ثمانية أرواح تنتظر متبرعا واحدا… فهل ان الاوان لإحياء زراعة الأعضاء في الأردن
د جمال الدباس
في كل يوم نفقد مرضى
أنهكتهم الأمراض المزمنة، حتى انتهت إلى فشل نهائي في القلب أو الكلى أو الكبد أو
الرئتين، ولم يبق أمامهم سوى أمل واحد… زراعة عضو من متبرع يعيد إليهم الحياة.
وهكذا الاف المرضى في
الاردن انتهى بهم المرض المزمن الى فشل عضو لا دواء له سوى الزراعة. بعضهم ينتظر
قلبا، واخر كلية، وثالث كبدا او رئة، بينما تمر الايام وقد لا تأتي الفرصة ابدا.
ورغم ان زراعة الاعضاء اصبحت العلاج الذهبي والاقل كلفة على المدى البعيد لهذه
الحالات في معظم دول العالم، فإنها لا تزال في الاردن دون الطموح، رغم توافر
الخبرات الطبية القادرة على تحقيق ذلك
قد لا يعلم كثيرون ان
الاردن كان من اوائل الدول في المنطقة في هذا المجال. ففي 9 اب 1985 اجريت اول
عملية زراعة قلب ناجحة في الاردن، وكانت ايضا الاولى في العالم العربي والمنطقه ،
والثامن عالميا ، لتسجل المملكة انجازا طبيا رياديا سبق كثيرا من الدول.
ومنذ ذلك التاريخ وحتى
نهاية التسعينيات اجريت نحو 18 عملية زراعة قلب، ثم تراجع البرنامج بصورة كبيرة
منذ 26 عام ، وحتى انه خلال ربع القرن التالي لم تسجل سوى عملية تبرع واحدة
بالقلب، بحسب البيانات التي عرضتها جمعية اطباء القلب الاردنية. والسؤال الذي يفرض
نفسه: لماذا؟
المشكلة ليست في
الاطباء، ولا في المستشفيات، ولا في الخبرات الجراحية، فالاردن يزخر بكفاءات طبية
مشهود لها عالميا. المشكلة الحقيقية تكمن في ضعف ثقافة التبرع بالاعضاء، وقلة
الوعي المجتمعي، واستمرار الالتباس حول مفهوم الوفاة الدماغية، اضافة الى الحاجة
لتوعية دينية وثقافية اوسع.
في لحظة الوفاة
الدماغية تنتهي حياة إنسان يقينا، لكنها قد تكون بداية حياة لآخرين. فالوفاة
الدماغية هي التشخيص الطبي الحتمي للوفاة، ورغم أن القلب قد يستمر في النبض بفضل
أجهزة الإنعاش، فإن الأعضاء تبقى مروية بالدم وسليمة لفترة محدودة، وهي الفترة
الذهبية للتبرع، حيث تكون في أفضل حالاتها لزراعة ناجحة تنقذ أرواح المرضى وتمنحهم
حياة جديدة
فالوفاة الدماغية ليست
غيبوبة، وليست مرحلة يمكن الشفاء منها، بل هي الوفاة الحقيقية عندما يثبت التوقف
النهائي وغير القابل للرجوع لجميع وظائف الدماغ وفق معايير طبية دقيقة وبقرار لجنة
طبية مستقلة. وهي الفترة الذهبية التي يمكن خلالها انقاذ حياة مرضى اخرين بزراعة
تلك الاعضاء. اما بعد توقف الدورة الدموية ووفاة الاعضاء، تضيع هذه الفرصة الى
الابد.
ان متبرعا واحدا يمكن
ان ينقذ حياة ثمانية اشخاص، من خلال التبرع بقلب واحد، ورئتين، وكبد، وكليتين،
وبنكرياس، وامعاء. ولا يتوقف العطاء عند هذا الحد، بل يمكنه ايضا ان يحسن حياة 75
اخرين بالتبرع بالقرنيات، وصمامات القلب، والعظام، والجلد، والاوتار، وسائر الانسجة
التي تعيد البصر والحركة والامل للمرضى
صياغة منسقة وأقوى:
ولهذا بادرت جمعية
اطباء القلب الاردنية، في 16 تشرين الاول 2025، الى عقد مؤتمر وطني لاعادة اطلاق
برنامج زراعة القلب في الاردن، ووضع بروتوكولات تشخيص الوفاة الدماغية والتبرع
بالاعضاء في صدارة الاولويات الوطنية، انطلاقا من قناعة راسخة بأن هذا الملف لا
ينجح بقرار طبي وحده، بل بشراكة حقيقية بين القطاع الصحي والمؤسسات الدينية
والاعلام والمجتمع.
واليوم، نحن بحاجة الى
موقف وطني جامع، وحملة توعية شاملة، وبيان واضح من مجلس الافتاء العام، بالتعاون
مع القيادات الدينية الاسلامية والمسيحية، يطمئن الناس ويؤكد ان التبرع بالاعضاء
بعد تحقق الوفاة الدماغية، وفق الضوابط الشرعية والطبية، هو عمل انساني نبيل وصدقة
جارية، يتجسد فيه قول الله تعالى: ومن احياها فكأنما احيا الناس جميعا.
فنجاح زراعة الاعضاء لا
يبدأ في غرفة العمليات، بل يبدأ من وعي المجتمع، ومن قرار شجاع يتخذه الانسان في
حياته، ليمنح الحياة لغيره بعد وفاته.
فهل آن الاوان ان
يستعيد الاردن ريادته في زراعة الاعضاء، وان تتحول كل وفاة دماغية مؤهلة الى حياة
جديدة لثمانية مرضى، وامل لعشرات غيرهم، بدلا من ان تدفن مع المتوفى اعضاء سليمة
كان يمكن ان تهب الحياة لمن ينتظرها

























