من المسكنات المالية إلى التخطيط الاستراتيجي: قراءة في إدارة الأزمات الاقتصادية
نضال ملو العين
في عالم تتسارع متغيراته وتتداخل
أزماته، بات واضحاً أن سياسة "المنح والمساعدات المجانية" لم تعد مجرد
حل غير مجدٍ، بل أصبحت عبئاً حقيقياً يهدد استدامة الاقتصادات. ففي زمان لا شيء
فيه مجاني، لا تعدو هذه المساعدات أن تكون "مسكنات مالية" مؤقتة، تخدع
صانع القرار وتؤجل الانفجار الحتمي للمشكلة، دون أن تقدم علاجاً حقيقياً أو جذرياً.
ثقافة الدعم المجاني.. باب مفتوح
للضغوط
حين تلجأ الحكومات إلى تقديم دعم غير
مشروط لفئات مجتمعية أو قطاعات اقتصادية محددة، فإنها غالباً ما تفتح على نفسها
أبواباً لا تنغلق من المطالب والفئوية. يصبح الضغط مستمراً على الخزينة العامة،
وتتحول هذه القطاعات إلى كيانات اتكالية تنتظر العطايا بدلاً من الابتكار والتكيف.
إن البديل العقلاني والمستدام يكمن في
ربط أي شكل من أشكال الدعم بأهداف واضحة، أو مشاريع تنموية، أو خطط عمل دقيقة. وفي
أضعف الإيمان، يجب أن تُمنح هذه الأموال على شكل قروض ميسرة لفترة محددة، تضمن
استمرارية الدورة المالية واسترداد الأموال لإعادة توجيهها نحو قطاعات أخرى أكثر
حاجة وأكثر إنتاجية.
فخ ترحيل الأزمات وإدارة الوقت الضائع
الوقوع في فخ "تأجيل المشكلة إلى
المجهول" هو العدو الأول للتخطيط السليم. إن غياب خطة خروج واضحة لأي أزمة
يعني باختصار أننا نشتري وقتاً باهظ الثمن من مستقبل الأجيال القادمة.
اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، تبرز
الحاجة الملحة لتحويل بوصلة الرؤية الاقتصادية نحو المشاريع والاقتراحات
الاستراتيجية؛ وهي مشاريع تهدف إلى التطوير، والتحديث، وتجاوز الأزمات عبر ابتكار
حلول حقيقية، لا عبر تشكيل أعباء إضافية تنهك الخزينة وتزيد من عجز الموازنة
وترتيب الأولويات بشكل خاطئ.
قطاع السياحة نموذجاً: عندما تصبح
الأزمة "حياةً يومية"
خذ على سبيل المثال الأزمات التي تصيب
قطاعات حيوية كالقطاع السياحي؛ فعندما تمتد الأزمة لسنوات طوال (ست سنوات أو أكثر)
بأحداث متسارعة وتصعيد مستمر، فإن التعامل معها بمنطق "الحدث المؤقت الذي
سيزول قريباً" يعد خطأً استراتيجياً فادحاً.
الاستمرار في ضخ الأموال لإبقاء قطاع
ما في حالة "موت سريري" لا يُجدي نفعاً. الحل الحقيقي يكمن في:
* التأقلم
الواعي: قبول المعطيات الجديدة والتعامل معها كواقع يجب إدارته.
* البدائل القابلة للتنفيذ: صياغة خطط طوارئ واستراتيجيات مرنة
تتيح إعادة هيكلة القطاع، أو تنويع مصادره، أو دمج عناصره في دورات اقتصادية بديلة
تكون قادرة على الصمود والإنتاج.
إن الدول لا تُبنى بسياسة إطفاء
الحرائق المؤقتة، بل بالرؤى الاستراتيجية الثاقبة. إننا بحاجة ماسة إلى الانتقال
من ثقافة "الاستجابة للأزمات بالمسكنات" إلى ثقافة "الاستثمار في
الحلول والبدائل". فوحدها الخطط القابلة للتنفيذ، القائمة على الإنتاج
والاستدامة، هي التي تضمن لنا عبور الأزمات بأقل الخسائر، وصناعة مستقبل اقتصادي
بمعزل عن مفاجآت المجهول.

























