بشريط حدودي ضيق داخل الأراضي اللبنانية يعكس انكماشاً
في الطموحات الاستراتيجية أكثر مما يعكس تقدماً فيها. فبعد أن روّج اليمين
الإسرائيلي لمشاريع توسعية كبرى، عاد اليوم إلى استحضار نموذج "الحزام
الأمني" الذي سقط ميدانياً وسياسياً قبل ربع قرن.
إن إعادة تسويق مشروع
المنطقة العازلة لا تعبّر عن قوة استراتيجية، بل عن أزمة في الرؤية السياسية
والعسكرية. فالتجربة التاريخية أثبتت فشل هذا النموذج، والقانون الدولي يرفضه،
والمتغيرات الميدانية تجاوزته. لذلك تبدو الدعوات الجديدة لإقامة منطقة حدودية
"آمنة" في جنوب لبنان محاولة لإحياء مشروع فقد شرعيته القانونية
وفعاليته العسكرية، وتحولاً من أحلام التوسع الإقليمي إلى البحث عن مكسب حدودي محدود
لا يغيّر حقائق الصراع ولا يضمن الأمن الذي يدّعي أصحابه السعي إليه.
"جودت مناع كاتب صحفي فلسطيني، أستاذ الصحافة
ومدرب الإعلام في عدد من الجامعات، تخرج من المعهد الدولي للصحافة في برلين وجامعة
ليدز في بريطانيا. عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين والاتحاد الدولي للصحفيين. وعضو
في اتحاد الصحفيين البريطانيين. ورابطة الكتاب الأردنيين. عمل أيضاً بي بي سي -
لندن، وام بي سي - لندن، ووكالة الصحافة الفرنسية."
























