من شرعية الفصائل إلى شرعية الوطن
كتب: جودت مناع
لم يعد السؤال
الفلسطيني اليوم متعلقاً بأحجام الفصائل أو برامجها بقدر ما يتعلق بقدرة الحركة
الوطنية الفلسطينية على مواجهة أخطر مرحلة في تاريخها المعاصر. فبين حرب تستهدف
محو قطاع غزة، واستيلاء متسارع على أراضي الضفة الفلسطينية، ومشاريع متواصلة
لتهويد القدس، تبدو الحاجة ملحة إلى مراجعة عميقة للبنية السياسية الفلسطينية
وأدواتها النضالية.
لقد نشأت منظمة التحرير
الفلسطينية بوصفها الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني وإطاره الجامع، غير أن تعدد
التنظيمات داخلها تحول مع مرور الزمن من مصدر تنوع إلى مصدر استنزاف سياسي ومالي
وإداري. فالموارد التي يفترض أن تُسخّر لتعزيز صمود الفلسطينيين ومواجهة المشروع
الاستعماري الإسرائيلي أصبحت تُستهلك في إدارة التوازنات الفصائلية وصراعات النفوذ
والمحاصصة.
كما أن هيمنة تنظيم على
القرار الوطني أو إقصاء تنظيمات أخرى أضعف الثقة بالمؤسسات الوطنية، تماماً كما
أدى تهميش الكفاءات والأفراد المستقلين إلى إفقاد الحركة الوطنية كثيراً من
طاقاتها الخلاقة. فالوطن لا يُبنى بالولاءات التنظيمية، وإنما بالشراكة الوطنية
والكفاءة والقدرة على العطاء.
ومن هنا تبرز الحاجة
إلى الانتقال من نموذج الائتلاف الفصائلي إلى نموذج الحركة الوطنية الواحدة، بحيث
تصبح منظمة التحرير الفلسطينية إطاراً تنظيمياً جامعاً يضم مختلف التيارات الفكرية
والسياسية تحت سقف برنامج وطني موحد. فالتعددية الفكرية قيمة ديمقراطية يجب الحفاظ
عليها، أما التعددية التنظيمية فقد أثبتت، في الظروف الفلسطينية الراهنة، محدودية
قدرتها على مواجهة الأخطار الوجودية المحدقة بالشعب الفلسطيني.
وليس هذا الطرح بعيداً
عن تجارب حركات التحرر الوطني الكبرى. فقد خاضت جنوب أفريقيا معركتها ضد نظام
الفصل العنصري تحت قيادة حركة وطنية جامعة، كما حققت فيتنام استقلالها ووحدتها
الوطنية من خلال توحيد قواها الأساسية حول هدف التحرر. ولم يكن التنافس الحزبي
هناك أولوية تسبق معركة الاستقلال، بل جاء لاحقاً بعد إنجاز الأهداف الوطنية
الكبرى.
إن الديمقراطية
الحقيقية لا تتجسد في كثرة التنظيمات بقدر ما تتجسد في حرية الرأي وتكافؤ الفرص وتداول
المسؤولية واحترام الإرادة الشعبية. أما حين يصبح الوطن نفسه مهدداً، فإن وحدة
الحركة الوطنية تتحول من خيار سياسي إلى ضرورة تاريخية.
ومن هذا المنطلق وهذه
اللحظة، لا أرى نفسي منتمياً إلى أي إطار تنظيمي بقدر انتمائي إلى فلسطين وإلى
مهنتي ورسالة الفكر الحر والفلسفة الجامعة بين المهنية والوطنية. وأعتقد أن من حق
الفلسطينيين اليوم أن يفتحوا نقاشاً شجاعاً حول جدوى استمرار التعددية التنظيمية
بعد أن أظهرت إخفاقات عميقة في مواجهة التحديات الراهنة. فالقضية لم تعد قضية
فصائل، بل قضية شعب يخوض معركة وجود. وفي مثل هذه المعارك لا تنتصر الأمم بتعدد
الرايات، بل بوحدة المشروع الوطني، ووحدة الإرادة، ووحدة الهدف.
"جودت مناع كاتب صحفي فلسطيني، أستاذ الصحافة
ومدرب الإعلام في عدد من الجامعات، تخرج من المعهد الدولي للصحافة في برلين وجامعة
ليدز في بريطانيا. عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين والاتحاد الدولي للصحفيين. وعضو
في اتحاد الصحفيين البريطانيين. ورابطة الكتاب الأردنيين. عمل أيضاً بي بي سي -
لندن، وام بي سي - لندن، ووكالة الصحافة الفرنسية."

























